مصلحة شرق أوسطية

لقد جاء اغتيال السفير كارلوف، يوم الاثنين، في أنقرة بهدف التأثير على الأحداث في الجارة سوريا، التي تجري فيها صراعات بين الدول الغربية تحت الزعامة المتحفظة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية المغادر باراك أوباما، وبين المحور المناهض للولايات المتحدة تحت الزعامة الحازمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

جاء اغتيال السفير كارلوف في أنقرة بهدف التأثير على الأحداث في الجارة سوريا
جاء اغتيال السفير كارلوف في أنقرة بهدف التأثير على الأحداث في الجارة سوريا

على الرغم من حقيقة أن عملية اغتيال السفير الروسي، اندريه كارلوف، في بداية الأسبوع في أنقرة بدت وكأنها فصل من مسلسل "هوم لاند"، على الرغم من ذلك، فإن هذا الحادث الصاعق كان واقعياً تماماً. وهو قد جاء من أجل هز منظومة التحالفات الإقليمية لمختلف اللاعبين الرئيسين في لعبة الشطرنج كثيرة اللاعبين الجارية الآن في سوريا.

 

لقد جاء اغتيال السفير كارلوف، يوم الاثنين، في أنقرة بهدف التأثير على الأحداث في الجارة سوريا، التي تجري فيها صراعات بين الدول الغربية تحت الزعامة المتحفظة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية المغادر باراك أوباما، وبين المحور المناهض للولايات المتحدة تحت الزعامة الحازمة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 

ووفقاً لأحد التقارير في وسائل الإعلام السورية فإن تنظيم جبهة النصرة الإرهابي، الذي عمل في الماضي بوصفه فرع القاعدة في سوريا، أعلن يوم الأربعاء عن مسؤوليته عن عملية قتل الدبلوماسي، وهذا على الرغم من أن المتحدث باسم الكرملين قد قال إنه لا يزال من المبكر تحديد من يقف خلف هذا العمل. وفي الوقت نفسه قالت جهات رسمية تركية إن الداعية عبد الله غولن، الخصم اللدود للرئيس رجب طيب أردوغان، هو الذي يقف وراء الحادث.

 

وحتى قبل الإعلان عن تحمل المسؤولية كان هناك بعض الخبراء الذين أشاروا إلى حقيقة أن الشرطي الذي نفذ عملية الاغتيال، والذي تحدث بالعربية، وبالتركية كذلك، بعد عملية القتل وقال أقوالاً تنسجم مع أسلوب هذا التنظيم الإرهابي السوري، الذي كان يسمى في الماضي جبهة النصرة، هذه الحقيقة تدل على انتمائه الأيديولوجي.


طاقم تحقيق مشترك

وعلى الرغم من الخصام التاريخي الممتد لسنوات بين أنقرة وبين موسكو، والمصالح المتناقضة في سوريا بشكل خاص وفي الشرق الأوسط بشكل عام، فإن الرئيس بوتين قرر ألا يقلب الطاولة في أعقاب عملية الاغتيال بل استغلالها لتحقيق مصالحه في سوريا وفي المنطقة وذلك عن طريق تقريب الرئيس التركي إلى محوره. وقد أبدى أردوغان تعاوناً مع هذا النهج وذلك على الرغم من العداء القائم في أوساط واسعة من الجمهور التركي تجاه دور روسيا في الأزمة الإنسانية في حلب، والتي تم ذكرها من قبل منفذ عملية الاغتيال كتبرير لفعلته.

 

لقد وجد التقارب بين الطرفين تعبيراً عنه من خلال ما تم نشره في وسائل الإعلام الإسلامية، والموالية للحكومة التركية، حيث نُشر هناك العديد من نظريات المؤامرة بما يرتبط بعملية الاغتيال. ووجهت التقارير الواردة في وسائل الإعلام تلك أصبع الاتهام إلى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الـ (CIA) من جهة، ولحركة عبد الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة أخرى.

 

وقد سمعت أصوات مشابه في روسيا أيضاً. فعلى سبيل المثال قال ليونيد سلوتسكي، رئيس لجنة الخارجية في مجلس النواب الروسي بعد عملية الاغتيال "لا يهم الدرجة التي يريد بها خصومنا الإستراتيجيين في أنقرة، وفي الغرب، ذلك، فلن تكون هناك مرحلة جديدة من تدهور العلاقات بين موسكو وأنقرة".

 

وهذا هو السبب في أن أنقرة وموسكو قد أبديتا الاستعداد للتعاون عن طريق إقامة طاقم تحقيق مشترك في حادثة الاغتيال، والذي سيشارك فيه 18 من المحققين الروس والذين وصلوا بالفعل إلى أنقرة يوم الثلاثاء. وهناك اهتمام لدى الجانبين للكشف عن دوافع القاتل، الذي عمل في الشرطة لمدة عامين ونصف. وهناك من يفسرون موافقة أردوغان على ضم المحققين الروس لأعمال التحقيق على أنه إقرار بضعفه، خاصة وأن السيادة التركية غالية عليه إلى درجة كبيرة. وفي كل الأحوال، فإنه حتى ولو نجح طاقم التحقيق المشترك في تحليل دوافع القاتل فإنه من المحتمل أن يتم إخفاء النتائج عن الجمهور، خاصة إذا لم تنسجم من مصالح الجانبين.

 

وفي هذا السياق يجب أن نتذكر أنه قد تم قبل حوالي 13 شهراً إسقاط طائرة روسية بذريعة أنها قد اخترفت المجال الجوي التركي. وهو الحادث الذي أدى إلى تدهور العلاقات بين أنقرة وموسكو، وخلق أزمة دبلوماسية تم حلها في الصيف الماضي، وذلك بعد اعتذار تركي نادر.

 

هذا ولا توجد الكثير من الخيارات أمام أردوغان: فبعد أن انهارت سياسته "صفر مشاكل" تماماً خلال السنوات الأخيرة وجد نفسه معزولاً أمام القوى العظمى الإقليمية. وذلك في الوقت الذي قام فيه الروس بترسيخ نفسهم كأصحاب البيت في سوريا. فقد أدرك الرئيس التركي أنه بحاجة إلى بوتين بجانبه من أجل تحقيق مصالحه في سوريا وفي العراق، والتي تركز بشكل أساسي على صراعه ضد الأكراد. وكذلك الحال، هو استطاع خلال الصيف الماضي تجاوز محاولة الانقلاب التي قوته على الصعيد السياسي الداخلي، إلا أنها قد أضعفت أجهزة الأمن التركية.

 



استقرار الساحة السورية

لقد حدثت عملية اغتيال السفير الروسي بعد حوالي أسبوع من عملية مزدوجة في إسطنبول، والتي تم تنفيذها من قبل إحدى المنظمات الكردية وتسببت بمقتل العشرات. وهذه العملية التي جاءت استمراراً لسلسلة من العمليات المشابهة، بالإضافة إلى اغتيال كارلوف، أظهرت تركيا في حالة ضعف غير مسبوقة. وهذه الحالة لا تتوافق مع تطلعات أردوغان، الذي يرى في نفسه "السلطان الجديد" المتهم بترسيخ نفسه بوصفه زعيماً قوياً على الساحة الدولية.

 

وهنا يجب أن نذكر أن عملية الاغتيال جرت قبل يوم واحد من لقاء القمة بين وزراء الخارجية الروسي والإيراني والتركي في موسكو، وهو اللقاء الذي جاء بهدف دراسة التطورات في سوريا. وعلى الرغم من عملية الاغتيال فإن اللقاء عُقد وفق ما هو مقرر، وقدم الحلف الإقليمي الثلاثي بين كل من روسيا وإيران وتركيا. وقد دعا الإعلان المشترك الذي تم نشره في نهاية اللقاء، وأطلق عليه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو اسم "إعلان موسكو"، دعا إلى إنهاء الحرب الأهلية في سوريا وتحقيق تسوية سياسية. وقد شكل الإعلان إنجازاً كبيراً بالنسبة لكل من موسكو وطهران، اللتين نجحتا في تجنيد تركيا في خطة الحل السياسي التي لم تتضمن الدعوة للرحيل الفوري للأسد. وهذا بعد أن ظل أردوغان يطالب، على مدى سنوات، برحيله من السلطة كشرط لتحقيق تسوية سياسية في سوريا.

 

وعلينا أن نذكر أنه إلى جانب هذه الخطوات، سيبدأ في الشهر القادم عهد ترامب في البيت الأبيض. وقد يُقْدِم رجل الأعمال هذا، الذي فاز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، على تغيير قواعد اللعبة مرة أخرى. فمرشح ترامب لمنصب وزير الخارجية ريكس تيلرسون، معروف بعلاقاته مع الرئيس بوتين، كما أن ترامب كان قد صرح في الماضي بأنه ضد إزاحة الأسد وذلك من أجل استقرار الساحة السورية.

 

كذلك الحال، فإن بوتين وترامب كانا قد أعربا عن رغبتهما المشتركة في تحسين العلاقات المتوترة بين الدولتين، حيث يطالب الرئيس الروسي بإلغاء العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم.

 

وعليه فإنه تلوح ملامح صفقة لنظام إقليمي يشتمل على إعادة تقاسم النفوذ من جديد. إلا أن هذا النظام الجديد قد يصطدم ببعض المشاكل ما لم يكن أردوغان راضٍ عن حصته فيه، وإذا ما قام ترامب بتنفيذ وعده بإلغاء الاتفاق النووي. وفي مثل هذا الوضع سيتم اختبار العلاقات بين ترامب، رئيس الأمر الواقع، وبين بوتين صاحب الخبرة.

 

ترجمة: مرعي حطيني