كيف تحدّى إردوغان الجميع رغم واقعه الداخلي الصعب؟

السؤال الأهم: كيف استطاع إردوغان بوضعه السياسي الداخلي الهش، والواقع الاقتصادي والمالي الصعب جداً، أن يتحدى الجميع، ويتواجد عسكرياً بشكل فعال في 3 جبهات ساخنة، وفي جبهات أخرى أقل سخونة؟

  • كيف تحدّى إردوغان الجميع رغم واقعه الداخلي الصعب؟
    تحدي إردوغان الأكبر كان موجهاً للدول العربية، باعتبار أن معظم ساحات العمل التركية عربية

أعلنت تركيا وروسيا الأربعاء الماضي، وبعد اجتماع مطول في أنقرة، تأكيدهما "أن لا حل عسكرياً للأزمة في ليبيا، ولا يمكن التوصّل إلى أيّ حلّ إلا عبر عملية سياسية بقيادة الليبيين ورعايتهم، وبمساعدة الأمم المتحدة، مع الاتفاق على ضرورة الاستمرار في العمل المشترك وتشجيع الأطراف الليبية، بهدف تهيئة الظّروف من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار بشكل دائم. كما دعا الطرفان كلّ الأطراف إلى اتخاذ التدابير لضمان إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى جميع المحتاجين، مع الحديث عن إنشاء مجموعة عمل مشتركة خاصّة بليبيا". 

ذكَّرني هذا البيان المختصر بكل البيانات التي أصدرها الطرفان، الروسي والتركي، حول سوريا منذ القمة الأولى بين بوتين وإردوغان في 9 آب/أغسطس 2016، وسمحت موسكو بموجبها للجيش التركي بدخول جرابلس بعد 17 يوماً من ذلك، فسيطرت تركيا على مساحات واسعة من الشمال السوري، لتصبح اللاعب الأساسي في الساحة السورية، عبر التنسيق والتعاون والتحالف مع ما لا يقل عن 100 ألف من المسلحين المتواجدين في المنطقة، والذين أصبحوا سلاح إردوغان الأقوى ضد "كل الأعداء"، لا في سوريا فقط، بل في مجمل الساحات التي يسعى لفرض نفسه فيها، كما هو الحال في ليبيا، ولاحقاً في أماكن أخرى قد يفاجئ فيها الجميع. 

وأثبتت التطوّرات اللاحقة منذ "الاتفاق الروسي - التركي" في آب/أغسطس 2016، أن المستفيد الوحيد منها هو الرئيس إردوغان، الذي يطبق نظرية "الاستفادة من نقاط ضعف الأصدقاء وخلافات الأعداء".

وقد كتبت أكثر من مرة في هذا الموقع وأماكن أخرى عن حاجة كل من روسيا وتركيا إلى بعضهما البعض، وتحدثت دائماً عن حنكة إردوغان السياسية للاستفادة من نقاط ضعف "صديقه" بوتين، الذي أحرجه (إردوغان) في إدلب، ومنها انتقل إلى ليبيا، وتحداه عبر العلاقات العسكرية مع أوكرانيا، والآن في الصراع الأرميني - الأذربيجاني.

 كما استفاد إردوغان من نقاط الضعف داخل الاتحاد الأوروبي، إذ سعى إلى إقامة علاقات مميزة مع بريطانيا ورومانيا وبلغاريا وهنغاريا وصربيا، كما أقام علاقات متشابكة مع دول البلقان، كألبانيا والبوسنة ومقدونيا، وهي جميعاً تساعده في توتره، بل وربما مواجهاته المحتملة مع اليونان وقبرص، العضوين في الاتحاد الأوروبيّ، وخصوصاً بعد أن أثبت الاتحاد عجزه عن التصدي لمقولات تركيا وتصرفاتها، بل وحتى تحركاتها، شرق المتوسّط، حيث أرسل سفنه للبحث والتنقيب عن الغاز حول جزيرة قبرص.

وفشل الاتحاد في اتخاذ أيّ موقف عملي لعرقلة ذلك، باستثناء بعض العقوبات التي لم تؤثر في الموقف التركي عموماً. كما لم تستطع اليونان، ومعها الاتحاد الأوروبي، أن تفعل أي شيء تجاه الاتفاق التركي مع حكومة السراج في ما يتعلق بترسيم الحدود البحرية، وهو ما عرقل مشاريع مد أنابيب الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلى جزيرة كريت اليونانية، ومنها إلى اليونان، فإيطاليا وأوروبا، في الوقت الذي يعرف إردوغان أن معظم الدول الأوروبية لا تستطيع أن تفعل أي شيء ضد بلاده، لأن ما لا يقل عن 15 ألف شركة ألمانية وهولندية وفرنسية وبريطانية وإيطالية وإسبانية وغيرها، تستثمر في تركيا بما لا يقل عن تريليون دولار في مختلف القطاعات المهمة، بما فيها المصارف والبورصة. 

وجاءت تصريحات المسؤولين في فرنسا وألمانيا والنمسا، إذ عبروا عن قلقهم من نشاط تركيا الديني والاستخباراتي في هذه الدول، وفي أوروبا عموماً، لتثبت العجز السياسي داخل الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات التركية، وهو ما كان واضحاً في موقف الاتحاد، عندما هدده الرئيس إردوغان وتوعده "بفتح الأبواب وإرسال الملايين من اللاجئين السوريين وغيرهم إلى أوروبا". 

ولم يهمل الرئيس إردوغان تناقضات الحسابات الروسية - الأميركية، فاستفاد منها في شرق الفرات وسوريا عموماً، وهو الحال في العراق وليبيا التي شهدت الانتصارات التركية الأخيرة، وحققت لأنقرة تفوقاً عسكرياً وسياسياً ومعنوياً، ليس فقط في ليبيا، بل في المغرب العربي عموماً، ومن خلال العلاقات الواسعة والمتشابكة، الرسمية منها وغير الرسمية، مع قوى إسلامية في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسودان، بل وحتى دول أفريقية أخرى، ومنها الصومال، الساحة الاستراتيجية الجديدة لتركيا في مجمل تحركاتها العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية والتعليمية والنفسية في القارة الأفريقية، التي طورت أنقرة معها خلال السنوات الماضية علاقات واسعة في جميع المجالات وضد "الدول الغربية الاستعمارية". 

تحدي إردوغان الأكبر كان موجهاً للدول العربية، باعتبار أن معظم ساحات العمل التركية عربية، وتعيش تناقضاتها وصراعاتها الداخلية والعربية - العربية، كما هو الحال بشكل واضح في قطر. ولولاها، لما استطاعت أنقرة تحقيق أي من أهدافها، ليس عربياً فقط، بل إقليمياً ودولياً أيضاً، باعتبار أن الدوحة هي الممول الرئيسي والوحيد لمجمل التحركات التركية، وربما بضوء أخضر من واشنطن. 

وتملك أميركا قاعدتي السيلية والعديد في قطر، التي، وبحجمها الصغير، "تتحدى" السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وهو الموضوع الذي فيه ما يكفي من الغرابة، وكأن كل ما نراه ليس إلا مسرحية من النوع "الغبي"، فقد استنجد آل ثاني بالرئيس إردوغان الذي أرسل قواته إلى الدوحة لحمايتهم، وهم جميعاً أساساً تحت الحماية الأميركية، وقبل ذلك الوصاية البريطانية منذ مئات السنين. 

وكان هذا "التحالف" التركي - القطري بشقه العقائدي، أي الإخواني، هو الأهم في مجمل حسابات الرئيس إردوغان ومقولاته وتحركاته، وهو الذي يعتقد أن الظروف باتت مهيأة بالنسبة إليه لإحياء ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية، وأثبت ذلك في آخر قرار له، إذ قام بتحويل متحف آيا صوفيا إلى جامع، متحدياً بذلك العالم المسيحي بأكمله، باعثاً إشارات "الانتصار الديني على الصليبيين" إلى أتباعه وأنصاره الإسلاميين في العالم بأكمله، وهو يقول لهم "إنه زعيمهم الوحيد الذي يتحدث ويفعل ويتحدى باسمهم جميعاً العالم بأكمله"، وهو ما يسعى إلى إثباته من خلال سياساته في الداخل، حيث نجح، على الأقل حتى الآن، في مجمل تصرفاته على طريق أسلمة الأمة والدولة التركية، وخصوصاً بعد أن سيطر على جميع مؤسسات الدولة ومرافقها وأجهزتها، وأهمها الأمن والمخابرات والقضاء، و95% من الإعلام الحكومي والخاص، وأخيراً الجيش "مؤسس الجمهورية العلمانية". ويعرف الجميع أن إردوغان يسعى إلى التخلص منها قبل عيدها المئوي بعد 3 سنوات.

يبقى السؤال الأهم: كيف استطاع الرئيس إردوغان بوضعه السياسي الداخلي الهش، والواقع الاقتصادي والمالي الصعب جداً، أن يتحدى الجميع، ويتواجد عسكرياً بشكل فعال في 3 جبهات ساخنة، أي سوريا والعراق وليبيا، وفي جبهات أقل سخونة في قطر والصومال وأذربيجان وشرقي الأبيض المتوسط عموماً، عبر تواجده العسكري في شمال قبرص وتحركاته في المنطقة عموماً، وهو ما كان سبباً للتوتر الأخير مع اليونان، التي تعاني من الكثير من المشاكل في علاقاتها مع العدوة التاريخية التقليدية تركيا؟

ومن هذه المشاكل، الخلاف على المجالات الجوية والبحرية والجرف القاري في بحر إيجه وعلى برّه، حيث العديد من الجزر اليونانية القريبة جداً من الشواطئ التركية. يضاف إلى ذلك القضية القبرصية وحقوق الأقلية المسلمة التركية في اليونان، والتي يوليها إردوغان اهتماماً خاصاً، من دون أن يغيب عن الأذهان التواجد التركي غير العسكري في العديد من الدول العربية، ومنها اليمن ولبنان وتونس والجزائر والسودان وجيبوتي وأريتريا وغيرها من دول المنطقة، وهو ما يكلف تركيا أعباء مالية كبيرة جداً، يقال إن قطر هي الطرف الرئيسي في تحملها، كما كانت السعودية الممول الأكبر لكل المجموعات والأحزاب والفصائل الإسلامية، السياسية منها والمسلحة، والتي أوصلت المنطقة إلى ما وصلت إليه بفضل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وأمثالها، من دون أن يكون واضحاً إلى متى ستبقى موازين القوى الإقليمية والدولية لصالح الرئيس إردوغان.

وتقول المعارضة عنه في الداخل إنه بسياساته الحالية، وفي نهاية المطاف، سيقضي على الجمهورية العلمانية، ويدمر تركيا، ومعها المنطقة، وهو ما خطط له الأميركيون في مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن بعده "الربيع العربي"، اللذين كانت أنقرة اللاعب الرئيسي فيهما، فقد تحدث الغرب عن تسويق النموذج "العلماني الديموقراطي الإسلامي" التركي بعد استلام العدالة والتنمية السلطة في نهاية العام 2002، وهو يرى الآن أنه لم يبق من هذا النموذج إلا "الإسلامي"، الذي قال عنه ترامب قبل أن يصبح رئيساً إنه خطير جداً، ووعد بإعلان الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، إلا أنه تراجع عن ذلك، وسكت على تمويل قطر وتبني تركيا لهم، ما دامت هذه السياسات تخدم المشروع الأميركي في المنطقة، ليس فقط على المدى التكتيكي المنظور، بل استراتيجياً أيضاً، ما دامت لواشنطن حساباتها التقليدية التي لن تتخلى عنها خدمة للمشروع الصهيوني. 

ويعرف الجميع أن سلاح واشنطن الأكبر في ذلك هو خيانات الأنظمة العربية وتآمرها على القضية الفلسطينية وكل القضايا القومية التي نجح الرئيس إردوغان في نسفها جملةً وتفصيلاً، ليس فقط بالمقولات الإسلامية، بل بالمواقف العملية، عبر التدخل العسكري والأمني المباشر وغير المباشر والعلني والسري في جميع الدول العربية. 

واعتقد إردوغان أن الجميع في المنطقة في خدمته، وإلا فمن المستحيل لأي دولة عظمى أن تحارب في 3 جبهات ساخنة وفي العديد من الجبهات الأخرى الأقل سخونة، مهما اعتقدت أن نظرية "توازن القوى" لصالحها، وكما هو الحال بالنسبة إليه.

وستثبت السنوات القليلة القادمة إذا ما كان إردوغان سياسياً وعسكرياً محنكاً، أو أنه توهّم بذلك بعدما سعى البعض إلى توريطه ليكون في النهاية هو الضحية، ومعه المنطقة عموماً، كما هو الحال في نماذج أخرى يعرفها الجميع إقليمياً ودولياً.

 

حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

إقرأ للكاتب

"إسرائيل" لن تكتفي بالمياه.. ماذا عن الغاز والبترول؟

تتحدث المعلومات عن مشروع كبير لمد أنابيب للغاز والبترول من دول الخليج، مروراً بالأردن، إلى ميناء...

الخيانة والتآمر.. جذور جينية لدى أنظمة المنطقة

منذ وعد بلفور، تآمر أجداد الأنظمة العربية، لا على فلسطين فحسب، بل على كل القضايا الوطنية...

تركيا وإيران.. العدوّ مشترك والتناقضات كثيرة والحلّ واحد!

يقول زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي كمال كليجدار أوغلو إن السياسة التركية في المنطقة تخدم...

بعد التوتر مع اليونان.. ماذا عن ليبيا وإدلب؟

تستمر القواعد العسكرية في قبرص بالتنسيق مع واشنطن، المستفيد الأكبر من مجمل سياسات أنقرة في...

إثيوبيا وتركيا.. المياه بين المصالح والسّياسة والدين

تحدث بن غوريون في أواسط الخمسينيات عن حاجة "إسرائيل" المحاصرة بمحيطها العربي إلى ثلاث قصبات...

مؤامرات تتكرَّر والهدف واحد.. لبّ الموضوع في كل ما يحدث

القضية ليست قضية شيعة – سنة بقدر ما هي قضية الدفاع عن الحق والمبادئ والقيم والأخلاق التي تضع...