هل تكون تقنية "التزييف العميق" سببًا لحرب كبرى؟

ساهمت موجة "المواطن الصحفي" في إنتشار الأخبار الزائفة، لكنها بالتأكيد ليست السبب الرئيسي لهذا الظاهرة التي شهدها التاريخ الإنساني منذ الحضارات القديمة، حتى كان "صن تزو" من أوائل من وصلت إلينا كتاباتهم في مجال الحرب النفسية والدعائية. وإن كانت افكار الاستراتيجي الصيني تنحو بإتجاه صناعة الحدث الزائف تمهيدًا لإطلاق الخبر الزائف في أوساط الخصم، فإن تطور الشائعة كظاهرة إجتماعية – نفسية مرتبط كنتيجة بالتقنيات وأدوات التواصل وتطورها.

هل تكون تقنية "التزييف العميق" سببًا لحرب كبرى؟
هل تكون تقنية "التزييف العميق" سببًا لحرب كبرى؟

وهكذا إنتقلت الأخبار الزائفة والشائعات والمعلومات المضللة والناقصة من مرحلة إرباك الجماعات إلى مرحلة الإنجرار إلى حرب حقيقية، كما يكشف تقرير الخبيرين الأميركيين "دانييل بنجامين" و "ستيفن سايمن" في "بوليتيكو" قبل أسابيع قليلة، على خلفية عمليات التخريب التي طالت سفنًا في الخليج، وظلت رهن الإتهامات السياسية.

تقرير "بوليتيكو" بعنوان "هل تؤدي الأخبار الزائفة إلى حرب حقيقية" وضعه السفير دانييل بنجامين و هو مدير مركز "جون سلون ديكي للتفاهم الدولي" في كلية "دارتموث"، وعمل منسقًا لمكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية 2009-2012. أما "ستيفن سيمون" فهو أستاذ التاريخ الزائر في كلية "أمهيرست". وقد شغل منصب مدير أول مجلس الأمن القومي لمكافحة الإرهاب والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إدارتي كلينتون وأوباما.

ويتناول التقرير بشكل لافت سلسلة اتصالات ولقاءات أجراها الكاتبان مع مسؤولين أميركيين يشككون في مسؤولية إيران عن جميع عمليات التخريب، بل لا يتوانوا عن التلميح إلى طرف ثالث يهمه إندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران.

على أن التعمق في تقنيات صناعة الشائعات وأدوات نشرها يكشف عن خطر حقيقي غير مسبوق، خاصة مع دخول تقنية "التزييف العميق" Deep Fake ساحة التطبيقات المتاحة أمام الباحثين.

تُعنى التقنية الحديثة بإنتاج مقاطع فيديو وصوت لا يمكن كشفها بسهولة، عبر استخدام صوت وصورة شخصية معروفة وتعديلها ليقول أو يفعل شيئاً لم يقله في الحقيقة أو لم يفعله.

قبل أشهر قليلة، وقع ملايين المستخدمين في فخ مقطع فيديو يعتمد على التزييف العميق لـ"مارك زكربرغ"، رئيس "فايسبوك"، الذي يظهر في فيديو أنتجه شابان أميركيان، وهو يدلي بتصريح يعترف فيه بنظرية المؤامرة وسيطرة شركته على العالم.

وعلى الرغم من الغضب الذي سببه الفيديو بعد اكتشاف الحقيقة، إلا أن الشابين رفضا إزالته تسجيلًا لموقف رافض لمعايير "فايسبوك" في مكافحة الأخبار الزائفة.

والآن، تخيلوا الأضرار التي يمكن أن يسببها انتشار مقطع فيديو مزيف لشخصية عالمية وهي تدلي بتصريح عدائي أو مؤثر في مجال معيّن!

في الواقع، تفرض هذه الظاهرة الخطيرة على الدول تحديدًا إبتكار آليات جديدة قبل تصنيف المخاطر والتهديدات، علمًا ان الولايات المتحدة تملك سجلًا حافلاً في استغلال الأخبار الزائفة لتبرير حروبها.

فقبل قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق بعقود، يشير تقرير "بوليتيكو" إلى العام 1964، حين كان الرئيس الأميركية "ليندن جونسون" في السلطة. ففي ذاك العام، هاجمت زوارق دوريات الفيتناميين الشماليين في خليج "تونكين" حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس مادوكس" التي تجمع المعلومات بهدوء من المياه الدولية قبالة سواحل فيتنام.

يومها، اعتقد الفيتناميون الشماليون عن طريق الخطأ أن "مادوكس" كانت هناك لدعم  الفيتناميين الجنوبيين الذين داهموا منشآت الجزيرة القريبة.

بعد يومين من الحادثة، اعتقد طاقمي "مادوكس" ومدمرة أخرى هي "يو إس إس تيرنر جوي"  أنهم تعرضوا للهجوم، وأساءوا التمييز بين صوت مراوح شحن القوارب الدورية وصوت الأمواج العاتية والرياح الشديدة الناجمة عن عاصفة شديدة كانت تضرب المنطقة.

وبعد إطلاق وابل من مئات القذائف في البحر الفارغ، خلص قادة المدمرتين إلى أنهم ربما لم يكونوا مستهدفين. لكن تم التلاعب بالحادث من قبل المسؤولين في واشنطن للظهور كما لو كانت المعركة قد وقعت ، مع تزوير المعلومات الاستخباراتية لدعم هذا الاستنتاج.

أعطى الكونغرس الرئيس "ليندون جونسون" ما أراد: تفويض واسع لاستخدام القوة. وهذا بدوره مكّن إدارة جونسون من تعزيز الوجود الأمريكي في فيتنام الجنوبية وتوسيع نطاق العمليات القتالية الأمريكية من دون الحاجة إلى العودة إلى الكونغرس للحصول على إذن. قال جونسون يومها: "هذا مثل قميص نوم الجدة. إنه يغطي كل شيء".

هذه الحادثة وغيرها الكثير مما يمكن أن يُفرزه الخيال العلمي قريبًا ويحوله إلى واقع تؤكد حاجتنا إلى التدقيق في كل مصادر أخبارنا وإعتماد التشكيك كنمط حياة وثقافة!