ست سنوات على "الربيع العربي"

وأخيراً يُطرح السؤال: "ما هو الشيء الجيد بالنسبة لإسرائيل؟". وحسب رأيي المتواضع، هذه الحمى التي تضرب المنطقة تشكل تحدياً كبيراً لكل منظومات الدولة، وبخاصة تلك المنظومات المؤتمنة على الأمن والتقييمات الاستخبارية. وبالنسبة للأخيرة ينبغي أن تتم في أي وقت وفي مكان أو سيناريو، إلا أنه في الواقع القائم، الزمان والمكان والسيناريو، يلفها الضباب.

تتحول أطراف الشرق الأوسط إلى المركز بينما يتحول المركز إلى الأطراف
تتحول أطراف الشرق الأوسط إلى المركز بينما يتحول المركز إلى الأطراف

في 17 من كانون الأول/ ديسمبر 2010 أضرم محمد بوعزيزي النار في نفسه، وهو بائع خضراوات تونسي متجول، يبلغ من العمر 26 عاماً، من قرية سيدي بوزيد، وذلك احتجاجاً على المضايقات المتواصلة له من قبل السلطات المحلية. وقد توفي بوعزيزي في المستشفى في 4 كانون الثاني/ يناير 2011، وتحول في اليوم ذاته إلى بطل الثورة التونسية التي شكلت رمزاً لبداية موجة الاحتجاجات التي ضربت العالم العربي. وفي 17 كانون الأول / ديسمبر اكتملت ست سنوات على موجة الاحتجاجات هذه، والتي حظيت منذ اندلاعها بلقب "الربيع العربي". والغرض من هذا المقال هو الإشارة إلى عدد من الأفكار الأولية التي أفرزتها الأحداث مدار الحديث في الشرق الأوسط.

 

بداية، الوطنية إلى الخارج والإسلام إلى الداخل. فالمنطقة بدأت تُظهر اهتماماً أقل بالدول وبالحدود وبالرموز وبالدلالات الوطنية، وحتى بحكام الدول. بينما بدأت تنشغل بشكل متزايد بالحركات الدينية وبالطوائف وبالإرهاب الديني وبخطوط الفالق الديني التي تشكل البديل للخطوط الوطنية. فهناك حماس وداعش وجبهة النصرة والقاعدة والمتمردون الحوثيون والجهاد والسنة والشيعة والعلويون والسلفيون والأخوان المسلمون، وغيرهم – وكل هذه الجهات هي تعبيرات دينية وليست وطنية.

 

ثانياً، تتحول أطراف الشرق الأوسط إلى المركز، بينما يتحول المركز إلى الأطراف. فتركيا، وهي دولة سنية غير عربية، وإيران، وهي دولة شيعية غير عربية، هما منطقتان على أطراف الشرق الأوسط العربي التقليدي، قد تحولتا إلى دولتين تتحكمان بوتيرة الأحداث في الدول العربية المتفككة إلى درجة عدم الوجود. وصحيح أن تطلعات التوسع والنفوذ هذه كانت قد سبقت الربيع العربي، إلا أنها أصبحت أكثر قابلية للتنفيذ بعد حدوثه. وهناك مصطلحان أساسيان يميزان هذا التوجه إلى درجة كبيرة وهما: "الهلال الشيعي" و "العثمانية الجديدة". وهناك صعوبة اليوم في إيجاد منطقة عربية خالية من هذا النفوذ.

 

وهناك فكرة أخرى تتمثل في زيادة (عدد) اللاعبين في الساحة شرق الأوسطية، وذلك كفعل ناتج عن كثرة المصالح. ففي السنوات التي سبقت الربيع العربي كانت مصطلحات من نمط "هوية المصالح" و "مع وضد" و "معي أو ضدي"، كانت أوضح بكثير مما هو عليه الحال في أيامنا. فقد تحول الواقع اليومي في منطقتنا إلى واقع ضبابي لجهة هذه المصطلحات، إلى درجة لم يعد هناك تقسيم واضح بين الأعداء والأصدقاء.

 

كما أن التقسيم غير واضح بالمرة لجهة التوافقات حول مصالح معينة وبعض النشاطات لدولة ما في نظر دولة أخرى، وكذلك بغياب التوافق لنشاط آخر تقوم به الدولة نفسها. فإذا ما حاولنا اختبار ذلك، على سبيل المثال، في سلوك إسرائيل حيال إيران نجد أن الفوارق هائلة في الموضوع النووي إلا أنه في موضوع الدولة الإسلامية نجد أن هذه الفوارق تكاد تكون غير موجودة. وأود أن أؤكد هنا أن هذه المفاهيم ليست جديدة، إنما الجديد فيها هو في قوتها واتساعها، بالإضافة إلى وجودها في الكثير من الأماكن في المنطقة.

 

وأخيراً يُطرح السؤال: "ما هو الشيء الجيد بالنسبة لإسرائيل؟". وحسب رأيي المتواضع، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما يحدث من حولنا، فإن السيناريو الأمثل، أو الأقل سوءاً، من ناحية إسرائيل هو استقرار المنطقة، إلى هنا أو إلى هنا، والاستمرار لعدة سنوات على الأقل. وهذه الحمى التي تضرب المنطقة تشكل تحدياً كبيراً لكل منظومات الدولة، وبخاصة تلك المنظومات المؤتمنة على الأمن والتقييمات الاستخبارية. وبالنسبة للأخيرة ينبغي أن تتم في أي وقت وفي مكان أو سيناريو، إلا أنه في الواقع القائم، الزمان والمكان والسيناريو، يلفها الضباب.

 

بعد ست سنوات من بداية الربيع العربي أقول إنه في الوقت الذي كان فيه من الصعب معرفة وقت اندلاعه وخصائصه الأولية، فإنه من المستحيل تقريباً معرفة تاريخ وطريقة انتهائه. ومن هنا تنبع أهمية الاستمرار في المتابعة اللصيقة لاتجاهات الأحداث.


ترجمة مرعي حطيني