ماذا حدث للقومية العربية؟

ما نحتاجه الآن هو أن تستيقظ صفوة الأمة حتى ترى الحقيقة كما هي، وتدرك مقدار الخسارة التي تلحق الأمة بتجاهلها هذه الحقيقة، نعم، المهمة تقع على عاتق مثقفي الأمة، فهؤلاء، مهما تبدو درجة غفلتهم هم الأقدر على استعادة ما فقدته الأمة من ثقة بالنفس والإيمان بما يمكن تحقيقه في المستقبل. وأظن أن «القومية العربية» مهما تكن ضراوة القوى المناوئة لها، مازالت قادرة على إثبات وجودها من جديد.

هزم العرب في فلسطين لأنهم كانوا يحاربون بشدة جيوش وليس بجيش واحد
هزم العرب في فلسطين لأنهم كانوا يحاربون بشدة جيوش وليس بجيش واحد

كتب جلال أمين في صحيفة "الأهرام"

لم أكن قد بلغت العشرين من عمري عندما اطّلعت لأول مرة على كتابات الأستاذ ساطع المصري عن القومية العربية. كان الرجل يؤمن إيماناً عميقاً بأنّ نهضة العرب لا يمكن أن تتم إلا إذا اتحد العرب في دولة واحدة. وأذكر أنه صدر أحد كتبه بعبارة تحمل المعنى الآتي "سُئلتُ كيف هزم العرب في حرب فلسطين مع أنهم كانوا يحاربون بستة جيوش في مقابل جيش واحد؟ فأجبت بأنهم هزموا لأنهم كانوا يحاربون بشدة جيوش وليس بجيش واحد".

أذكر أن كلية الحقوق بجامعة القاهرة (حيث كنت طالباً) نظّمت رحلة إلى لبنان وسوريا بعد أشهر قليلة من قيام ثورة 1952 فى مصر، فوجئنا نحن الطلبة المصريين عندما قابلنا شباباً في مثل سنِّنَا، لبنانيين وسوريين وأردنيين بما وجدنا لديهم من قوة الشعور القومي، وثقتهم بأن النجاح في تحقيق الوحدة العربية يتوقف على قوة شعور المصريين بضرورتها، لكن ثورة 1952 لم ترفع شعارات القومية والوحدة العربية إلا بعد قيامها بعدة سنوات، وأذكر أن حماسنا إلى الوحدة لم يبدأ على نحو جدي إلا عقب تأميم قناة السويس في يوليو 1956، ثم ازداد حماسنا للوحدة العربية عندما أعلن اتحاد مصر وسوريا وتكوين الجمهورية العربية المتحدة في أوائل 1958، وزاد حماسنا مرة أخرى عندما قامت بعد ذلك بأشهر قليلة ثورة في العراق ترفع أيضاً شعار الوحدة العربية.
كم أشعر بالحنين إلى هذه الأيام، بل أصارح القارئ بأنني يخطر بذهني أحياناً أن هذه الفترة (1955 - 1965) كانت فترة متميزة، ليس فقط في التاريخ العربي بل في تاريخ العالم كلّه، إلى حدّ أنه من الممكن أن يطلق عليها وصف (الزمن الجميل). صحيح أنها الفترة التي شهدت اشتداد حدّة الحرب الباردة، لكن ما العيب بالضبط في ذلك؟ كان التنافس شديداً بين معتنقي الأفكار الاشتراكية من ناحية، وبين المتحمسين إلى النظام الرأسمالي من الناحية الأخرى، لكن في هذه الفترة أيضاً ظهرت فكرة عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي، واقترنت هذه الفكرة بنمو فكرة القومية العربية التي يسمح الإيمان بها بتحقيق العرب استقلالهم السياسي والاقتصادي والثقافي، عن كلا المعسكرين، الغربي الرأسمالي والشرقى الشيوعي على السواء، والاعتقاد بأن نجاح العرب في تحقيق هذا الحياد أقرب إلى التحقق في ظل الوحدة العربية ممّا لو ظلّت كلّ دولة عربية منعزلة عن بقية الدول العربية فيسهل اقتناصها وضمّها لأحد المعسكرين.
ما الذي حدث بالضبط، في منطقتنا أو في العالم كله، ليجعل هذه الفكرة (القومية العربية والوحدة) أشبه بالحلم مستحيل التحقيق؟ أذكر أني اشتركت في حوار تلفزيوني منذ عدة سنوات، بمناسبة حدوث بعض التوتر في العلاقة بين مصر والجزائر أثناء مباراة لكرة القدم بينهما. لا أذكر الآن سبب هذا التوتر، ولماذا أخذه الكثيرون مأخذ الجد، لكني على أي حال عبّرت في أثناء الحوار عن اعتقادي بأن ما حدث لا يمكن أن يمسّ فكرة القومية العربية والوحدة بأي سوء، فإذا ببعض تلاميذي في الجامعة يقابلونني في اليوم التالي بالتعبير عن استغرابهم لموقفي، وأني مازلت أعتقد أن الوحدة العربية مطلب جدير بالسعي من أجله، وأنه ممكن التحقيق. فلماذا لا يبدو لنا الأمر على هذا النحو الآن؟ هل نجح الأعداء في تفريقنا؟ هل هي مؤامرة ضدّنا تمّ تنفيذها بنجاح؟ أم أنّ الضعف قد استبد بكل بلد عربي على حدة حتى نسي نفسه وخسر روحه؟ لكن من نسي نفسه يمكن أن يعود لتذكرها، ومن يبدو كأنه خسر روحه يمكن أن يحدث ما يعيد إليه ثقته بنفسه ويرد إليه إرادته المفقودة. ذلك أن مقومات القومية العربية والوحدة، وإن كانت قد أصابتها سهام كثيرة، لم تصبها السهام في مقتل. فاللغة العربية، على الرغم من كل ما تعرضت له من هوان بتأثير العولمة، وانتشار استخدام اللغات الأجنبية، ما زالت تنبض بالحياة، والعادات والتقاليد العربية، وإن كانت تتعرض إلى التهديد في كل يوم بسبب العولمة أيضاً، وانتشار قيم الاستهلاك وازدياد قوة الاعتبارات الاقتصادية على حساب الاعتبارات الثقافية والأخلاقية ليس من السهل استئصالها وإحلال تقاليد وعادات أمم أخرى محلها.
ما نحتاجه الآن هو أن تستيقظ صفوة الأمة حتى ترى الحقيقة كما هي، وتدرك مقدار الخسارة التي تلحق الأمة بتجاهلها هذه الحقيقة، نعم، المهمة تقع على عاتق مثقفي الأمة، فهؤلاء، مهما تبدو درجة غفلتهم هم الأقدر على استعادة ما فقدته الأمة من ثقة بالنفس والإيمان بما يمكن تحقيقه في المستقبل. وأظن أن «القومية العربية» مهما تكن ضراوة القوى المناوئة لها، مازالت قادرة على إثبات وجودها من جديد.