واشنطن تتراجع عن معارضتها الهجوم على الحديدة

حذرت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا التحالف الذي تقوده السعودية، والتي توفر له الدعم اللوجستي والاستخباراتي، من الهجوم على الحديدة. لكن في الأيام الأخيرة، يبدو أنها قد غيّرت لهجتها.

تحتاج إدارة ترامب لإبقاء السعودية والإمارات ضمن سياستها الأوسع المتمثلة في صد النفوذ الإيراني

كشفت مجلة فورن بوليسي الأميركية أن ثمة مؤشرات على أن الهجوم المتوقع على مدينة الحديدة اليمنية سيكون وشيكاً مشيرة إلى أن واشنطن قد خففت من معارضتها لهذا الهجوم. والآتي ترجمة نص المقال:

بينما كل الأنظار متجهة نحو قمة سنغافورة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، يستعد التحالف بقيادة السعودية في اليمن لزيادة الصراع بشكل كبير مع شن هجوم على الميناء الرئيسي للحديدة، الشريان الرئيسي للبلاد للطعام والوقود والدواء.

فقد تم إخطار مجموعات الإغاثة العاملة في اليمن خلال عطلة نهاية الأسبوع أن الهجوم المخطط له منذ فترة طويلة صار وشيكاً، وحثوهم على إجلاء الموظفين في غضون أيام. والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، قد شارك في دبلوماسية مكوكية محمومة مع المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في العاصمة اليمنية صنعاء في محاولة لتجنب مواجهة عسكرية.

وصرح الامين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس للصحافيين قبل اجتماع مجلس الأمن قائلاً "إننا في الوقت الحالي في مشاورات مكثفة. "آمل أن يكون من الممكن تجنب معركة الحديدة."

وقد التأم مجلس الأنت التابع للأمم المتحدة الإثنين في جلسىة مغلقة للاستماع إلى تقرير غريفيث ومنسق الأمم المتحدة الإغاثي مارك لوكوك.

وخلال الاجتماع، اقترحت المملكة المتحدة تبني بيان يدعو التحالف إلى "الامتناع عن مهاجمة مدينة وميناء الحديدة"، بحسب دبلوماسي في مجلس الأمن. لكن هذه المبادرة أوقفتها الكويت وهي الحكومة العربية الوحيدة في المجلس وعضو في التحالف الذي تقوده السعودية التي تقاتل في اليمن.

وجاءت المبادرة البريطانية كما قال المسؤول الكبير في وزارة الخارجية، أليستير بيرت، أمام مجلس العموم أن حكومته قد حضت دولة الإمارات العربية المتحدة، التي من المتوقع أن تقود العملية العسكرية. وقال: "سنواصل تثبيط أي هجوم على ميناء الحديدة وسوف نواصل استخدام نفوذنا للقيام بذلك."

 الحديدة، هي بوابة نحو 70 في المئة من جميع المواد الغذائية والوقود التي تصل إلى اليمن الذي مزقته الحرب، وأصبح هذا الموضوع أساس النزاع في الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات والتي أثارت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وتوفر الرسوم والضرائب الجمركية المحصلة من ميناء الحديدة إيرادات لقوات الحوثي المدعومة من إيران، بينما يؤكد السعوديون والإماراتيون أن الحوثيين قد حصلوا على أسلحة إيرانية عبر الميناء.

وقد حذرت الولايات المتحدة مرارًا وتكرارًا التحالف الذي تقوده السعودية، والتي توفر له الدعم اللوجستي والاستخباراتي، من الهجوم على الحديدة. ولكن في الأيام الأخيرة، يبدو أنها قد غيّرت لهجتها.

في جلسة استماع ساخنة لمجلس الشيوخ في نيسان - أبريل الماضي، قال مبعوث وزارة الخارجية الأعلى للشرق الأوسط، ديفيد ساترفيلد، إن الإدارة الأميركية قد حذرت الإمارات والسعودية من شن هجوم على الميناء وتهديد خطر تفاقم الوضع الإنساني المتدهور أصلاً. وقال ساترفيلد: "لا نرى مثل هذا العمل يتلاءم مع سياستنا الخاصة التي على أساسها يستند دعمنا لكم".

وقد أكدت الإدارة مجدداً تلك التحذيرات ضد الهجوم على الميناء في الأسبوع الأخير. لكن يبدو أن هذه التحذيرات تلقى آذاناً صماء، من الإماراتيين وحلفائهم المحليين اليمنيين الذين يتمركززون على بعد أميال من الميناء الرئيسي. وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي يساعد ترامب في سنغافورة في التحضير لقمة مع كيم جونغ أون، يبدو مستسلماً أمام تقدم العمل العسكري، مظهراً ما تطلق عليه مجموعة الأزمات الدولية "ضوءاً أصفر" يسمح لقوات التحالف بالمضي قدمًا في العملية المثيرة للجدل.

وقال بومبيو في بيان يوم الاثنين إنه تحدث إلى القادة الإماراتيين وأوضح لهم "رغبتنا في معالجة مخاوفهم الأمنية مع الحفاظ على التدفق الحر للمساعدات الإنسانية والواردات التجارية المنقذة للحياة". ودعا أيضاً جميع الأطراف إلى العمل مع الأمم المتحدة على حل سياسي للصراع المستمر منذ ثلاث سنوات - وهو هدف يمكن أن يتعرض للخطر بسبب الهجوم الوشيك.

رد فعل رد فعل إدارة ترامب أزعج مسؤولين أميركيين سابقين ومجموعات الإغاثة التي تخشى أن المدنيين المضطهدين في جميع أنحاء اليمن سيدفعون ثمن القتال المديني الدموي وتعطيل الإمدادات الإنسانية.

وقال سكوت بول، وهو خبير شؤون اليمن في منظمة "أوكسفام أميركا" للمساعدات: "الشيء الوحيد الذي سيحدث فرقاً هو تحذير بعدم شن الهجوم مع عواقب واضحة". وعلى النقيض من ذلك، فإن رد الفعل الأميركي الفاتر، كما يقول، يجعل الولايات المتحدة مسؤولة عما يحدث.

وقال ستيفن سيشي، الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة في اليمن بين عامي 2007 و2010، إن تصريح بومبيو "فاتر جداً. لهذه الأنواع من العبارات، ما لا تقوله هو أهم مما تقوله؟ لم يذكر [بومبيو] أي شيء عن أعلام حمراء أو مخاطر من أي هجوم على الحديدة. من خلال عدم ذكره ذلك، فإنه يشير إلى أن هناك تراجعاً في معارضة الولايات المتحدة للهجوم".

وزارة الخارجية الأميركية رفضت التعليق أكثر على المخاوف من مسألة تفاقم الأزمة الإنسانية.

يسلّط الرد المعتدل في الولايات المتحدة الضوء على الوضع الصعب الذي تواجهه إدارة ترامب في اليمن والمنطقة ككل. تقوم الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات عسكرية في اليمن ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وتعتبر البلاد ساحة معركة رئيسية لنفوذ إيران المتنامي في شبه الجزيرة العربية. كما توفر واشنطن الدعم للسعوديين والإماراتيين للقتال ضد المتمردين المدعومين من إيران، بينما تدفع الائتلاف إلى حل سياسي للأزمة. 

وتحتاج إدارة ترامب إلى إبقاء السعودية والإمارات على متنها لسياستها الأوسع المتمثلة في صد النفوذ الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وخاصة الآن بعد أن انسحبت من الاتفاق النووي الإيراني وهو ما يضع مزيداً من الضغط الاقتصادي على طهران. وهذا يضيف فسحة أكبر للسعوديين والإماراتيين في اليمن.

وقال سيشي، السفير السابق، "إننا نشعر برجاحة العقل بترك السعوديين والإماراتيين تنفيذ حربهم في اليمن من دون إشرافنا على كيفية قيامهم بذلك".

وبينما كان المسؤولون العسكريون الأميركيون يصرخون بقوة في تحذير قوات التحالف من الهجوم، فإنهم كانوا يكرهون استخدام ما لديهم من نفوذ – مثل التهديد بالتوقف عن تزويد الطائرات السعودية بالوقود في الجو أو تقديم المعلومات الاستخبارية، على سبيل المثال، لأن واشنطن قد تكون لديها قدرة أقل على رسم كيف يخوض السعوديون والإماراتيون الحرب، قال دالتون.

هذا أحد الأسباب لمشروع قرار من مجلس الشيوخ يدعو لإنهاء دعم الولايات المتحدة للإئتلاف وقد فشل في الإقرار هذا الربيع. وقد جادل البنتاغون بأن الحد من تورط الولايات المتحدة قد يؤدي إلى خسائر مدنية أكبر ويضر بالجهود المشتركة لمحاربة الإرهاب.

وقال دالتون إن أي هجوم على الحديدة يمكن أن يضاعف إحباط الكونغرس من دعم الولايات المتحدة للحرب. وقد انتقد السناتور كريس مورفي (وهو ديمقراطي ممثل لولاية كونيتيكت)، وهو أحد رعاة هذا مشروع القرار الفاشل هذا الربيع، دعم الولايات المتحدة لهجوم جوي الاثنين على منشآة طبية لمنظمة أطباء بلا حدود معنية بعلاج الكوليرا، محذراً من أن حرب اليمن تخرج عن السيطرة.

ورأى السفير الأميركي سيشي أيضاً أن الهجوم على الميناء أصعب بكثير مما يبدو أن الإماراتيين يفكرون فيه، مشيرًا إلى أنها ضربة أكثر من كونها انتصارًا سريعًا قد يسرع من خاتمة الحرب.  وقال: "لقد كان لدى الحوثيين الكثير من الوقت لإثبات وجودهم في هذه المدينة. الحوثيون جيدون جداً في شيء واحد، وهو القتال".

أخبر المسؤولون الحوثيون هذا الربيع المجموعة الدولية للأزمات أنهم سيقومون بتحدٍ دموي في المدينة.

أي هجوم سيؤدي بالتأكيد إلى تفاقم ما هو بالفعل كارثة إنسانية، مع تحذير الامم المتحدة من أن ربع مليون مدني في مدينة مؤلفة من 600،000 يمكن أن تكون معرضة للخطر. تقدّر وكالات المعونة الإنسانية بشكل محموم ما إذا كانت المملكة المتحدة قد تخلفت عن الركب أم لا.

وكالات المعونة الإنسانية تزن بشكل محموم البقاء في الحديدة أو مغادرتها بعد أن حذرتها المملكة المتحدة من أن الهجوم وشيك. 

وقال جويل تشارني مدير مجلس اللاجئين النرويجي في الولايات المتحدة "نحاول الإمساك بالوضع. هذا فيه احتمال تهديد موظفينا وتعطيل برنامجنا في الحديدة بشكل مباشر."

وقال لوكوك، منسق الإغاثة للأمم المتحدة، إن مجموعات الأمم المتحدة ومنظمات المساعدات "تعيد تشكيل وجودها" في الحديدة والأمم المتحدة تأمل "البقاء وتسليم المساعدات". لكن مع صباح يوم الاثنين، كان جميع موظفي الامم المتحدة الدوليين قد أجلوا الحديدة، وتركوا فريقاً من المواطنين اليمنيين لدعم جهد الإغاثة التي انخفضت بشكل كبير. اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أجلت أكثر من 70 من العاملين من اليمن وحتى قبل أخر التحذيرات، متحدة عن زيادة في التهديدات ضد موظفيها، بما في ذلك قتل اثنين من موظفي اللجنة الدولية قبل شهرين.

وحذر لوكوك من أن إغلاق الميناء سيكون "كارثياً"، نظرا لاعتماد اليمن شبه الكامل على واردات الغذاء والدواء منه. هناك بالفعل حوالى 8 ملايين شخص على حافة المجاعة، واليمن واحد من أسوأ حالات تفشي الكوليرا في العالم.

وقال لوكوك إن ميناء "الحديدة هو مركزي تماماً للحفاظ على الحياة"، وإذا، في أي فترة، لم يعمل الميناء على نحو فعال فإن التبعات الإنسانية ستكون كارثية."

ترجمة: الميادين نت