مع مارادونا...

بعد تصريحه الأخير الداعم للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والمنتقد لأميركا والذي وصف فيه دونالد ترامب بالطاغية، عوقب النجم الأسطوريّ دييغو مارادونا بغرامة مالية فرضها عليه الاتحاد المكسيكي لكرة القدم. لا يُهمّ، هذا هو مارادونا الذي لا يُثنيه شيء عن قول كلمة الحقّ.

وصف مارادونا ترامب أخيراً بالطاغية بعد أن كان قد وصفه بالدمية
وصف مارادونا ترامب أخيراً بالطاغية بعد أن كان قد وصفه بالدمية

يمتلك دييغو مارادونا رصيداً هائلاً من النجومية والشعبية على امتداد العالم. لا يحتاج هذا النجم الأسطوريّ الذي لم تعرف له الكرة مثيلاً في تاريخها لإطلاق تصريح هنا أو هناك ليجذب إليه الأنظار. الأضواء ترافقه أينما حلّ وارتحل. أكثر من ذلك، فإن مارادونا بما يمثّله من مكانة في عالم اللعبة يبدو في غنىً عن إطلاق تصريحات لا تُعجب كثيرين أو بعيدة عن كرة القدم، لكنه لا يأبه، لا يبالي، يقول كلمته ويمضي، حتى لو كلّفته سيلاً من الانتقادات، حتى لو هاجمه كثيرون.
مذ لمع نجمه وسحر القلوب والألباب عقب قيادته منتخب الأرجنتين للتتويج بلقب مونديال 1986 على ملعب "آزتيك" الشهير في مكسيكو وزار حينذاك الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو أعلن دييغو موقفه بكل صراحة ووضوح: ضد أميركا... ضد استبدادها.
مذ ذاك التاريخ لم يتوانَ هذا النجم الأسطوري عن إظهار عدائه لأميركا ووقوفه إلى جانب المستضعفين ومعسكر اليسار في أميركا الجنوبية، وراح ينسج علاقات صداقة مع الزعماء والرؤساء بدءاً من كاسترو إلى الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز والحالي نيكولاس مادورو والرئيس البوليفي إيفو موراليس، ويتنقّل بين كوبا وفنزويلا وبوليفيا معلناً مواقفه وتأييده لسياسات هؤلاء. احترمهم وبادلوه الاحترام والترحيب، أحبهم وبادلوه الحب والتقدير. لم يكتف بذلك، بل ظل قريباً من عامة الشعب.
قيل الكثير عن مواقف مارادونا لكن، كما في كل مناسبة، وجب إعادة التذكير بها لأهميّتها ولتبقى عالقة في الأذهان من جهة ومن جهة ثانية لإعطاء هذا النجم حقّه نظراً لمكانته حيث كان بإمكانه الاكتفاء بعالم الكرة من دون المواقف السياسية، ويقيناً هنا فإنه، نظراً لشعبيته الجارفة، كان بإمكانه الوصول إلى أعلى المناصب السياسية في بلاده لو تطلّع إلى المناصب كما فعل نجوم كرة ورياضيون آخرون كالبرازيلي روماريو على سبيل المثال.
"قاتل" كلمة هزّت البيت الأيبض قبل سنوات عندما وصلت إلى مسامع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن خلال وصف مارادونا له في لقاء تلفزيوني جمعه مع كاسترو. لم يكتف دييغو بذلك، "نزل إلى الشارع" بعدها، وتظاهر عام 2005 احتجاجاً على زيارة بوش الأرجنتين لحضور قمّة قادة دول الأميركيتين في مدينة "مار دل بلاتا" لمناقشة سوق التجارة الحرة.
كان بإمكان دييغو أن يُطلق تصريحاً خلال الحملة الانتخابية لمادورو قبيل الانتخابات العام الماضي، لكنه أبى إلّا أن يكون إلى جانب صديقه مرتدياً ألوان العلم الفنزويلي ومحفّزاً الجماهير. لاحقاً قال: "أنا جنديّ لدى مادورو"، مضيفاً: "عندما نتلقّى الأوامر من مادورو، فأنا مستعدّ لارتداء الزيّ العسكري والدفاع عن حرية فنزويلا، لمحاربة الإمبريالية".
أما عندما أمعنت الولايات المتحدة تدخلاً في الشأن الفنزويلي ومحاصرتها مادورو أخيراً بعد اعتراف دونالد ترامب بزعيم المعارضة خوان غويدو رئيساً للبلاد، أبى مارادونا أن يترك صديقه مادورو وحيداً ويقف مكتوف الأيدي فأعلن دعمه الكامل له وتوّجه إليه قائلاً: "لن أتغيّر. اليوم وأكثر من أي وقت مضى مع الرئيس نيكولاس مادورو. فنزويلا يحكمها الشعب".
الأزمة لم تنته في فنزويلا، ومارادونا، طبعاً، لم ينته من مواقفه، إذ قبل أسبوع أهدى مادورو فوز فريقه المكسيكي الذي يدرّبه وجدّد دعمه له، وكتب على مواقع التواصل: "أودّ أن أُهدي الفوز لنيكولاس مادورو وكل فنزويلا التي تعاني بسبب الأميركيين الذين يعتقدون أنهم شرطيو العالم، فقط لأن لديهم أكبر قنبلة على الأرض، يعتقدون أنهم يستطيعون دهسنا، لكن هذا لن يحدث معنا، فلن يستطيع هذا الطاغية الذي عيّنوه رئيساً (ترامب) أن يشترينا". قبل أن يصف ترامب بالطاغية، كان مارادونا قد وصفه عقب انتخابه بالدمية. هذا هو دييغو لا يخشى وصف رئيس الولايات المتحدة بما يراه مناسباً.
اليوم فرض الاتحاد المكسيكي لكرة القدم غرامة مالية على مارادونا لتصريحه السياسي الأخير. سيدفع دييغو المبلغ. سيدفع ثمن قوله كلمة الحقّ. لكن مع ما عهدناه من دييغو فإن لا نهاية لمواقفه... في كل مرّة، سيُتحفنا مارادونا.