هل يوشك الاحتلال على فقدان ورقة تينه الأخيرة؟

منذ أن تولى بنيامين نتنياهو منصبه، البؤر الاستيطانية تضاعفت وتضاعفت. وكل ذلك، كما هو الحال في أيام شارون الجيدة، بالتنسيق مع القيادة السياسية.

  • منذ أن تولى نتنياهو منصبه تضاعفت البؤر الاستيطانية

"قرار استراتيجي" هكذا صنّفت وزيرة القضاء آيليت شاكيد قرار قاضي المحكمة المركزية في القدس أرنون درئيل في 28 آب/ أغسطس القاضي بشرعنة منازل سكان نقطة استيطانية أُقيمت على أرض فلسطينية خاصة. القاضي قبِل موقف النيابة العامة للدولة، وبحسبه سرقة الأرض تمت "بحسن نية".

"بعمل مشترك ومكثف، حققنا تغييراً في سياسة ردود الدولة على المحكمة العليا"، هكذا أثنت الوزيرة على نفسها وعلى المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت.

على الرغم من رضاها، شاكيد تعلم أن المحكمة العليا يمكن أن تنقض قرار درئيل وتأمر الدولة بإعادة أرض المستوطنة إلى أصحابها. بالتأكيد وزيرة القضاء تأخذ بالحسبان ان حجة "بحسن نية" لن تليّن بالضرورة قلوب قضاة العليا في النقاش حول وجع قلوب أصحاب الأراضي.

سبب احتفال شاكيد يمكن إيجاده في ملاحظاتها بعد الحكم، التي وُجّهت على الأرجح إلى قضاة المحكمة العليا "الظلم الذي ارتُكب في إخلاء مستوطنة "عمونا" و"ناتيف هآفوت" "طريق الأجداد" يجب ألا يتكرر". "الظلم" المتمثل في إخلاء بؤرتين استيطانيتين غير قانونيتين، عمونا و"طريق الأجداد"، مسجّل باسم المحكمة العليا، المحكمة المركزية، حسب كلام شاكيد، تصحح الآن الظلم. لقد حددت المحكمة بصورة جلية ان من استوطن "بموافقة الدولة وبحسن نية لن يتم إخلاؤه".

هل هو فعلاً عن حسن نية؟ النقطة الاستطانية "متسابه كراميم" يلمع اسمها في تقرير البؤر الاستيطانية التي قدمتها المحامية تاليا ساسون إلى حكومة شارون في سنة 2005. وجاء في التقرير أن الحكومة الإسرائيلية لم تقرر أبداً إقامة المستوطنة، تماماً كما لم تقرر إنشاء عدد من المواقع الاستيطانية الإضافية.

لم يوافق وزير الأمن على إقامة متسابيه كراميم كامتداد لمستوطنة قائمة، وليس للمستوطنة خطة تفصيلية كما هو مطلوب، ويقع بعضها على أراضٍ فلسطينية خاصة. التقرير أشار إلى مستشار وزير الأمن لشؤون الاستيطان، رونن شخنر، على أنه شريك كبير في المخالفة. بعد هذا أمر المستشار القضائي للحكومة ماني مازوز (لاحقاً قاضي المحكمة العليا) وزير الأمن، بنقل شخنر من وظيفته. في كانون الثاني/ يناير 2012، تمّ تعيين شخنر المدير العام لمجلس مستوطنات الضفة.

منذ أن تولى نتنياهو منصبه، البؤر الاستيطانية تضاعفت وتضاعفت. وكل ذلك، كما هو الحال في أيام شارون الجيدة، بالتنسيق مع القيادة السياسية.

ساسون، التي كانت مسؤولة كبيرة في النيابة العامة، أكدّت في تقريرها أن موقعاً استيطانياً جزءٌ منه على الأقل هو على أراضٍ فلسطينية خاصة "لا يمكن شرعنته، ولا حتى بأثر رجعي". بعدها بتسع سنوات، في قضية عمونا، حكمت المحكمة العليا أنه من المستحيل شرعنة أبنية أُقيمت على أرضٍ خاصة، "ولا حتى بأثر رجعي". تقرير ساسون، الذي أوصى بمجموعة من الخطوات لاستعادة النظام في الغابة القانونية في المناطق الفلسطينية المحتلة، يعلوه الغبار في أدراج وزارة القضاء.

"منذ ثلاث سنوات وأنا أعمل بموازاة قانون التسوية على وسائل تسوية إدارية"، تتباهى شاكيد، "العمل المنهك أتى ثماره". إحدى وسائل التسوية هي القرار الصادر في شباط / فبراير ويقضي بنقل الصلاحية القضائية في موضوع دعاوى الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية من المحكمة العليا إلى المحكمة المركزية في القدس، هذه الوسيلة أثبتت فاعليتها في قضية متسابيه كراميم. العمل المنهك الذي قصدته شاكيد يتركز على تعيين قضاة على شاكلتها وصورة حزب البيت اليهودي.

وبينما توجّه وسائل الإعلام أضواءها إلى أعلى - إلى جلسات لجنة تعيين القضاة فيما يتعلق بتعيين قضاة المحكمة العليا – في الأسفل، تحت الرادار، تدفع شاكيد قدماً رجالاً ونساءً يبدو انهم يشاركونها رؤيتها إلى محاكم الصلح والمحاكم المركزية. من هناك، الطريق إلى المحكمة العليا أقصر. وإلى ان يصلوا إلى القصر المأمول، من المفترض بالقضاة في الأسفل إصدار حكم يوافق مطلب اليمين المحافظ.

منذ سنوات كثيرة والنظام القضائي يلعب دوراً مزدوجاً وناكراً للجميل. من جهة، إنه ورقة تين الاحتلال تجاه الخارج، ومن جهة أخرى كيس الملاكمة لقادة الاحتلال. مثال على ذلك هو قرار المحكمة في نهاية الشهر الماضي السماح لنساء فلسطينيات مصابات بالسرطان بالخروج من غزة للعلاج في القدس الشرقية. بقرارها، المحكمة العليا وفّرت على الدولة وصمة عار حكمها بالإعدام على تلك النسوة اللواتي يعانين من السرطان لكونهن من أقارب عناصر من حماس. هذا القرار المطلوب كلّف المحكمة العليا سيلاً من الشتائم واللعن. هناك ما لا يُحصى من الأحكام التي شرعنت مشروع الاستيطان ومكّنت من ازدهاره، وتُنسى في لحظة واحدة كلما انحرفت المحكمة العليا عن ثلم المستوطنين.

حكم متاسبيه كراميم وأمثاله يقرّبون اليوم الذي سيتوقف فيه الفلسطينيون ونشطاء حقوق الإنسان عن المشاركة في اللعبة القضائية المعروفة سلفاً. عدة "أحكام استراتيجية" أخرى، ونظام الاحتلال في المناطق الفلسطينية المحتلة سيفقد ما تبقّى من مظهر العدل ويصبح فصلاً عنصرياً قانوناً. حتى قوة هايتك عظمى ومجيدة غير قادرة على أكل ديمقراطيتها، وكذلك تقديم نفسها في واجهة العرض على أنها الديمقراطية الوحيدة في الحي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي الصحيفة حصراً