ترامب يستعجل إعادة فتح المرافق الاقتصادية.. ضغوط السوق والمصالح

لخّصت يومية "نيويورك ريفيو" تفاقم الأزمة، اقتصاديا وصحياً، بالقول إن "أميركا لم تكن يوما مصممة لتوفير العناية لأولئك الذين يسهمون في بنائها، أو لمنحهم حقوقهم".

  • ترامب يستعجل إعادة فتح المرافق الاقتصادية.. ضغوط السوق والمصالح
    الإدارة الأميركية تستجيب لضغوط سوق المال والأعمال بضرورة استئناف الأعمال

تداعيات فيروس كورونا بدأت تتجذّر بصورة سوريالية على الداخل الأميركي، في ظل "التقصير" الرسمي وانكشاف أبعاده المخيفة. الإدارة الأميركية تستجيب لضغوط سوق المال والأعمال بضرورة استئناف الأعمال الاعتيادية وتنشيط عجلة الإنتاج، مقابل انقسام شعبي ورسمي بيّن، محوره السلامة العامة ومراعاة الالتزام بإجراءات العزل والتباعد الشخصي.

عضو فريق البيت الأبيض الصحي، الدكتور آنثوني فاوسي، حذر من ميل ولايات ومدن متعددة "للقفز على متطلبات المرحلة الأولى من الإجراءات الفيدرالية لإعاد افتتاح المرافق قبل الأوان"، وذلك بالتباين مع توجهات الإدارة الأميركية في هذا الصدد.

أكثر من نصف عدد الولايات الخمسين تجاوبت مع دعوة الرئيس ترامب لرفع إجراءات العزل، وإن تدريجياً بقرار من حاكم الولاية المعنية. بعض الولايات سمحت لقطاع التجارة بالتجزئة والفنادق والمطاعم بفتح أبوابها "مع الالتزام بتقييد العدد الأقصى للمواطنين المسموح لهم التجمهر في آن واحد."

المواطن الأميركي عبّر عن "ضيق وتذمّر" من حجر لم يشهده مطلقاً وينتهك الضوابط في العصر الحديث. من بين الإحصائيات الدّالة أفادت شركة "يوناكاست،" المعنية برصد وتحليل بيانات الهواتف النقالة، أن يوم الجمعة، 25 نيسان/أبريل، شهد 103 ملايين زيارة لمراكز التسوق، لكن بيانات المبيعات لم تتوفر على الرغم من تلقي قطاع لا بأس به من المواطنين شيكاً حكومياً مقطوعاً قيمته 1200 دولارا للفرد، لن يفي بمطالب الشعب الأميركي لإنقاذه من وطأة الجائحة.

قلّة من الولايات، أبرزها "ساوث داكوتا" لم تُصدر أو تُلزم مواطنيها بأمر الحجر المنزلي منذ بداية انتشار الفيروس، بينما سمحت سلطات ولايات أخرى باستئناف المرافق الصحية مهامها الاعتيادية، من ضمنها إجراء العمليات الجراحية.

على الطرف المقابل، في ولاية مشيغان "تسلّل مئات المتظاهرين وبعضهم مسلحون" لمقر الكونغرس المحلي، من دون ارتداء معظمهم للكمّامات الطبية، احتجاجاً على تمديد المسؤولين لحالة الطوارئ والقيود السارية لمكافحة فيروس كورونا لنهاية شهر أيار/مايو الجاري. 

أجهزة الشرطة المحلية هناك أفادت أن "كثيرين من المحتجّين هم من مؤيدي الرئيس ترامب." عضوة الكونغرس المحلي السيناتور ديانا بولانكي أوضحت أن بعض زملائها سارعوا لارتداء سترات واقية من الرصاص بعد صعود مسلحين على شرفة قاعة الاجتماعات.

عودة مرافق الاقتصاد الأميركي لنشاطاته بمعدلات أعلى من السابق لن تتم إلا بتدخل مباشر من الدولة المركزية، وفق الخبراء الاقتصاديين، الذين يشيرون إلى قرارات للرئيس ترامب يفرض بموجبها على بعض المصانع الكبرى إنتاج مواد يحتاجها الاقتصاد بصورة عاجلة مثل الأجهزة والمعدات الطبية.

استرضاءً لكبريات المؤسّسات التجارية أقدم الرئيس ترامب، بموافقة خصومه في الحزب الديموقراطي، على منحها "قروضاَ وهبات غير مقيّدة" قيمتها الأولية 500 مليار دولار، استفاد منها قطاع الطيران وصناعة السيارات والأغذية والمصارف الكبرى وآخرون. وضخّ أيضاً سيولة كبيرة في عجلة الاقتصاد لصالح مؤسسات متوسطة الحجم، لكن غالبيتها الساحقة ذهبت لجيوب كبار المستثمرين. 

يشير خبراء الاقتصاد الأميركي إلى أن تلك الوصفة، ضخ سيولة قوية، هي من سمات اقتصاد الحرب، مما قد يؤشر على نوايا المؤسسة الحاكمة في المرحلة المقبلة، ولا سيما ضد الصين وروسيا وإيران، نشهد بوادرها في تعزيز الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في المياه الإقليمية للصين وإيران.

في السياق عينه، تقف مدينة نيويورك، العاصمة الاقتصادية للبلاد، على حافة الإفلاس وتعاني عجزاَ في موازنتها يبلغ "116 مليار دولار لعام 2020، ومرشح للارتفاع لنحو 123 مليارا لعام 2021".

شريحة ذوي الدخل المحدود وما كان يعرف بالطبقة الوسطى هي المتضرّر الأكبر من عملية إغلاق الاقتصاد، التي تقلصت مداخيلها بمعدلات ملحوظة، وكانت عماد الإنتاج المدني من سلع وخدمات مختلفة. من غير المرجّح في المدى المنظور أن يحظى القطاع العريض المتضرر من الإغلاق بمساعدة مالية إضافية، على الرغم من التوسلات المتكررة للإدارة بذلك.

يشار إلى أن الإدارة الأميركية استثنت من المعونات المالية قطاعاً واسعاً من العمال الموسميين يقدر بنحو 4،5 ملايين، بعضهم لا يحمل أوراقاً ثبوتية، والسواد الأعظم تُقتطع من أجره المتدني أموال لضرائب مركبة.

لخّصت يومية "نيويورك ريفيو" تفاقم الأزمة، اقتصاديا وصحياً،  بالقول إن "أميركا لم تكن يوما مصممة لتوفير العناية لأولئك الذين يسهمون في بنائها، أو لمنحهم حقوقهم" (27 نيسان/أبريل 2020).

على الرغم من الضخ الرسمي من أموال استفادت منها المؤسسات الكبرى بالدرجة الأولى، يرفض قطاع المصارف خفض أسعار الفائدة على ديون "البطاقات الائتمانية" التي ترزح تحت كاهلها تلك الشرائح المتضرّرة، وناهز حجم ديون تلك البطاقات العائدة للأسر الأميركية مليار دولار.

الإغلاق يؤدي للكساد 

قرار عودة الاقتصاد إلى وتيرة ربما أعلى من ذي قبل مرغوب ومطلوب في آن معاً، مهدت له المؤسسة الحاكمة بتدخل الدولة مباشرة بتوفيرها السيولة المالية، لكن من دون الإشراف المباشر على القطاعات الإنتاجية لضبط سيرورتها. القرار رمى أيضاً لطمأنة اليد العاملة إلى استئناف نشاطاتها بالاستناد إلى بيانات صحية مضلّلة تفيد بالتوصل إلى لقاح يخضع للتجارب المخبرية.

تنشط الإدارة الأميركية في تجنيد شخصيات مؤثرة في المستويات كافة لدعم قرارها باستئناف النشاط الاقتصادي، في ظل ضبابية وعدم اليقين من تأثير الفيروس على مجمل الاقتصاد، توظف فيه شبكة فوكس نيوز، وبالاستناد أيضاً إلى بعض التجارب الأوروبية، السويد مثلاً التي رفعت إجراءات الحظر، وأيّدتها منظمة الصحة العالمية.

شهد شهر نيسان/أبريل المنصرم إغلاق بعض من أكبر مؤسّسات توريد اللحوم بكل أنواعها، نتيجة إصابة بعض عمّالها بالفيروس. وانعكس ذلك على أماكن التسويق التي اختفى منها بعض تلك المنتجات. المفارقة أن أسعار اللحوم المتوفرة ارتفعت منذ انتشار الفيروس، بينما انخفضت أسعار الأبقار والثروة الحيوانية لدى المزارعين، وانهارت بعض المزارع تماماً.

إحدى كبريات تلك المؤسّسات "تايسون فودز" شنت حملة إعلامية تحذر فيها من نقص الإمدادات وتضرّر شبكة التوزيع. وجاء في إعلان صحافي مدفوع الأجر "مسالخ تعبئة لحوم الخنزير والبقر والدجاج اضطرت لإغلاق أبوابها .. ستختفي ملايين الكميات (المعتادة) من شبكة التوزيع .. شبكة توريد الأغذية تنهار".

الرئيس ترامب بدوره تدخّل بتفعيل قرار رئاسي في حالات الطوارئ يلزم فيه تلك المؤسّسات إعادة فتح أبوابها خلال الأزمة، خشية مزيد من التدهور الاقتصادي وتردي السلم الاجتماعي، ودرءاً لاستيراد اللحوم من البرازيل وأستراليا لسدّ الحاجات المحلية.

تصنيفات ومهارات اليد العاملة لن تعود إلى حالها السابقة في بعض القطاعات، خاصة الخدماتية وإنتاج المواد الغذائية، من جراء تداعيات فيروس كورونا. ومن المرجّح أن تعاني تلك القطاعات من نقص في الأعداد والمهن الضرورية للمحافظة على معدلات إنتاجية مقبولة.

عانت الولايات المتحدة من نقص شديد في الأيدي العاملة في عام 1942، عقب دخولها الحرب العالمية الثانية، واضطرت لإبرام اتفاقية مع المكسيك توفر بموجبها أيدي عاملة "لمديات قصيرة برواتب متدنية" لسد النقص الكبير، واستمر العمل بها لعام 1964، "استفاد" منها نحو 4،5 ملايين عامل تعرّض معظمهم لحالات من الاضطهاد وتدني الأجور والملاحقة والتسفير، كما هو الحال في المرحلة الراهنة.

المؤسسات الإنتاجية الأميركية التي استأنفت نشاطاتها، وفازت بمعونات وهبات مالية، لم تستطع توفير بيانات مؤكدة حول حجم الأضرار التي تعرّضت لها أو المنافع العائدة عليها، أو التأكيد بأن مصدر الأضرار ناتج عن انتشار الفيروس.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى بين الدول الصناعية، مجموعة العشرين، لحجم اليد العاملة التي لجأت إلى برامج المعونة نتيجة فقدانها فرص العمل، نحو 15% وفق  البيانات المتوفرة. بالمقارنة، شهدت ألمانيا تقلصاً في عدد العمال للحصول على المعونات الرسمية، نحو 20% "(دراسة لمعهد بروكينغز، 27 نيسان/أبريل)".

وزعمت الدراسة أنه لا توجد "علاقة واضحة بين سياسة الابتعاد الشخصي وحجم الضرر الاقتصادي،" على الرغم من استنادها إلى بيانات واحصائيّات ضئيلة حين توفرها، مما سيعزز توجهات الإدارة الأميركية وأرباب كبريات الشركات الدفع باتجاه استئناف عاجل لعجلة الإنتاج الاقتصادي.

غاب عن الدراسة الإشارة إلى الدوافع المالية التي تتحكم بالقرار السياسي. عودة بعض القطاعات العمالية لوظائفها سيوفّر على الدولة الفيدرالية وصناديق التعويض عن العمل في الولايات المحلية أموالاً كبيرة سرعان ما استنفد جزء ليس بيسير من تلك الصناديق، من دون أفق واضح.

محصلة الأمر أن القوى العاملة، عمّالاً وموظّفين، ستضطر للعودة إلى ممارسة أعمالها، ولو جزئياً، من دون توفير الدولة والأجهزة المحلية المختصة ضمانات صحية، ومن يتعرض للإصابة سيتم استبداله بآخرين بصرف النظر عن تحذيرات المرجع الأعلى في طاقم البيت الأبيض من مخاطر العودة المبكرة من دون احتواء الفيروس.

الاستغلال البشع لليد العاملة قبل كورونا مستمر خلالها، وبدلا من أن يكون عيد العمال مناسبة للاحتفاء بدورها الحيوي في عجلة الحياة لكل المجتمعات، يتم تعريضها لأقصى المخاطر من دون تقديم أدنى الحقوق والمكتسبات.

 

منذر سليمان

مدير مكتب الميادين في واشنطن

إقرأ للكاتب

حرب أهلية أميركية.. السيناريو المحتمل والأدوات

البيانات الرسمية العالمية تشير إلى كثافة مرعبة لحيازة الأميركيين أسلحة فردية، بمعدل "120 قطعة...

مناظرة من دون مفاجآت تكرّس مخاوف الأميركيين من اضطراب كبير

استمرار دونالد ترامب بالتحذير من تزوير الانتخابات في حال عدم فوزه، يشكّل العنصر الأبرز في قلق...

مفاجأة أكتوبر الانتخابيَّة: إصابة ترامب بالفيروس تخلط الأوراق

أجمع المراقبون من مؤيدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعارضيه على دخول الحملات الانتخابية في...

خلفيات الصراع حول تركيبة المحكمة العليا في الولايات المتحدة

يعي الطرفان، الديموقراطي والجمهوري، بأنَّ معركة النفوذ على تركيبة المحكمة العليا، السلطة الثالثة...

تراجع شعبيَّة أميركا وتقلّص هيبتها عالمياً

مركز "بيو" لاستطلاعات الرأي يرصد زيادة "منسوب الكراهية" لسياسات الولايات المتحدة عبر العالم، وهي...

واشنطن تتأهَّب للمواجهة.. الصّين هادئة ويقظة

يضم التواجد العسكريّ الأميركيّ الضّخم في جزر غوام قبالة الفيليبين في المحيط الهادئ 3 قواعد...