التوتر الهندي الباكستاني إلى أين؟

أزمة تندلع بين الهند وباكستان النوويتين. جذور الأزمة تعود إلى 71 عاماً بسبب قضية كشمير التي هي بالنسبة للهند عمق استراتيجي لها أمام الصين وباكستان، فيما تطالب الأخيرة بانضمام الإقليم إليها أو على الأقل منح سكانها حق تقرير المصير.. التوتر الأخير الذي برز إلى العلن هل سيشعل فتيل الحرب مجدداً بينهما؟.

الأزمة التي اندلعت بين الهند وباكستان تعود لأكثر من 70 عاماً بسبب قضية كشمير. فمنذ أن أصدر البرلمان البريطاني في 17 تموز/ يوليو 1947 قانون استقلال الهند الذي أنهى الاستعمار البريطاني لها، الذي تبعه بعد شهر قرار تقسيم شبه القارة الهندية، برزت قضية كشمير كعقدة بين دولتي الهند وباكستان اللتين تشكلتا حديثاً. إذ قرر حاكم كشمير الهندوسي هاري سينغ الانضمام إلى الهند، متجاهلاً رغبة الأغلبية المسلمة بالانضمام إلى باكستان، ومتجاهلاً القواعد البريطانية السابقة في التقسيم، التي تنص على أن تنضم الولايات ذات الأغلبية الهندوسية إلى الهند على أن تنضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة إلى باكستان.

وتمثل كشمير أهمية استراتيجية لكل من الهند وباكستان، فالأولى تتمسك بها بشدة وترفض التنازل عنها، فهي تعتبرها عمقاً أمنياً إستراتيجياً لها أمام الصين وباكستان، فيما تطالب باكستان بانضمام كشمير إليها أو على الأقل منح سكانها حق تقرير المصير.

وجاء الهجوم الانتحاري الأخير في 14 شباط/ فبراير الماضي الذي تبنّاه "جيش محمد" وقتل فيه 42 عسكرياً هندياً في الشطر الهندي من كشمير، ليشعل فتيل التوتر بين البلدين. قامت الهند بداية بقصف ما قالت إنه معسكرات لـ"جيش محمد" المصنفة "إرهابية" داخل الأراضي الباكستانية، وبينما كانت طائرتان هنديتان تخترقان الأجواء الباكستانية، أسقط سلاح الجو الباكستاني طائرة داخل مجاله الجوي في كشمير، وتمّ توقيف طيّارها الهندي من قبل العسكريين الباكستانيين، فيما أعلنت إسلام آباد أن طائرة هندية أخرى تحطمت في الجانب الهندي من كشمير. ولاحقاً أفرجت باكستان عن الطيار الهندي كبادرة حسن نية لإنهاء فتيل التوتر الذي كاد أن يشعل حرباً بين الدولتين النوويتين، بعد دعوات من الدول المجاورة، والمجتمع الدولي لنزع فتيل الحرب.

وعن إمكانية تطور الأحداث الأخيرة إلى حرب بين الدولتين، اعتبر مسؤول العلاقات الخارجية لحزب "مجلس وحدة المسلمين في باكستان" السيد شفقت شيرازي في حوار مع الميادين نت أن الأزمة هي أزمة من الطرف الهندي لأن الحكومة الهندية لديها مشاكل داخلية.

وأضاف شيرازي أن رئيس الوزراء الهندي ناريدرا مودي يريد أن يربح الانتخابات المقبلة من خلال هذا التصعيد، بعد إثارته مشاكل بين المسلمين والهندوس داخل الهند في الانتخابات الماضية، وهو الآن هو في وضع حرج لأنه يواجه ضغوطاً داخلية، حيث لا تريد حكومته ولا الشعب الهندي أيه مواجهة أو حرب، وكذلك الأمر بالنسبة لباكستان.

"الدولتان لديهما أسلحة نووية وهما على بركان نار وبارود وإن اندلعت الحرب ستكون دماراً وستكون لها تداعيات في كل المنطقة، وليس من مصلحة أحد أن تندلع الحرب"، بحسب شيرازي الذي يلقي "اللوم على التصرفات الهندية غير المقبولة".

ويوضح أن "ثمة قراراً للأمم المتحدة في عام 1948 بإجراء استفتاء للسكان لتقرير مصير كشمير بالاستقلال أو بالانضمام إلى باكستان أو الهند، في حين كانت الهند ترفض الاستفتاء والجلوس إلى طاولة الحوار مع السلطات الباكستانية ولا مع المؤسسات الدولية".

ومع أن شيرازي لا يرى وجود "بوادر أو دواعٍ لكي تبدأ الحرب بين الهند وباكستان، لكنه يخشى أن ترتكب الحكومة الهندية "الحماقة"، مؤكداً أن "هناك قراراً باكستانياً بالرد السريع على أي اعتداء من الطرف الهندي".

وبحسب السياسي الباكستاني، فإن "الكرة الآن في الملعب الهندي". ورغم دعوات المجتمع الدولي وبعض دول الجوار للتوسط ولحل المشكلة، لا يزال الموقف الهندي غير مفهوم بالنسبة للسلطات الباكستانية، وخاصة حين تعلن الهند أن لديها قنوات أخرى للتحاور في حين أنها ترفض واقعياً الحوار "وبهذه الذهنية من الممكن أن ترتكب الحماقة ويحصل ما لا يحمد عقباه".

الهند تتهم باكستان بتمويل "جيش محمد" المرتبط "بالقاعدة" والذي تبنى الهجوم الأخير، بحسب السلطات الهندية، لكن شيرازي يعتبر أن هذا الكلام كان له واقع في تسعينيات القرن العشرين. "أما اليوم فباكستان دحضت كل هذه الوقائع إذ ليس من مصلحتها أن تقوم أي جماعة من داخل أراضيها بمهاجمة أي دولة أخرى مجاورة"، مشيراً إلى أن "السلطات الباكستانية طالبت مراراً السلطات الهندية بتقديم أدلة على اتهاماتها، "وحتى الآن لم تقدم الهند أية دلائل لتأكيد اتهاماتها".

"كشمير تعاني من أزمة كبيرة جداً منذ 71 عاماً، وهناك مسلمون مضطهدون يُقتلون داخلها، وأكثر من مئة ألف شهيد، وعشرات الآلاف في السجون يتعرضون لانتهاكات غير انسانية، وفق الأمم المتحدة"، يقول شيرازي.

ويضيف: "الكشميريون اليوم لا يخافون لا من قوة الجيش الهندي، ولا من السلطات الهندية وهم حاضرون في الشارع ومطلبهم الاستقلال والحرية"، المحكمة العليا داخل كشمير المحتلة أعلنت أن كشمير لا تخضع لدولة الهند وكرّست هذا القرار قبل أيام.

في المقابل، قالت المحللة والصحافية الهندية أديتي بهادوري في موقع "انترناشول أفيرز ريفيو" في حديث للميادين نت إن الهند لديها مطلب واحد فقط من باكستان هو "وضع حد للإرهاب في الهند".

وفي رأي بهادوري "فإن باكستان خسرت دائماً في مواجهة الهند في حرب تقليدية، بدأت بتغذية واستخدام جهات غير حكومية ضد الهند مثل مسعود أزهر وحفيظ سايكس وغيرهما، هؤلاء الناس يعملون من أراضي باكستان وبدعم من الدولة الباكستانية، وهناك الكثير من الأدلة المتاحة". وأكدت أن "كشمير ليست السبب الحقيقي للنزاع، رغم أنها نقطة احتكاك وإختلاف".

واعتبرت بهادوري أن السبب الأساسي هو أن "الجيش الباكستاني هو القوة الحقيقية في باكستان وأنهم يستمدون مبرر وجودهم في أعين الناس من خلال الإشارة إلى التهديد الهندي. هذا أيضاً تمّ بحثه وتسجيله من قبل الباحثين والخبراء والصحافيين الباكستانيين الذين اضطر بعضهم للانتقال إلى بلدان أخرى في المنفى من أجل ذلك".

وأضافت المحللة الهندية أنه بعد أن أصبحت كل من الهند وباكستان دولة نووية، "استخدمت باكستان التهديد النووي لمنع أي انتقام من الهند مرة أخرى، لشنّ هجمات متعددة أطلقتها من خلال هذه الجهات غير الحكومية مثل هجمات مومباي عام 2008، وهجمات أخرى بعد ذلك". وأشارت إلى أن "الصحافي الباكستاني المشهور حامد مير سافر إلى قرية الإرهابي الذي اعتقل في مومباي وأكد ما اكتشفته السلطات الهندية".

وتابعت بهادوري أنه "باستثناء عزل باكستان دبلوماسياً، لم تستخدم الهند الخيارات العسكرية الأخرى حتى الآن.. هذه المرة عندما قتل 42 من أفراد القوات شبه العسكرية في هجوم إرهابي في كشمير الهندية، ردّت الهند للمرة الأولى بضربها في عمق الأراضي الباكستانية".

وأشارت إلى موقف وزارة الشؤون الخارجية الهندية بأنها "لا تريد إيذاء المدنيين الباكستانيين أو حتى أي هدف لباكستان مثل الجيش أو القوات الجوية، لكنها ستهاجم فقط أهدافاً إرهابية".