طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

بدأت أمس المرحلة الثانية من عملية "طوفان الكرامة" التي أطلقها أوائل شهر نيسان/أبريل الماضي الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، من أجل السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس. إطلاق هذه المرحلة في هذا التوقيت يرتبط أرتباطاً وثيقاً بالتطوّرات الميدانية التي حدثت على الأرض خلال الأسابيع الماضية.

  • طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

بدأت أمس المرحلة الثانية من عملية "طوفان الكرامة" التي أطلقها أوائل شهر نيسان/ أبريل الماضي الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، من أجل السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس. إطلاق هذه المرحلة في هذا التوقيت يرتبط أرتباطاً وثيقاً بالتطوّرات الميدانية التي حدثت على الأرض خلال الأسابيع الماضية، والتي كانت سمتها الأساسية هي الجمود في معظم الجبهات، مع خسارة الجيش لغرفة عملياته الرئيسية التي كانت مدينة "غريان" جنوبي مدينة العزيزية هي مقرّها، فما هي التطوّرات الميدانية الحالية والمستقبلية في مسار المعارك الجارية بين قوات الجيش الوطني وقوات رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق في طرابلس؟.
غريان وما بعدها

خسارة الجيش الوطني لغريان لم تعن فقط خسارته لمركز قيادته المتقدّم، بل تسبّبت أيضاً في قطع طريق إمداد رئيسي لقواته المتواجدة جنوبي طرابلس، وأدّت كذلك إلى فصل القوات المتواجدة جنوبي طرابلس تماماً عن القوات المتواجدة في محور "الزهراء" جنوبي غرب العاصمة وصولاً إلى خط الحدود مع تونس. وبهذا أصبح الجيش الوطني لا يمتلك سوى خط إمداد واحد فقط من بني وليد وترهونة في اتجاه أسبيعة ومن ثم إلى محاور جنوب وجنوب شرق طرابلس وهي محاور المطار وقصر بن غشير وصلاح الدين وعين زاره ووادي الربيع.

عقب خسارة غريان، شرع الجيش الوطني في إعادة إنشاء مركز قيادته ليصبح في مدينة ترهونة الواقعة على بُعد 60 كيلو متراً جنوب شرق العاصمة طرابلس، ومن ثم بدأت وحداته في محاولة تحجيم الاختراق الذي حدث في غريان، فقوات رئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق استمرت في محاولة التغلغل جنوباً إلى المناطق الواقعة جنوبي غريان مثل الأصابعة، كما بدأت كذلك في الاتجاه شرقاً نحو المناطق المُتاخِمة للجانب الغربي من مدينة ترهونة مثل أسبيعة وسوق الخميس.

في نفس السياق، تدفقّ إلى غريان مزيد من وحدات قوات حكومة الوفاق، مستفيدة من اتصال المدينة بقلب العاصمة، مما يسهّل من عمليات إمدادها بالرجال والعتاد. ولهذا ظهرت أمام الجيش الليبي عدّة خيارات ميدانية، منها ضرورة توسيع وتيرة التقدّم في المحاور الرئيسية جنوبي طرابلس، بشكل يتم فيه فصل العاصمة إلى شطرين، شطر شرقي وشطر آخر غربي تقع في جنوبه المناطق التي وصلت إليها قوات الوفاق جنوبي العاصمة مثل العزيزية وغريان والهيرة والقواسم.

وفي هذا محاولة للإستفادة والبناء على التقدّم البطئ الذي أحرزته وحدات الجيش الوطني بشكل عام في المحاور الجنوبية وهي محاور المطار وقصر بن غشير وصلاح الدين وعين زاره ووادي الربيع. أيضاً من الخيارات التي نتجت من تقدّم قوات الوفاق إلى غريان هو ضرورة تفعيل قوات الجيش الوطني لمحاور قتالية جديدة بغرض تشتيت القوة المتوافرة لحكومة الوفاق في طرابلس، منها محوران في اتجاه شرقي العاصمة، الأول من شرقي مدينة ترهونة في اتجاه مدينة الخمس الساحلية، والمحور الثاني يقع إلى الشمال منه في اتجاه القره بوللي على الطريق الشرقي المؤدّي إلى العاصمة. بجانب إمكانية تفعيل المحور الغربي للعاصمة، خاصة وأنه تتواجد وحدات تابعة للجيش في منطقة كوبرى الزهراء بجانب سيطرتها على مدينتيّ صرمان وصبراتة.

المرحلة الثانية من طوفان الكرامة

  • طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

بناء على ما تقدّم من مُعطيات، انطلقت أمس المرحلة الثانية من عملية الجيش الوطني "طوفان الكرامة"، والتي فيها تم تقسيم مسرح العمليات إلى عدّة اتجاهات رئيسية على النحو التالي:

أولاً: الاتجاه الغربي: بدأت قوات الجيش الوطني في التحشد في عدّة مناطق على التخوم الجنوبية والغربية لمدينة الزاوية، التي تعدّ هي البوابة الغربية للعاصمة، ويتمركز به ثقل كبير من الميليشيات الموالية لحكومة طرابلس. التحشيد بدأ في منطقة كوبري الزهراء جنوب شرق الزاوية، ومن ثم بدأ التقدم في اتجاه منطقة الصابرية لمحاولة قطع التواصل بين الزاوية وطرابلس من الجهة الشرقية. كذلك بدأ تحشيد مماثل غربي الزاوية في مدينتيّ صبراتة وصرمان. جدير بالذكر أن هذا الاتجاه كان قد شهد في الأيام الأولى لعملية طرابلس، وتمكّنت حينها قوات الجيش الوطني في قطع التواصل بين مدينة الزاوية وطرابلس عند منطقة بوابة ال27، والوصول إلى الساحل. الا أن قوات الجيش الوطني تراجعت في ما بعد، وظل الوضع في هذا الاتجاه مستقراً في ما عدا مناوشات في نطاق كوبري الزهراء.

  • طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

ثانياً: الاتجاه الجنوبي: بدأت قوات الجيش الوطني في الأيام السابقة لبدء المرحلة الثانية من العمليات في التحرّك باتجاه التخوم الجنوبية والجنوبية الشرقية لمدينة غريان، فمن الجهة الجنوبية تتحرّك انطلاقاً من منطقة الأصابعة نحو منطقة بوابة القضامة، وفي الجهة الجنوبية الشرقية دخلت قوات الجيش إلى منطقة الكليبية. هذه التحرّكات تصاحبها عمليات جوية مكثفة تستهدف مناطق جنوبي غريان مثل المغاربة وجندوبة ومعسكر بومعاد وتغسات.

  • طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

شمال غريان تدور معارك أخرى شرقي وغربي العزيزية، حيث تحاول قوات الجيش الوطني من أسبيعة شرق العزيزية أو من الكسارات غربها في التقدّم لإستعادة العزيزية لعزل قوات الوفاق المتواجدة جنوباً في الهيرة وغريان.

  • طوفان الكرامة في طرابلس، ماذا تحمل المرحلة الثانية؟

في ما يتعلق بالمحاور الرئيسية الأخرى في الاتجاه الجنوبي، فقد حقّقت قوات الجيش خلال اليوم الأول للعمليات تقدّماً في محور عين زارة، حيث تمكّنت من الوصول إلى التخوم الجنوبية لمنطقة سوق الجمعة، ما يجعلها قريبة للغاية من وسط العاصمة. كذلك استعادت السيطرة في محور قصر بن غشير على معسكر اليرموك، مع محافظتها على مواقعها في محور المطار.

ثالثاً المحاور الشرقية: تمكّنت قوات الجيش خلال الأيام التي سبقت بدء المرحلة الثانية في السيطرة على منطقة الزطارنة شمالي تاجوراء، ومن ثم توسيع سيطرتها لتشمل منطقة النشيع، وهذا المسار يتوازى مع محور وادي الربيع الذي يتّجه أيضاً نحو الشرق، ويستهدف أيضاً الوصول إلى الخط الساحلي وقطع التواصل بين القره بوللي والتخوم الشرقية لطرابلس. ويتوقع أيضاً خلال الأيام القادمة تفعيل محور شرقي آخر وهو محور شرقي ترهونة الذي سيستهدف في حال تفعيله الوصول إلى ميناء الخمس أو على الأقل قطع التواصل بينه وبين العاصمة.

على مستوى التكتيكات، ساهمت عدّة عوامل في عدم استفادة قوات حكومة طرابلس من التقدّم الذي أحرزته في المعارك خلال الأسابيع الأخيرة، من هذه العوامل تضاؤل القوّة الجوية المتوافرة لديها، خاصة وأنها فقدت منذ بداية معركة طرابلس ثلاث طائرات؛ منها طائرتا ميراج إف 1 في أجواء الجفرة وأجواء الهيرة جنوبي العاصمة، بجانب طائرة هجوم أرضي خفيفة من نوع إل-39 الباتروس، أسقطتها الدفاعات الجوية التابعة للجيش الوطني الليبي فوق ترهونة. وبالتالي لم يعد متوافراً لها في الوقت الحالي أية طائرات في حال فنية تسمح بالتحليق المستمر، وأصبح اعتمادها الكلي على الطائرات من دون طيّار تركية الصنع "بيرقدار"، التي تم إسقاط ما بين أربع إلى ست طائرات منها خلال المعارك. من العوامل الأخرى بدءأ بعض الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق في الإنسحاب من محاورها وسط العاصمة، خاصة الميليشيات التي تنتمي لمدينة مصراتة، وهو ما خلق فراغاً بات واضحاً في حجم التقدّم الذي أحرزته قوات الجيش الوطني خلال اليوم الأول للمرحلة الثانية من عملياتها.