حسرةٌ في ميونيخ: انتهى زمن "روبيري"

كان المشهد أمس مؤثّراً في وداع بايرن ميونيخ لنجمَيه الكبيرَين فرانك ريبيري وأريين روبن. أمس طوى اللاعبان الملقّبان بـ "روبيري" صفحة لا تُنسى في تاريخ بايرن ميونيخ.

  • ريبيري وروبن لاعبان غير عاديين مرّا على بايرن ميونيخ (أرشيف ــ أ ف ب)

احتفلت مدينة ميونيخ أمس بتتويج فريقها بايرن بلقب الدوري الألماني للمرة السابعة على التوالي. فَرِح البافاريون أخيراً بعد موسم شاقّ، لكن فرحتهم لم تكن كاملة، شابتها غصّة. بالأمس كان البافاريون يفتحون خزائنهم لتستقبل درع "البوندسليغا"، لكن، في المقابل، كانوا يفتحون أبواب ملعبهم لتوديع نجمَين كبيرين صنعا الشيء الكثير لفترة طويلة من الزمن في ميونيخ. عادة، أو غالباً، يودّع فريق نجماً كبيراً في نهاية الموسم، لكن جمهور بايرن كان على موعد مع توديع نجمَين (فضلاً عن اللاعب البرازيلي رافينيا). هذا كثير. عندما نتحدّث عن نجمَين مثل الفرنسي فرانك ريبيري والهولندي أريين روبن فإن الأمر يصبح غير عابر والخسارة تصبح كبيرة. الحديث هنا عن ريبيري الذي مضى على وجوده في بايرن 12 عاماً وعن روبن الذي جاء بعده بعامين إلى قلعة ميونيخ. الحديث هنا عن نجمَين لم يكن مرورهما عادياً على مقاطعة بافاريا وكل ألمانيا وقد وصل سحرهما إلى عموم أوروبا كيف ما تنقلا مع بايرن. الحديث هنا عن لاعبَين شكّلا العامود الفقري لبايرن في السنوات العشر الأخيرة. الحديث هنا عن لاعبَين محوريين شغلا مركز الجناحَين في الفريق: الأول على الميسرة وهو ريبيري، والثاني على الميمنة وهو روبن. هكذا فإن بايرن خسر دفعة واحدة جناحَيه. الجناحان اللذان أدخلا الرعب في قلوب الخصوم وشكّلا ثنائياً رائعاً أُطلق عليه في ألمانيا لقب "روبيري". إذاً بات البافاري حتى حين من دون جناحَيه. هو، هنا، يشبه طائرة من دون جناحَين. يشبه طائراً من دون جناحَين. كيف له أن يحلّق بعد الآن؟ لا بد من جناحَين جديدين بمستوى "روبيري"، رغم صعوبة المهمة، حتى يعود بايرن للتحليق مجدّداً.
الحديث هنا عن ريبيري الذي يصعب أن تنساه مدينة ميونيخ لشدة ما تركه من أثر. هو النجم الذي امتلك موهبة رائعة من خلال مهاراته ومراوغاته وأهدافه المميزة. ريبيري تحوّل في ميونيخ إلى أكثر من لاعب حيث ذاب في عشق البافاريين حتى غدا واحداً منهم ولم يعد يتكلّم إلا اللغة الألمانية حتى عندما يتواجد في بلاده فرنسا وهذا ما أغضب الصحافة الفرنسية. ولشدة حبّ البافاريين لريبيري أطلقوا عليه لقب "القيصر فرانك". القيصر؟ لقب لم يحمله سابقاً سوى الأسطورة فرانتس بكنباور. هذا يكفي لتأكيد مدى مكانة ريبيري في قلوب جمهور بايرن.
كذا الأمر بالنسبة لروبن الذي استطاع بسرعة كبيرة أن يحجز مكاناً له في قلوب البافاريين. في ميونيخ "جوهر" روبن من خلال مهارته وانطلاقاته المذهلة وأهدافه الرائعة. لن ينسى جمهور بايرن بالطبع ميزة روبن من خلال التسديدات المقوّسة التي سجّل منها أهدافاً خيالية. سيتذكّر البافاريون دوماً روبن عند إصابة أي لاعب، إذ إن الهولندي اشتهر بلقب "اللاعب الزجاجي" لكثرة تعرّضه للإصابة والتي لولاها لكان مشواره الرائع مع بايرن أكثر روعة، وربما أيضاً كان بإمكان البافاري أن يحصد المزيد من الألقاب تحديداً في دوري الأبطال.
قلنا دوري الأبطال؟ كيف يمكن أن ينسى البافاريون عام 2013 الذي سيبقى مطبوعاً في ذاكرتهم عندما أبدع الثنائي ريبيري وروبن وقادا بايرن لآخر ألقابه في "التشامبيونز ليغ" تحديداً من خلال تلاعبهما ببرشلونة في نصف النهائي عندما هزمه البافاري بنتيجة 7-0 في مجموع المواجهتين. حينها عندما لم يكن أحد يجرؤ على تحقيق مثل هذه النتيجة في مواجهة برشلونة ميسي وتشافي وإينييستا والذي كان يُطلق عليه لقب "فريق من خارج هذا الكوكب"، لكن ريبيري وروبن أعاداه إلى الكرة الأرضية لا بل جعلاه "أضحوكة" للعالم، وصولاً إلى نهائي "ويمبلي" أمام بوروسيا دورتموند والذي حسمه روبن بهدفه مانحاً اللقب الغالي لبايرن.
أمس كان المشهد رائعاً ومثالياً عندما سجّل كل من ريبيري وروبن هدفاً رغم مشاركتهما في الشوط الثاني في مباراتهما الأخيرة في "أليانز أرينا" (لن يلعبا مجدداً في ميونيخ ويتبقى لهما نهائي الكأس أمام لايبزيغ لكن في برلين)، هذا فضلاً عن أن ريبيري لم يكتف بهدفه الرائع بل حقّق رقماً قياسياً في تاريخ الدوري الألماني عندما أصبح أول لاعب يُتوَّج باللقب 9 مرات.

أمس كان المشهد بالغ التعبير في وداع جمهور بايرن لنجمَيه الكبيرَين، عندما امتزجت الدموع بالعاطفة والتأثّر الكبير لتتجلّى بذلك روعة الكرة. أغلق ريبيري وروبن باب "أليانز أرينا" وراءهما. لن يعودا بعد اليوم إلى عشبه، لكن يكفيهما أنهما تركا أثراً كبيراً سيبقى في ذاكرة ونفوس البافاريين إلى الأبد.