الجزائر.. منتخب العام بجيلٍ ذهبيّ

لماذا منتخب الجزائر هو "منتخب العام 2019"؟، وهل الجيل الحالي هو الأفضل في تاريخ الجزائر؟

  • أسباب عدة تجعل الجزائر منتخب العام

لا يحتاج اختيار أفضل منتخب في عام 2019 إلى كثير بحثٍ وجهد؛ هو منتخب الجزائر. لماذا؟

ثلاثية الأداء والنتائج والأرقام تُثبت ذلك. تتويجه اللافت بلقب كأس أفريقيا 2019 في الأراضي المصرية يؤكّد ذلك. رقمه القياسي بـ 18 مباراة دون خسارة (13 فوزاً و5 تعادلات) حيث كسر فريق المدرب جمال بلماضي الرقم القياسي السابق بـ 15 مباراة بين 1989 و1990 في فترة المدرب الراحل عبد الحميد كرمالي دليل على ذلك. فوزه الودي الكبير بعد بطولة أمم أفريقيا على منتخب عالمي هو كولومبيا 3-0 على الأراضي الفرنسية، وحديث وسائل الإعلام العالمية عنه يعبّر عن ذلك.

وأخيراً وليس آخراً تهافت المنتخبات العالمية لطلب خوض مباريات ودية أمامه في الأشهر القادمة على غرار الأرجنتين وتشيلي والأوروغواي وإيطاليا والبرتغال وهولندا وأخيراً منتخب بلجيكا المصنف الأول عالمياً، فضلاً عن اجتماع سيُعقد مطلع العام المقبل بين رئيس الاتحاد الجزائري خير الدين زطشي ونظيره الفرنسي نويل لوغراييه لبحث إجراء مباراة ودية بين منتخبَي البلدين في فرنسا، وما تعنيه لوجود ملايين المهاجرين الجزائريين، فإن كل هذا تأكيدٌ بأن المنتخب الجزائري هو منتخب العام 2019.

 

لقب أفريقيّ... بجيل ذهبيّ

بطبيعة الحال، فإن كل هذا الزخم والحظوة اللذان حصل عليهما منتخب "المحاربين" يعود بالدرجة الأولى والأساسية إلى تتويجه بلقب بطولة أمم أفريقيا 2019. المنتخب الجزائري وصل إلى مصر وهو ليس بين المرشّحين الأوائل لحصد اللقب الذي كان غائباً عن خزائنه منذ لقبه الأول والأخير في عام 1990 على أرضه.

الأنظار كانت بالدرجة الأولى على المنتخب المصري مستضيف الحدث بقيادة نجمه محمد صلاح واعتماده على عاملَي الأرض والجمهور، بالإضافة إلى المنتخب المغربي بنجومه والذي قدّم مونديالاً جيداً في 2018 في روسيا، رغم توديعه من دور المجموعات، والمنتخب السنغالي بقيادة نجمه المتألّق وأحد أفضل اللاعبين في العالم في الآونة الأخيرة ساديو ماني، بينما منتخبات نيجيريا والكاميرون وساحل العاج وغانا دائماً ما تكون في أي بطولة للأمم بين المرشّحين.

المنتخب الجزائري كان في وضعٍ لا يُحسد عليه إذ إنه قادم من فترة تخبّط إداري وفني مع مدرّب جديد هو جمال بلماضي، وبعد خيبات ثلاث كبرى في بطولتَي الأمم 2015 و2017 وغيابه عن مونديال روسيا 2018.

  • مواصفات البطل تحلّى بها منتخب الجزائر في دور المجموعات

 

لكن منتخب "المحاربين" احتاج 3 مباريات فقط في دور المجموعات ليُعلن عن نفسه ويمحو الصورة السابقة ويستعيد بعضاً من توهّج موندياله الرائع في 2014 في البرازيل، حيث حقّق الفوز على كينيا افتتاحاً 2-0 وعلى تنزانيا 3-0 في آخر مباريات الدور الأول وما بينهما الفوز الأهم على السنغال 1-0، والذي ترك انطباعاً جيداً عن منتخب الجزائر وأظهر أنه يمتلك مواصفات البطل ومنح الفريق الثقة لبقية المشوار.

الثقة. تلك كانت الكلمة السحرية لمنتخب الجزائر في دور خروج المغلوب بدءاً من الفوز الكبير على غينيا 3-0 في دور الـ 16. هي الثقة بقدرات المجموعة وروحها الواحدة والتي زرعها بلماضي في نفوس لاعبيه وتُرجمت مجدّداً في المباراة "الماراتونية" أمام ساحل العاج في ربع النهائي، إذ رغم أن بغداد بونجاح أضاع ركلة جزاء كانت كفيلة بأن تحسم التأهّل إلى نصف النهائي، فإن الثقة والمعنويات العالية والتركيز العالي كلها لم تهتز في ركلات الترجيح وخرج الجزائريون منتصرين يذرفون دموع الفرح.

مجدّداً المشهد تكرّر في نصف النهائي أمام خصم صعب جداً وقويّ هو المنتخب النيجيري لتأتي الثواني الأخيرة وتحمل البشرى السارّة للجزائريين بهدف الفوز الثاني بتسديدة "لا تُصد ولا تُردّ" من ركلة حرة من النجم والقائد رياض محرز.

أمام كل هذا العطاء والمشوار المذهل في البطولة دون أي خسارة وتماسك المجموعة وثقتها العالية ومعنوياتها المرتفعة وروحها الجماعية حيث كان اهتمام كل اللاعبين بالمنتخب قبل الانجازات الفردية، كان يستحيل ألا يكون المشهد الختامي جزائرياً، وهذا ما حصل بالفعل بفوز للمرة الثانية على السنغال 1-0 كان بمثابة تأكيد الجدارة بالتتويج باللقب الذي أعاد منتخب "المحاربين" بقوة إلى خارطة الكرة الأفريقية والأضواء العالمية.

  • عكس اللاعبون والجمهور أرقى معاني الانتماء للوطن (أ ف ب)

 

"وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر"...

من الواضح أن منتخب الجزائر شكّل "حالة" في هذا العام امتزجت فيها القوة في الميدان والكفاءة من اللاعبين ومدرّبهم الرائع بلماضي والروح الوطنية العالية والانتماء للجزائر والتي كان يُعبَّر عنها من خلال الحماسة التي كان يردّد فيها اللاعبون النشيد الوطني "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر" قبل المباريات وتأثّرهم ودموع فرحهم بعد انتهائها، أما خلالها فعطاء لا محدود وجدّ وجهد واجتهاد.

أما على المدرجات فكان المشهد خيالياً عبّر عنه الجمهور الجزائري في الملاعب المصرية من خلال مؤازرته القوية لمنتخبه وحناجر المشجّعين التي لم تكن تهدأ وهي تنشد النشيد الوطني وشعار "1 2 3 تعيش الجزائر" والأحاسيس والمشاعر الوطنية التي عبّروا عنها بأجمل وأرقى أسلوب ما لقي إعجاباً منقطع النظير والتفافاً حول منتخب الجزائر تحديداً في المباراة النهائية من كل الجماهير العربية.

ثم كان المشهد الأكثر روعة في احتفالات التتويج باللقب في الجزائر العاصمة وبقية المدن الجزائرية وتحديداً عند وصول اللاعبين إلى أرض الوطن وتنقّلهم في الحافلة مع الكأس بين الحشود حيث امتزجت الضحكات بدموع الفرح والاعتزاز بالمنتخب وإنجازه.

 

أفضل جيل في تاريخ الجزائر؟

بعد انتهاء الحدث الأفريقي وتحديداً بعد الفوز الودّي الكبير على منتخب كولومبيا 3-0 طُرح السؤال إن كان الجيل الحالي هو الأفضل في تاريخ الجزائر رغم قوة جيل مونديال 1982 الفائز على ألمانيا الغربية وجيل 1990 الذي حقّق اللقب الأفريقي الأول وجيل 2010 الذي وصل بعد غياب 24 عاماً إلى المونديال وجيل 2014 الذي وصل إلى الدور الثاني في مونديال البرازيل.

بلماضي، وبطبيعة الحال، اختار فريقه وهذا من حقّ كل مدرّب يصنع الانتصارات ويحقّق المجد وخصوصاً أن تشكيلته تضم نجوماً مميزين ولامعين في الملاعب الأوروبية والعربية على غرار رياض محرز وإسماعيل بن ناصر ورامي بن سبعيني وبغداد بونجاح ويوسف بلايلي ورايس مبولحي. لكن بماذا يجيب أهل الإعلام في الجزائر المتابعين للمنتخب ومسيرته عن ذلك؟ هذا السؤال طرحته "الميادين نت" على الصحافي في جريدة "الخبر" الجزائرية، رفيق وحيد، الذي قال: "بالرغم من أن تعاقب الكثير من الأجيال على منتخب الجزائر منذ استقلال البلاد عام 1962، وكذلك مرور الكثير من نجوم الكرة عليه منذ تلك الفترة إلى غاية الوقت الحالي، إلا أنه من الصعب جداً تحقيق الإجماع بين كل الأطراف حول أحقيّة أو استحقاق الجيل الحالي للمنتخب للقب الأفضل في تاريخ الجزائر لعدّة عوامل أهمّها اختلاف الظروف والإمكانات والقدرات وتطوّر المستوى. وتكمن الصعوبة في معضلة "صراع الأجيال" التي خرجت إلى العلن في السنوات الأخيرة بين لاعبين سابقين ونظرائهم في المنتخب الحالي مثلاً: بين رابح ماجر وعلي بن شيخ من الجيل السابق وسفيان فيغولي وإسلام سليماني من الجيل الحالي من خلال تبادل التصريحات والتصريحات المضادّة".

ويضيف: "لكن في اعتقادي، ومن الناحية المنطقية، يبقى ما حقّقه الجيل الحالي للمنتخب هو الأفضل مقارنة بما حقّقه جيل 1990 الذي توِّج باللقب الأفريقي الأول بقيادة المدرب الراحل عبد الحميد كرمالي والنجوم السابقين رابح ماجر وجمال مناد وموسى صايب، وقبلهم جيل 1982 بقيادة لخضر بلومي وماجر وعصاد ومرزقان، والذي حقّق أول مشاركة في كأس العالم وكسب احترام العالم خصوصاً بعد الإطاحة بألمانيا، إضافة إلى جيلَي 2010 و2014 اللذين حققا أيضاً التأهل إلى المسابقة العالمية، إذ بلغ الجيل الثاني دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخ الجزائر وبطريقة رائعة".

ويتابع وحيد: "أقول بأن الجيل الحالي هو الأفضل لعدة اعتبارات أهمها: أنه حقّق لقباً غاب أكثر من 29 سنة، وناله للمرة الأولى خارج البلاد وبالعلامة الكاملة، فضلاً عن أن هذا المنتخب دخل التاريخ من أوسع باب بفضل أرقامه وإحصاءاته وأبرزها تحقيقه أطول سلسلة من المباريات دون هزيمة في تاريخ الجزائر (18 مباراة متتالية)، ناهيك عن وجود لاعبين ذوي قيمة فنية كبيرة أمثال رياض محرز وبغداد بونجاح وإسماعيل بن ناصر ويوسف بلايلي ويوسف عطال وغيرهم، إضافة إلى وجود مدير فني مقتدر صنع فريقاً قوياً ومتماسكاً ومتلاحماً".

  • الصحافي في جريدة "الخبر" الجزائرية، رفيق وحيد لـ "الميادين نت": الجيل الحالي هو الأفضل لعدة اعتبارات

 

ماذا بعد؟

هذا ما حقّقه منتخب الجزائر في 2019، السؤال الآن ماذا عن الاستحقاقات المقبلة المتمثّلة ببطولة أمم أفريقيا 2021 ومونديال 2022، هل إن منتخب "المحاربين" قادر على تكرار إنجازه بالتتويج باللقب في البطولة الأولى والتأهّل إلى البطولة الثانية والذهاب فيها بعيداً (في حال التأهّل) إلى أبعد من دور الـ 16 الذي تحقّق في مونديال 2014؟ هنا يقول الصحافي رفيق وحيد لـ "الميادين نت": "أعتقد بأن الأمر صعب جداً ومرتبط بعوامل فنية وأخرى مناخية، أبرزها أن العديد من اللاعبين تقدّموا في السن على غرار الحارس مبولحي وكذلك إسلام سليماني وعدلان قديورة، كما أن نتائج المنتخب في تصفيات بطولة أمم أفريقيا 2021 في الكاميرون وفي تصفيات مونديال 2022 في قطر والمستوى الذي سيظهر به سيحدّد بنسبة كبيرة ما إذا كان قادراً على الحفاظ على لقبه، خصوصاً أن البطولة ستجري في أدغال أفريقيا وفي ظروف مناخية صعبة وعلى ملاعب قد لا تكون بمستوى الجودة التي كانت عليها ملاعب مصر في البطولة الماضية. جودة الملاعب أمر هام وحاسم جداً خصوصاً أن أبرز لاعبي الجزائر يلعبون في أوروبا وعلى ملاعب جيّدة". 

على كل الأحوال، فإن منتخب الجزائر وصل الآن إلى القمة. بلوغ القمة صعب لكن الأصعب هو الحفاظ عليها، وهذا هو الاختبار الأهم الذي ينتظر بلماضي وأبنائه، وحينها يمكن حسم الجدل نهائياً إن كان الجيل الحالي هو فعلاً الأفضل في تاريخ الجزائر.