هكذا تقوّت إسرائيل في الشرق الأوسط

المشكلة هي أن متخذي القرارات في إسرائيل قد يقعون في "فخ" الرضا عن ذاتهم وعدم الفعل السياسي. وهنا يجب التذكير بأن الاندماج الحالي لإسرائيل في المنطقة هو، بشكل رئيسي، نتيجة للمصالح وليس نتيجة للاعتراف بها. ولذلك فإن القفزة التالية ستكون مع حل القضية الفلسطينية أو تحقيق تقدم جدي فيها.

منذ قيامها عملت إسرائيل على اختراق سوق العزلة العربية
منذ قيامها عملت إسرائيل على اختراق سوق العزلة العربية

الطريق المسدود بين إسرائيل والفلسطينيين، وزيادة قوة النفوذ الإيراني، والنشاط الإرهابي للتنظيمات الجهادية الإسلامية، وتفكيك بعض الدول العربية في أعقاب "الربيع العربي"، وزيادة قوة حزب الله وحماس - كل هذا يخلق صورة بأن إسرائيل محاطة بأعداء يتطلعون إلى تدميرها. وهذه الصورة ليست خاطئة بالمطلق، وذلك لأن هناك الكثيرين ممن لا يزالون يؤمنون بأن تدمير "الكيان الصهيوني" هو أمر ممكن، وهم يعملون بطرق مختلفة على تحقيق ذلك. إلا أن هذه الرؤية بوصفها تعكس الواقع برمته هي خطأ، حتى إن اتخاذ القرارات بما ينسجم معها هو أخطر بكثير. وعملياً فإن التحليل التاريخي يدل على أن إسرائيل قد حسنت وضعها وموقعها في الشرق الأوسط.  


منذ إقامتها، عملت إسرائيل على اختراق سور العزلة العربية. وكان أحد توجهاتها خلق تحالفات مع الأقليات في المنطقة، مثل المسيحيين والدروز والأكراد، الذين كانوا يخافون أيضاً من الأغلبية الإسلامية – السنية. وكان هناك توجه آخر أيضاً وهو خلق تحالفات مع دول غير عربية، وغير إسلامية، على أطراف (العالم العربي) مثل إيران وتركيا وأثيوبيا. وكانت المصلحة المشتركة التي تجمع بين هذه الدول رغبتها في كبح جماح الوحدة العربية التي كان يرفع لواءها الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكانت سياسية "الأطراف" هذه ناجحة أكثر، لجهة إنجازاتها، من سياسة "الأقليات"، إلا أنهما، معاً، لم تعتمدا على إقامة تحالفات مع الغالبية العربية - السنية المهيمنة في الشرق الأوسط. ولذلك، وعلى الرغم من أن إسرائيل قد اخترقت سور العزلة العربية عبر دبلوماسية خلاقة، فإنها واصلت لعب دور هامشي في المنطقة.

لقد بدأ الاختراق مع التوقيع على اتفاقية السلام مع مصر عام 1979. إلا أن حقيقة أنه قد تمت مقاطعة مصر من قبل الدول العربية، إلى جانب الطريق المسدود في الموضوع الفلسطيني، لم تفسح المجال أمام استغلال هذا الاختراق. وقد بدأ تغيير آخر أيضاً مع التوقيع على اتفاقيات أوسلو والمفاوضات مع سوريا في التسعينيات. وفتحت اتفاقيات أوسلو المجال أمام الأردن للتوقيع على اتفاق السلام عام 1994، والذي جعل منها الدولة العربية السنية الثانية التي توقع على اتفاق علني ورسمي مع إسرائيل.

حرب لبنان الثانية عام 2006 وضعت إسرائيل في معسكر واحد مع دول الإسلام السني، بما في ذلك السعودية ودول الخليج، في مواجهة التهديد المشترك الذي شكله حزب الله وإيران، والشيعة بشكل عام. ووجدت إسرائيل نفسها، للمرة الأولى، تتشاطر المصالح وتتعاون مع دول رئيسية عربية – سنية، التي تعترف بإسرائيل كلاعب رئيسي على الساحة شرق الأوسطية.

هذا التوجه آخذ في التعزز، وبخاصة في أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق والربيع العربي، الذي أدى إلى تفكك وإضعاف عدد في اللاعبين الرئيسيين (مثل مصر والعراق وسوريا). ولم تتضح الصورة بمجملها إلى الآن، إلا أن التسريبات في الصحافة العالمية تشير إلى أن إسرائيل تقيم قنوات مختلفة للحوار - بعضها علني، وغالبيتها سرية - مع مصر والأردن ودول الخليج، وربما تكون هناك دول أخرى. وبالإضافة إلى ذلك فإن إسرائيل قد وضعت لنفسها سياسة "أطراف" جديدة: الأولى شرقية وتشمل التعاون الاقتصادي والعسكري مع أذربيجان وجورجيا وكازاخستان، والثانية غربية مع رومانيا وبلغاريا واليونان وقبرص. وحتى في ما يتعلق بتركيا فإن هناك مكاناً للتفاؤل في أعقاب اتفاق المصالحة الذي وُقّع مؤخراً.

إن الصورة المنبثقة عن هذا التحليل تُظهر أن إسرائيل قد حسنت وضعها في الشرق الأوسط بشكل كبير جداً. فإذا كان التعاون في الماضي يقتصر على الأقليات أو الدول الواقعة على الأطراف (أطراف العالم العربي) فإن إسرائيل اليوم تتعاون مع النواة العربية السنية. وكنتيجة لذلك فإن هناك اليوم انسجاماً كبيراً بين الموقع الجغرافي لإسرائيل في قلب المنطقة وبين موقعها السياسي والعسكري. ويدل تحسن موقع إسرائيل في الشرق الأوسط على أن الرؤية اليهودية التقليدية القائلة "شعب يسكن لوحده" لم يعد لها ما تستند إليه.

 

وعلى ضوء قوس التهديدات، التي جرت الإشارة إليها في بداية المقال، فإنه يوجد لهذه النتيجة أهمية بالغة. والمشكلة هي أن متخذي القرارات في إسرائيل قد يقعون في "فخ" الرضا عن ذاتهم وعدم الفعل السياسي. وهنا يجب التذكير بأن الاندماج الحالي لإسرائيل في المنطقة هو، بشكل رئيسي، نتيجة للمصالح وليس نتيجة للاعتراف بها. ولذلك فإن القفزة التالية ستكون مع حل القضية الفلسطينية أو تحقيق تقدم جدي فيها. 

ترجمة: مرعي حطيني