انتقام الخاشقجي: مقتله يهدد استقرار المملكة

هل يقبل محمد بن سلمان حكم هيئة البيعة ويتخلى عن منصب الملك؟
هل يقبل محمد بن سلمان حكم هيئة البيعة ويتخلى عن منصب الملك؟

ذكرت وكالة رويترز للأنباء، هذا الأسبوع، أن مجموعة من أوساط العائلة المالكة السعودية تخطط لاستبدال محمد بن سلمان، ابن الملك الحالي، بعمه وشقيق الملك أحمد بن عبد العزيز، البالغ من العمر 76 سنة. ومن أجل تقييم أهمية مثل هذه الخطوة المحتملة فإنه يجب على المرء أن يفهم طبيعة تركيبة الأسرة الحاكمة في السعودية وكيفية عملها.

لقد تأسست المملكة الحالية من قبل عبد العزيز آل سعود، الذي عاش بين عامي 1876 و 1953. وكان لديه أربعون زوجة، أنجبن له 45 ذكراً و 27 أنثى. وعندما توفي مؤسس المملكة عبد العزيز في عام 1953 خلفه ابنه سعود بن عبد العزيز الذي بقي في الحكم حتى عام 1964. وحكم بعده خمسة من إخوانه، بما في ذلك الملك الحالي سلمان، الذي تسلّم السلطة منذ عام 2015.

بالإجمال، يوجد لعبد العزيز حوالي 200 حفيد هم أبناء الملوك الستة، ومئات الأحفاد من أبنائه الـ 39 الذين لم يعينوا ملوكاً. لقد مات بعض الأحفاد بعد أن عاشوا سنوات طويلة، لكن معظمهم ما زالوا على قيد الحياة. ولعب العديد منهم أدواراً رئيسية في النظام الحكومي والجيش والاقتصاد وراكموا خبرة في الإدارة.

ومن بين كل هذه المجموعة الضخمة من الأحفاد، وبخاصة من بين أبناء أخوته الملوك السابقين، اختار الملك الحالي سلمان، في عام 2017، ابنه محمد ليحل محله عندما يحين الوقت، على الرغم من أن أبناء عمه أكبر منه سناً وخبرة. ومن المهم التذكير هنا أنه في البداية، في عام 2015، اختار سلمان ابن أخيه، محمد بن نايف، لولاية العهد، إلا أنه بعد عامين من ذلك غير رأيه وعين ابنه محمد.

الغضب والعار
لقد أثار اختيار الابن الصغير، وعديم التجربة لولاية العهد، غضباً شديداً بين العديد من الأحفاد، وخاصة أبناء الملوك السابقين. ففي مجتمع تقليدي في الشرق الأوسط، يحدد العمر ترتيب الأولويات في جميع النواحي: الكبار يفضَّلون على الشباب خاصة إذا كان الكبار يمتلكون خبرة ومعرفة أكثر من الشباب.

إلا أن الملك سلمان استعان "بهيئة البيعة"، وهي الهيئة التي أقامها الملك عبد الله عام 2006 لاختيار وتعيين الملوك اللاحقين. وتضم هذه الهيئة في عضويتها جميع أبناء الملك المؤسس، عبد العزيز، والملوك الستة وجميع أخوتهم، حيث يتم تمثيل كل واحد من الملوك المتوفين من قبل ابنه.

وكان نقل قرار ولي العهد إلى المجلس (هيئة البيعة) يهدف إلى الحصول على موافقة جميع أفراد العائلة الحاكمة، إلا أنه كان واضحاً للجميع أن الملك قد فرض إرادته على الهيئة عندما وافقت على استبدال الوريث وتعيين ابن سلمان، وهو الشاب الصغير الذي يفتقد الخبرة.

وبعد أن تم تعيينه وريثاً للعرش، أعلن محمد بن سلمان عن سلسلة طويلة من الخطوات لتحديث المملكة، مثل إحداث فروع اقتصادية جديدة، والصناعة، والتكنولوجيا الفائقة والسياحة، بهدف تخليصها من الاعتماد على النفط الآخذ بالنفاذ. وهو قد سمح أيضاً للنساء بقيادة السيارات والدخول إلى الملاعب لحضور المناسبات الرياضية، وحد من قوة "الشرطة الدينية" (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وقال إنه يجب على المملكة العربية السعودية أن تتبنى نسخة معتدلة من الإسلام. وبالإضافة إلى ذلك، هو يعتزم بناء مدينة جديدة وحديثة، اسمها "نيوم"، كمشروع مشترك بين السعودية والأردن ومصر. وكانت له بعض التصريحات الإيجابية عن إسرائيل.

وقد تجاهل العالم عملاً خطيراً للغاية ارتكبه محمد بن سلمان في تشرين الثاني / نوفمبر 2017، وذلك عندما قام بسجن مئات من أفراد العائلة الحاكمة في فندق ريتز كارلتون الفاخر في الرياض. حيث قام أتباعه بالتحقيق مع المعتقلين بتهمة "الفساد". وابتز بعضهم بمليارات الدولارات مقابل الإفراج عنهم.

ولا تكمن المشكلة فقط في اعتقال وابتزاز الأموال من أبناء عائلته، بل هي تكمن أولاً وقبل كل شيء في العار الذي ألحقه بهم جراء حجزهم في قاعة الفندق، حيث اضطروا للنوم على الأرض أو على الكراسي. وثمة مشكلة أخرى تتمثل في مقتل اثنين من أفراد العائلة عندما حاولوا الفرار من الاحتجاز.

ينتظرون بفارغ الصبر
في ثقافة الشرق الأوسط يتصرفون وفق آية في القرآن تقول "إن الله مع الصابرين". وهناك أيضاً مثل بدوي يقول: "البدوي ينتقم لدم أبيه بعد مرور أربعين سنة من مقتله ويقول: لقد استعجلت". وهناك قول إسلامي مشهور يقول إن "العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن".

إن أبناء عائلة آل سعود كثُر، وهم قد تم أذلالهم في فندق ريتز كارلتون، كما تم تجاوز شيوخهم لتعيين الشاب المتهوّر ولياً للعهد. وهؤلاء ينتظرون بفارغ الصبر للانتقام من محمد بن سلمان. وقد سنحت لهم الفرصة بأسرع مما كانوا يأملون، والشخص الذي منح هذه الفرصة لهم هو جمال خاشقجي المسكين.

إن عائلة الخاشقجي ليست جزءًا من العائلة المالكة، بل هي تابعة لها. حيث أظهر أبناؤها، بشكل عام، الولاء لعائلة آل سعود، ولذلك حصلوا في مقابل ذلك على مكافأة سخية على شكل عقود ضخمة. وكان عم جمال، عدنان خاشقجي، أحد أكبر أصحاب المليارات والذي صنع ثروته مستفيداً من قربه من العائلة المالكة.

وكان خاشقجي (العم) قد نجح في التقرب من العديد من الملوك ومنهم فهد وعبدالله، اللذين لم يترددا من إطلاعه على أسرارهما العميقة. وهو لم يكن يشكل تهديداً على حكمهم لأنه لم يكن من أفراد العائلة المالكة وبالتالي لم تكن لديه طموحات في السلطة. ومن ذلك على سبيل المثال، هو كان قد ساعد الملوك وأبناء عائلاتهم في معالجة العديد من المشاكل الصحية والوظيفية التي لم يكن هناك أي شخص على استعداد لفضحها أو حتى لمجرد الحديث عنها.

إلا أن قريبه جمال تمرد على نهج أسرته وتحول إلى منتقد شديد لعائلة آل سعود بشكل عام، وللملك سلمان وابنه محمد، ولي العهد، بشكل خاص. ولهذا السبب غادر المملكة وعاش في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نشر انتقاداته للحكومة السعودية في الصحافة - تحت غطاء الديمقراطية الأمريكية.

هل ثمة صدام عنيف قادم؟
لقد كان جمال بحاجة إلى أوراق طلاقه حتى يتمكن من الزواج من خطيبته التركية، وتم إغواؤه بالقدوم إلى اسطنبول لاستلام الأوراق في القنصلية السعودية. حيث قُتل هناك وقُطعت جثته وخُبئت في مكان مجهول إلى حين كتابة هذه السطور.

لقد أثار مقتل الصحفي وتقطيع جثته الصدمة في العالم. ويرفض العديد من أصدقاء السعودية زيارتها، أو الاجتماع بقادتها علناً، وبخاصة مع ولي العهد، أو توقيع اتفاقيات معها. ويعرف أبناء العائلة المالكة جيداً، حتى بدون التسجيلات والإثباتات التي كشفتها تركيا، أن محمد بن سلمان هو المسؤول عن قتل الخاشقجي، وهم يستخدمون عملية القتل كسبب للمطالبة بإقالته.

حتى الآن، كان الملك سلمان يدعم ابنه ولي العهد. وستقوم النيابة العامة في السعودية بمحاكمة 21 شخصاً يقال إنهم مسؤولون عن جريمة القتل. لكن من الواضح أن هؤلاء هم مجرد كبش فداء ستتم إدانتهم والتضحية بهم – وهناك مطالبة بإعدام خمسة منهم - لإنقاذ محمد بن سلمان.

هذا ومن المرجح جداً أن العالم لن يكون راضياً عن ذلك، خاصة إذا ما تم تقديم أدلة تثبت تورط ولي العهد شخصياً في عملية القتل. وتنتظر العائلة المالكة أن يستسلم الملك للطلب الدولي والمحلي المتزايد، أو أن تقرر هيئة البيعة، بعد وفاة الملك، استبدال محمد بن سلمان بشخص آخر – مناسب أكثر منه لجهة العمر والخبرة والسلوك، لقيادة البلاد والعائلة.

فهل يقبل محمد بن سلمان حكم هيئة البيعة ويتخلى عن منصب الملك؟ الإجابة غير واضحة، ولكن هناك بالتأكيد احتمال بأنه سيقاتل دفاعاً عن منصبه. ويمكن الافتراض أنه قام بالفعل بتنظيم تحالف من أنصار العائلة المالكة، وربما يعيد اعتقال معارضيه كما فعل قبل عام. وهناك احتمال آخر وهو أن يكون بن سلمان، بصفته وزيراً للدفاع، قد قام بالفعل بتنظيم جيش يحميه مع مؤسسات الدولة في حال تتم ترجمة الانتقادات الموجهة إليه إلى شغب وأعمال عنف يقوم بها خصومه. وفي الوضع الذي نشأ داخل المملكة، فإن الصدام العنيف بين أنصار محمد بن سلمان وخصومه هو سيناريو ممكن الحدوث.

وهكذا، ومن قبره، ينتقم جمال خاشقجي من العائلة المالكة التي يكرهها، ومن محمد بن سلمان، عدوه اللدود. الصحفي الراحل يجلس هناك في السماء، وينظر إلى أولئك الذين تسببوا بمقتله المروّع ويفرك يديه بسرور وهو يتخيل بينه وبين نفسه كيف تضرب الخلافات العائلة المالكة السعودية وتتهاوى، والمملكة كلها تغرق في مستنقع من الدماء والدموع والنار، على نحو ما يجري في اليمن والعراق وسوريا، وكلها دول كانت السعودية متورطة فيها.

وبالمناسبة، الإيرانيون ينتظرون هذا السيناريو بفارغ الصبر، وهذا الكلام فقط من أجل لفت انتباه بعض الأشخاص في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.

ترجمة: مرعي حطيني