الشعبوية: "موضة" سياسية تؤرق أوروبا

لا تزال الجهود المناهضة للشعبوية في بداية تفاعلها الجدي، وهي تواجه عقبات كثيرة مرتبطة بطبيعة تأثيرات الخطاب الشعبوي نفسه وقدرته العالية على الأثير خصوصاً عند الطبقات الدنيا من المجتمع واعتماده على خوفها لتعبئتها. لكنها الجهود التي تقوم عليها آمال الشعوب وقياداتها الواعية، المتمثلة بالمؤسسات الرسمية وتراثها المتين من جهة، وبمؤسسات المجتمع المدني القوية جداً في هذه الدول، والتي تحتوي أيضاً على تراكمٍ مهم أصبح قادراً على حفظ مناعة أوروبا من هذه الفيروسات السياسية والثقافية.

  • الشعبوية: "موضة" سياسية تؤرق أوروبا

لم تكن الانتخابات الأوروبية الأخيرة مفاجئة لناحية المكاسب الكبيرة التي حققها اليمين، والتي تعبر عن تصاعد موجة جديدة من المشاعر القومية ترافقها موجة ملازمة من الخطاب الشعبوي المتصاعد أيضاً ضمن الفضاء الأوروبي، وأبعد منه في مناطق أخرى من العالم، قد يكون خير عنوان لها الخطاب الذي درج على استخدامه الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ إطلاقه الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض.
حيث فاز حزب الشعب الأوروبي بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان الأوروبي، وتحديداً فقد فاز بـ178 مقعدًا بعد أن كان يتمثّل بـ216 مقعدًا في البرلمان السابق، متقدّمًا على خصمه التقليدي تحالف الاشتراكيّين والديموقراطيّين من يسار الوسط الذي حصد 152 مقعدًا، بعد أن كان يشغل 185. وحقّقت سائر الأحزاب الشعبويّة والمشكّكة بأوروبا وأيضًا اليمينيّة المتطرّفة فوزًا بأكثر من مئة مقعد.
في كتابهم "الشعبوية وأزمة الديموقراطية"، يقول غريغور فيتزي ويورغن ماكيرت وبريان ترنر إنه "ما من خطر يهدد الديمقراطيات الغربية بالمقارنة مع صعود شعبوية اليمين"، وأنه إذا كانت الشعبوية قد لعبت دوراً متزايداً منذ تسعينيات القرن الماضي، فإنّ العواقب الاجتماعية للأزمة المالية العالمية سنة 2008 هي التي منحت التيارات الشعبوية نقلة أسفرت عن «بريكست» في بريطانيا، وانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة".
إذن، هم يعيدون السبب في تصاعد هذه الموجة إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية التي ضربت معظم الاقتصادات الكبرى ووصلت إلى أوجها سنة 2008. وفي هذا الربط بين الأزمة المالية وصعود التيارات القومية والخطاب الشعبوي سوابق شهدها العالم من قبل، كان أبرزها تصاعد هذه التيارات في أوروبا بعد الأزمة المالية الكبرى سنة 1929، حيث وصل إلى السلطة قوميون متطرفون في ألمانيا وإيطاليا ودول أخرى، وصعد نجم أكثر القادة تطرفاً في القارة العجوز، هتلر وموسوليني، اللذين بخطابيهما الفاشيين جمعا حولهما الشعوب الخائفة والمتحمسة في آن واحد لاستعادة القوة، وللهرب من الجوع والعوز وأجواء القحط التي شاعت في وقت الأزمة.
ومنذ ذلك الوقت، كانت الأزمات المالية والاقتصادية الكبرى تحمل معها الخوف للجماهير التي تنكمش في خياراتها نحو الداخل، سعياً إلى الأمان، في مقابل المخحاطر التي ترى أنها تهدد أمنها ومستوى معيشتها، والتي تفسّرها في أوقات الأزمات على أنها تتمثل بالمهاجرين والوافدين بصورةٍ أساسية، وبالقوميات الأخرى والدول التي تمثلها بالدرجة الثانية، وفي الدرجتان معاً يكون رد الفعل واحداً عند الشعوب الخائفة وهو التمسك بالقادة السياسيين الذين يظهرون قوة في التعامل مع التطورات، والذين يشيعون بخطابهم الشعبوي نوعاً من الإحساس بالقوة والأمان، تكون الشعوب في أمس الحاجة إلى الإحساس بهما.
وبالعودة إلى الكتاب المذكور، الذي صدر مؤخراً عن منشورات "روتلدج" في لندن ونيويورك، فهو يتساءل هل ثمة شيء اسمه الشعبوية بالفعل، وما كنهه على وجه التحديد؟ وربما يكتسب هذا السؤال شرعيته وضرورته من الخطاب السائد اليوم في بريطانيا وأميركا حيث انتصر خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي بالنسبة للبريطانيين، ويستمر خيار ترامب بالانتصار في واشنطن. الأمر الذي يستبطن علامات سياسية وأخرى ثقافية واجتماعية تمتد إلى عمقالمجتمع الذي يدافع عن نفسه، وعن تراجعه الاستراتيجي والاقتصادي بخياراتٍ تمثل القوة والعنفوان، والتي اختصرها ترامب في شعاره الشهير: لنجعل أميركا عظيمة مجدداً.
وفي الوقت نفسه الذي تلاقي فيه التيارات الشعبوية اليمينية هذا النجاح والانتشار في أميركا وبريطانيا، نجد دولاً غربية كبرى أخرى تستخدم التيارات القومية كشماعة في وجه الأحزاب اليسارية والحركات العمالية والنقابات، حيث نشأ تحالف خفي يتمظهر وجهه في السياسات الاقتصادية الخادمة لأصحاب رؤوس الأموال في فرنسا على سبيل المثال، لمنع الاشتراكيين من تحقيق مكاسبهم، من خلال استخدام جان ماري لوبن كفزّاعة من أجلالدفع بإمانويل ماكرون كرئيس يمثل طبقة رجال الأعمال. وربما يفسر هذا المنطق الدوافع الحقيقية لحركة "السترات الصفر" التي خرجت إلى الشارع من حوالى ستة أشهر، وتظهر في حراكها المستمر عنفها العكسي على السياسات التي تعتبر أنها تخدم الطبقات الميسورة وأصحاب رؤوس الأموال على حساب العمال والطبقات الفقيرة.
في إيطاليا أيضاً، تمدد اليميني ماتيو سالفيني من ميلانو نحو بقية إيطاليا ثم نحو أفق أوروبي أوسع، وهي المدينة ذاتها التي كانت مهد الحركة الفاشيّة التي قادها موسوليني في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. ويقود سالفيني تحالفاً أوروبياً يحظى بدعم شعبي واسع ويتمتع بسلطة حقيقية في إحدى الدول الأوروبية الكبرى. وهو الوحيد، إلى جانب رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان، الذي استطاع أن ينفّذ برنامجه بإقفال الموانئ في وجه المهاجرين ويفرض سياسة قمعية، بدأت تداعياتها تظهر في حياة الإيطاليين اليومية كما حصل مؤخراً عندما تعرّضت معلّمة في جزيرة صقلية لإجراءات تأديبية بفصلها عن العمل من غير راتب لشهرين لأنها سمحت لطلابها في إحدى المسابقات بانتقاد سياسة سالفيني حول الهجرة. لكن سالفيني عاد وأصرّ في مهرجانه الأخير على أن حركته ليست متطرفة، وأن "هذه الساحة ليست فاشية ولا عنصريّة، بل هي ساحة الذين يتطلعون إلى المستقبل في مواجهة الذين يعيشون في الماضي".
باختصار هذه موجة متصاعدة ومقبلة على السلطة، وهي متحفزة لممارسة أفكارها من خلال الانخراط في سياسات قومية معادية للأجانب، ومؤيدة للسياسات الحمائية على المستوى الاقتصادي، لكنها لم تحتل كامل المشهد الأوروبي، ولا الأميركي، بل إن مستوى معين من الإدراك يشكل حاجزالمناعة في وجه تفشي هذه الظارهة ووصولها إلى مرحلة اللاعودة.

خوف في الاتحاد الأوروبي وحركة مواجهة ضد الشعبوية
في فرنسا وبلجيكا تسمع من المسؤولين خطاباً مختلفاً كلياً عن ذلك الذي يروجه رواد الشعبوية الجديدة. تستشف من حديث الرسميين في مؤسسات هاتين هذه الدولتين (والدولتان المذكورتان تحديداً) خوفاً كبيراً من إمكانية سيطرة اليمين المتطرف على السلطة، وإنهاء كلالاحلام التي بني على أساسها الاتحاد الأوروبي. هم باتوا يعتبرون أن مواجهة الشعبوية تتقدم في أولويتها على كل المخاطر الأخرى التي تهدد وحدة الاتحاد.
ويعود هذا الفهم لخطورة الخطاب الشعبوي وصعود اليمين الحامل له، إلى كونه يطال بتفاعلاته الأسس التي قام عليها الاتحاد الأوروبي. فتحول السوق الأوروبية المشتركة ذات الطابع الاقتصادي البحت إلى تكتلٍ سياسيٍ واقتصادي وقيمي كبير جرى على أساس من القيم المشتركة يلحم في عمله بين مكونات لها تاريخ مشترك، وبينها حروب طويلة، وتحمل في ذاكرتها المخزون المشترك نفسه من الدماء والمجاتزر والمآسي التي أنهكت مجتمعات أوروبا، والتي يرى هؤلاء المسؤولون إنها كانت في أساسها بسبب السياسات القومية الموجهة من كلدولة ضد الدول الأخرى.
وفي مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ينشط المسؤولون في شرح مخاطر الشعبوية وارتداداتها على الأمن العالمي والإنجازات التي تحققت في العقود الأخيرة على مستوى التقريب بين الشعوب والدول، ويحاولون نشر وعي مشترك مع دول العالم الثالث على مواجهة هذا النوع من السياسات، كون هذه الدول تتأثر بالموجات السياسية والاقتصادية والثقافية الآتية من الدول الكبرى المنتجة للأفكار وللموجات الدارجة.
ويحاول هؤلاء وضع أسس وبرامج تقنية وسياسات لمواجهة هذه الموضة المدمرة. وقد حلّ هذا الموضوع في أولويات الاتحاد الأوروبي مكان التدريب على آليات تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. وربما تسمع اليوم في بروكسل قضيتين على لسان جميع من تلتقيهم: مواجهة الشعبوية وقضايا البيئة.
ويمكن وضع العنوانان في إطارٍ واحدٍ مرتبط بالأمن العالمي، فقضايا البيئة لها امتداداتٌ تشمل بآثارها العالم بأسره، حيث يمكن لأيخللٍ بيئي أو أيعمل ملوث في أي مكانٍ من الأرضأن يؤثر على كل مكان فيها. ومثل ذلك وبنفس الاتّساع يؤثر الإصلاح البيئي على العالم من أي مكان وفي أي مكان. هذا التأثير الفيروسي يمتد أيضاً إلى الموجات الثقافية و"صيحات" السياسة، وآخرها الشعبوية التي تجتاح مجتمعات الأزمة في أوروبا.
وفي الأفق المستقبلي لهذه الموضة الجديدة، يتوقع مسؤولون في بروكسل أن لا تسلم الشعوب الأوروبية بسهولة منجزاتها لمجموعة من السياسيين المتحمسين والأنانيين، خصوصاً وأن هذه الشعوب دفعت مسبقاً ثمن منجزاتها الحضارية المتمثلة سياسياً بالكيان الأوروبي الموحد المتمركز في بروكسل، واقتصادياً ببنية الاتحاد الأوروبي المشتركة والتي تضافرت جهودها في أوقات الأزمات، فتم من خلال هذه الجهود المشتركة إنقاذ اليونان وإيطاليا وإسبانيا وقبرص وغيرها، وهي مستمرة لمواجهة الأزمات التي تواجهها الدول الأخرى.
ويعتقد هؤلاء أن البناءالأوروبي سيبقى متيناً حتى بعد خروج بريطانيا منه، وأن أوروبا محكومة بالمصير المشترك، وما الصعود المستجد لليمين واستخدامه لأداة الشعبوية السياسية إلا موضة تنتهي بانتهاء الخوف الذي يرافق المجتمعات الأوروبية نتيحة الأزمة المالية التي لم تنته مفاعيلها نهائياً حتى الآن. وعليه فإن مرور الوقت سوف يساعد بحسب هؤلاء على استعادة الأوروبيين توازنهم وإحاسسهم بأهمية ما توصلوا إليه من خلال وحدتهم، وهم بالتالي لن يفرطوا بمنجزات عمرها عقود طويلة من التفكير والجهود المبذولة والدماء التي دفعت للوصول إلى الوضع الحالي من التناغم والانسجام والتوافق في السياسات الكبرى.
ويبقى بالنسبة إلى هؤلاء أن على بقية دول العالم، وخصوصاً دول العالم الثالث، أن تساهم من موقعها في منع هذه الموجة الشعبوية من الإمساك بمفاصل الحكم فيها، لأن من شأن حدوث ذلك أن يصعب المهمة على المسؤولين الأوروبيين وعلى قادة الرأي لمواجهة تداعيات هذه المشكلة. فتحول الشعبوية إلى تيارٍ عالمي جارف قد يجرف معه الجهودالمبذولة في أوروبا لإيقافها. علماً أن هذه الموجة فيما لو امتدت إلى بقية العالم بكامل قوتها من الممكن أن تشعل حروباً وتخرب في طريقها كل المسارات والنظم التي وضعت لتنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية، وتالياً العلاقات السياسية الدولية، ما قد يعيد العالم إلى السياسات القومية القائمة على بناء القوة لمواجهة الآخرين، وليس للحامية الذاتية وضمان المصالح والتعاون، كما هو منطق العلاقات الدولية البناءة.
في سياق ذلك، لا تزال الجهود المناهضة للشعبوية في بداية تفاعلها الجدي، وهي تواجه عقبات كثيرة مرتبطة بطبيعة تأثيرات الخطاب الشعبوي نفسه وقدرته العالية على الأثير خصوصاً عند الطبقات الدنيا من المجتمع واعتماده على خوفها لتعبئتها. لكنها الجهود التي تقوم عليها آمال الشعوب وقياداتها الواعية، المتمثلة بالمؤسسات الرسمية وتراثها المتين من جهة، وبمؤسسات المجتمع المدني القوية جداً في هذه الدول، والتي تحتوي أيضاً على تراكمٍ مهم أصبح قادراً على حفظ مناعة أوروبا من هذه الفيروسات السياسية والثقافية.