صواريخ المقاومة الفلسطينية.. المعادلة تتغير (1)

نستطيع أن نعتبر أن المرحلة الثالثة من التصنيع المحلي للصواريخ في غزة، قد بدأت فعلياً منذ الإشتباك الأخير الأسبوع الماضي بين الفصائل الفلسطينية وجيش الاحتلال.

شكلت الضربات الصاروخية النوعية التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية انطلاقاً من غزة على مناطق عديدة في فلسطين المحتلة مؤخراً مؤشراً هاماً على التطور المطرد الذي وصلت إليه الصناعات الحربية الفلسطينية على المستوى المحلي، وشكلت أيضاً إثباتاً عملياً على تصريحات سابقة أكدت على امتلاك المقاومة الفلسطينية صواريخ نوعية، وقد كان آخر هذه التصريحات ما قاله في هذا الصدد أمين سر مجلس الأمن القومي الإيراني في مطلع العام الحالي.

مرت صناعة الصواريخ المحلية، واستخدامها القتالي إنطلاقاً من غزة، بعدة مراحل بدأت منذ مطلع العقد الماضي، المرحلة الأولى بدأت عام 2001 بأول أجيال صواريخ "القسام" المستوحاة من صواريخ راجمات "الكاتيوشا" السوفيتية، وقد تم استخدام هذا الصاروخ للمرة الأولى في نفس العام لقصف مستوطنة سديروت، وكان الجيل الأول من هذه الصواريخ لا يتعدى مداه 2 كيلومتر وكان رأسه المتفجر ضئيل القدرة التدميرية حيث بلغت زنته 1 كيلوجرام فقط، ثم تتابعت النسخ من هذا النوع، فكان الجيل الثاني عام 2002، والذي وصل مداه إلى 10 كيلو متر برأس متفجر زنته 6 كيلوغرامات، ثم الجيل الثالث عام 2005 ووصل مداه إلى 16 كيلومتر برأس متفجر تصل زنته إلى 10 كيلوغرامات.

بعد ذلك تحسنت الترسانة الصاروخية المتوفرة لدى فصائل المقاومة، فتسلحت بداية من العام 2007 بالمدفعية الروسية الصاروخية "غراد" التي يتراوح مدى صواريخها بين 20 إلى 40 كيلومتر، كما تزودت أيضاً بنسخة صينية الصنع من هذه الصواريخ، فامتلكت الصواريخ الصينية "WS-1E" التي يصل مداها إلى 45 كيلومتر، والمزودة برأس متفجر تبلغ زنته 20 كيلوغرام. وهذا مكنها من ضرب مناطق مثل أسدود وبئر السبع.

تطور آخر حدث خلال هذه المرحلة، تمثل في تطوير كتائب القسام للصاروخ "M-75" المطور من سلسلة صواريخ القسام، وقد تم استخدامه للمرة الأولى عام 2012 في قصف مدينة تل أبيب، ويبلغ مدى هذا الصاروخ 75 كيلومتر، وتميز بحجم رأسه المتفجر الكبير بالمقارنة بجميع الأجيال الأخرى من الصواريخ محلية الصنع، وتراوحت زنته بين 50 إلى 70 كيلوغرام.

في عام 2014 بدأت المرحلة الثانية من مراحل تطور الصناعات المحلية للصواريخ في فلسطين، حيث شهد هذا العام وتحديداً معركة "العصف المأكول" استخدام عدة أنواع من الصواريخ الجديدة محلية الصنع، شكلت قفزة نوعية على مستوى المدى والقدرة التدميرية، من هذه الصواريخ صاروخ "سجيل 55" الذي يصل مداه إلى 55 كيلومتر وتبلغ زنة رأسه المتفجر 10 كيلوغرامات، وتم استخدامه في قصف مناطق عديدة وسط فلسطين المحتلة، من بينها مدن روحوفوت واللد وريشون ليتسيون التي تقع جنوبي مدينة أبيب، كذلك شهدت هذه المعركة الاستخدام الأول للصاروخ "R-160" الذي تم به قصف مدينتي الخضيرة وحيفا، ويصل مداه إلى ما يقرب من 160 كيلومتر وزنة رأسه المتفجر تقترب من 100 كيلوغرام، وشكل هذا الصاروخ صدمة كبيرة للأوساط العسكرية الإسرائيلية، نظراً لقدرته التدميرية ومداه الممتاز.

خلال هذه المعركة أيضاً تم الاستخدام الأول لصاروخ نوعي آخر وهو "G-80" الذي بلغ مداه ما بين 80 إلى 100 كيلومتر، ورأسه المتفجر وصلت زنته إلى 125 كيلوغرام، وقد تم قصف مدينة تل أبيب بهذا الصاروخ الذي فشلت منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية في التصدي له نظراً لمسار طيرانه الغير منتظم. شاركت سرايا القدس في هذه المعركة بصواريخ جديدة تحت اسم "براق"، بنسختين الأولى بلغ مداها 70 كيلومتر والثانية بلغ مداها 100 كيلومتر، بلغت زنة الرأس المتفجر في هذا النوع 90 كيلوغرام، واستهدفت بها مدينة تل أبيب.

خلال هذه الفترة وما بعدها، تم الإعلان عن عدة أنواع من الصواريخ المحلية الصنع من جانب معظم الفصائل في غزة، منها صاروخي "عطارة" و"شمالة" اللذين أعلنت عنهما كتائب القسام عام 2015، ومجموعة من الصواريخ التي أعلنت عنها ألوية الناصر صلاح الدين خلال عام 2016، وهي "117 - Q70 - خالد K4 - أبو عطايا AT-T" وهي تضاف إلى سلسلة صواريخ "سجيل" التي تم استخدامها للمرة الأولى عام 2004 في ضرب مدينة المجدل، وسلسلة صواريخ "ناصر" التي يتراوح مداها بين 4 إلى 17 كيلومتر، والصاروخ الأحدث في ترسانة ألوية الناصر وهو الصاروخ "زلزال عماد" الذي تم الإعلان عنه للمرة الأولى عام 2017.

سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي أعلنت بدورها خلال السنوات الماضية عن عدة أنواع من الصواريخ المحلية، من بينها صاروخ "بدر 1" الذي استخدمته للمرة الأولى أواخر العام الماضي في استهداف مدينة عسقلان وعدة مستوطنات في فلسطين المحتلة، وقد حقق هذا الصاروخ نجاحات عديدة، خاصة أن تصميمه كان مستمداً من تجارب مشابه في سوريا واليمن، فهو عبارة عن صاروخ مدفعية صاروخية من عيار 107 مللم تمت زيادة وتعديل رأسه المتفجر، وزيادة مداه من نحو 5 كم إلى 11 كم. وانضم هذا الصاروخ إلى صاروخ آخر أعلنت عنه السرايا عام 2016 تحت اسم "S350"، وصاروخ "قدس 101" الذي استخدمته السرايا للمرة الأولى عام 2006 في إستهداف مدينة المجدل ومستوطنات عديدة مثل نتيفوت وشوفا، ويصل مداه إلى نحو 16 كيلومتر. هذه الصواريخ محلية الصنع انضم إليها خلال السنوات الماضية عدة أنواع من الصواريخ السورية والإيرانية الأصل، مثل الصاروخ السوري "M-302" الذي يصل مداه إلى نحو 150 كيلومتر، وتبلغ زنة رأسه الحربي 175 كيلوغرام، والصواريخ الإيرانية "فجر3" بمدى يصل إلى 40 كيلومتر ورأس حربي تبلغ زنته 45 كيلوغرام، و"فجر 5" الذي يصل مداه إلى 75 كيلومتر وتبلغ زنة رأسه الحربي 90 كيلوغرام.

نستطيع أن نعتبر أن المرحلة الثالثة من التصنيع المحلي للصواريخ في غزة، قد بدأت فعلياً منذ الإشتباك الأخير الأسبوع الماضي بين الفصائل الفلسطينية وجيش الاحتلال، فهذه المعركة شهدت الاستخدام الأول للصاروخ النوعي الجديد "بدر 3" وهو الجيل الثالث من سلسلة صواريخ بدر، وهو يعد استنساخاً لخصائص إحدى نسخ صواريخ "غراد السوفيتية" وهي النسخة العنقودية "9M217" ويعتبر مطابق لصاروخ أعلنت عنه جماعة أنصار الله في اليمن في نيسان/أبريل الماضي تحت اسم "بدر-F".

هذا الصاروخ من تطوير سرايا القدس، واستهدفت به مدينة عسقلان ومناطق أخرى شمال شرق قطاع غزة، ويصل مداه إلى 45 كيلومتر، ويتميز بأنه ينفجر فوق الهدف بنحو 20 متر، وتنطلق من رأسه الحربي مئات الشظايا التي تماثل القنيبلات في النسخة الروسية، وتتسبب في أضرار كبيرة للهدف. في هذه المعركة استخدمت الفصائل نوعين آخرين من أنواع الصواريخ، الأول هو الصاروخ "G-80" الذي سبق وتحدثنا عنه، والثاني هو صاروخ جديد لم يتم الكشف حتى الآن عن مواصفاته وهو الصاروخ "S40".

إذن نستطيع أن نصل إلى نتيجة مفادها أن المعادلة العسكرية بين المقاومة و "إسرائيل" في الجانب الصاروخي لم تعد فقط مقتصرة على وجود الصواريخ لدى الفصائل في حد ذاته، أو حتى في مدى قدرة هذه الفصائل على تنفيذ عمليات "إغراق صاروخي" تربك المستوطنات الإسرائيلية وتشل فعالية منظومة القبة الحديدية، فالآن أصبحت نوعية الصواريخ وقدرتها التدميرية ومداها وكيفية تحليقها نحو الهدف، كلها اعتبارات باتت تؤسس لمعادلة جديدة تجد تل أبيب حيالها في وضع يجبرها على إعادة تقييم شاملة لقدراتها الدفاعية وإستراتيجية تعاملها مع المقاومة خلال السنوات المقبلة، خاصة وأن ما تمتلكه المقاومة حالياً من صواريخ، يجعلها ببساطة قادرة على دخول مرحلة "ما بعد تل أبيب".