"النجوم تتماشى"مع عمليات أخرى كثيرة في غزة

رئيس جهاز الأمن الداخلي"الشاباك" نداف ارغمان يدّعي أنّ عملية اغتيال أبو العطا نُفّذت بعد أن ꞌتماشت النجومꞌ وأصبح بالإمكان إصابته في المكان والزمان الصحيحين.

  • ꞌالنجوم تتماشىꞌ مع عمليات أخرى كثيرة في غزة

 

بعد استهداف الشقة التي كان ينام فيها بهاء أبو العطا، الناشط في الجهاد الإسلامي، فجر 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2019، ادّعى رئيس "الشاباك" (جهاز الأمن الداخلي) نداف ارغمان خلال ظهوره في المؤتمر الصحافي إلى جانب كل من رئيس هيئة الأركان ورئيس الحكومة أنه قد تم تنفيذ العملية العسكرية "بعد أن "تماشت النجوم"وأصبح بالإمكان إصابته في المكان والزمان الصحيحين".

إنّ الحديث لا يدور هنا عن "نجم العشاق" (star-crossed lovers) من قصة "روميو وجولييت"، اللذين حكم عليهما القدر بأن يتحابا على الرغم من الخلاف بين العائلتين، بل يدور عن عملية اغتيال خُطِّط لها مسبقاً والتي من المفترض أنها تعبّر عن سياسة معينة. لقد كانت أقوال رئيس الشاباك ارغمان عبارة عن محاولة للدفاع عن النفس في وجه الادّعاءات القائلة إن رئيس الحكومة يحاول شنّ حرب من أجل التأثير على محاولات تشكيل الحكومة. وهذه الأقوال يجري استخدامها أيضاً في إستراتيجية الخطاب المعروف باسم "تطبيع الأمور" (Naturalization) والتي ترى أن العمليات العسكرية هي نتيجة حتمية لقوانين الطبيعة وليست قراراً في يد بني البشر، أي بمعنى القدر الذي تحدده "النجوم عندما تنتظم وتتماشى مع بعضها البعض".

وفي المناسبة ذاتها، قال رئيس الشاباك أيضاً إنّ "عملية الإغتيال الليلة جرت في التوقيت الصحيح تماماً من الناحيتين المهنية والعملياتية" – وهو القول الذي يدفع، هو الآخر، القرار باغتيال أبو العطا خارج السياق السياسي برمّته.

ومن ناحية ارغمان فإن الظروف كانت مؤاتية، ولذلك قام سلاح الجو بعمله. ومجرّد حقيقة أن نتنياهو ظهر إلى جانب رئيس هيئة الأركان ورئيس "الشاباك" (المقل في الظهور في المناسبات العامة) كانت محاولة لإخراج العملية العسكرية من سياقها السياسي وإقحامها (عنوة) في السياق العسكري.

تنضم إستراتيجية هذا الخطاب إلى إستراتيجيات خطاب معروفة أخرى لجعل الحرب أمراً طبيعياً مثل:

● نزع الإنسانية عن الطرف الثاني. فأبو العطا ليس إنساناً بل هو "قنبلة موقوتة"، حسب نتنياهو. وقتل العائلة بالكامل في قصف سلاح الجو "لم يكن متوقعاً"، أي أنه نوع من الخلل التقني.

● استخدام استعارات من عالم الرياضة لوصف القتال. فعنف الحرب يقدَّم بوصفه لعبة من الألعاب. وفي حالتنا هذه فإن العملية حملت اسم "الحزام الأسود" المأخوذ من لعبة الجودو. وكذلك الإكثار من استخدام كلمة "جولة" التي تذكرنا بلعبة الملاكمة.

● استخدام الاستعارات الطبية المعروفة مثل "هجمات جراحية" (دقيقة) بهدف وصف عمليات القصف، لإعطاء الانطباع بأن القصف موجه فقط إلى هدف واحد وهو قتل المخرب (حتى وإن قُتلت زوجته معه في هذه الحادثة)، وإعطاء الانطباع بأن العملية هي نوع من العلاج الطبي.  

ينجح المستوي السياسي في جعل الوضع غير العادي مع قطاع غزة أمراً عادياً وذلك عن طريق استخدام استعارات من عوالم الطبيعة والرياضة والطب. وبالفعل، وبفضل حوار التطبيع، فإن معظم الجمهور في "إسرائيل" قد طور حالة من اللامبالاة تجاه الحرب الروتينية ولا يتساءل عن السياسة التي يخدمها.

لقد انتهت "الجولة" هذه المرة بعد ثلاثة أيام، بدون إصابات بين الإسرائيليين و 32 قتيلاً فلسطينياً، وبالتوصل إلى وقف لإطلاق النار مع الجهاد الإسلامي. وبعد أن توقفت الحياة في مناطق بكاملها في الدولة، عدنا إلى أوبرا الصابون في محاولة لتشكيل الحكومة بدون أن نفكر فيما إذا كانت عملية اغتيال أبو العطا ضرورية، وإذا ما ساهمت بشيء ما لأمن الدولة أو لتحقيق الأهداف السياسية في غزة.

إن تحويل الحرب في غزة إلى روتين لا يُسكت فقط الأسئلة البسيطة بل الأسئلة المعقدة أيضاً. ذلك أنه قبل 13 عاماً، مباشرة بعد سيطرة حماس على القطاع، كان من المقرر أن تتسبب سياسة الحصار على غزة بالضغط على الحكم الجديد وتحقيق إنجاز سياسي. ويبدو أن 13 عاماً هي زمن كافٍ للإدراك أن هذه الأهداف قد فشلت. إلا أن الخطاب الروتيني ينسينا ضرورة أن تكون هناك سياسة ما للعمل أمام قطاع غزة. فنحن لا نمتلك إجابات على سؤال من نمط لماذا تتكرر هذه النغمة في غزة المرة تلو الأخرى، وذلك لأننا لا نعرف ما هي القضايا المطروحة. فتحويل الحرب إلى روتين تُدخل الجمهور الإسرائيلي في حالة من اللامبالاة، وحتى في نوع من الغيبوبة تجاه الوضع المستديم.

إن صمت وسائل الإعلام والمعارضة في إسرائيل يصم الآذان. فباستثناء أصوات معدودة في وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن الغالبية تقبل بالإدعاء القائل إن هذا الاغتيال كان عملاً "عسكرياً" و "مهنياً" و "إستراتيجياً"، وهو الإدعاء الذي تسنده حقيقة أن الجيش ضغط على المستوى السياسي من أجل المصادقة على العملية. إلا أنه لا يوجد، عملياً، فصل حقيقي بين العسكري والسياسي. فسياسة الحصار وسياسة الاغتيالات (أو غياب سياسة ضابطة لها) يجب أن تعكس أهدافاً سياسية، لكن هذه الأهداف ليست واضحة للجمهور، وربما هي أيضاً غير واضحة للمستوى السياسي.

ومع ذلك هناك هدف واحد واضح تماماً للسياسة الإسرائيلية وهو الرغبة في الإبقاء على الفصل بين الضفة الغربية وبين قطاع غزة، وبين السلطة الفلسطينية وبين حماس، وذلك حتى لا يكون هناك ممثل شرعي فلسطيني واحد وموحد، والذي يمكن التفاوض معه. فسياسة الفصل تخدم، بشكل رائع، سياسة "اللا شريك". والجمهور في إسرائيل، المهتم في غالبيته بالعيش في هدوء مع جيرانه، بالكاد يسأل نفسه إذا ما كانت السياسة المتبعة أمام غزة تخدم أية مصلحة إسرائيلية مهما كانت. فنحن عالقون في وضع غير طبيعي دائم ولا يتغير، وفي خطاب يصرّ على جعله طبيعياً.   

ترجمة: مرعي حطيني

    

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً