الغراب المهزوم برنار هنري ليفي يطرق أبواب "قسد"

قد يبرر التاريخ خسارتكم في الحرب أو في السياسة، ولكن لا الشعب ولا التاريخ سيغفر خسارتكم لعزة أنفسكم وعزة شعبكم.

  • الغراب المهزوم برنار هنري ليفي يطرق أبواب "قسد"
    برنار هنري ليفي في صورة مع قائد قوات قسد مظلوم عبدي نشرها على تويتر

 

صحيح أن الكرد (وسائر السوريين) خسروا الجغرافيا في عفرين ورأس العين وتل أبيض.. صحيح أن الكرد خسروا أكثر من 11 ألف شهيد وضعفهم من الشهداء الأحياء الذين تسببت الحرب لهم بإعاقات جسدية.

صحيح أن الكرد خسروا مئات الآلاف ممن هاجروا إلى أوروبا.

صحيح أن الكرد خسروا مئات الآلاف ممن هجّرهم الاحتلال التركي من أراضيهم ومنازلهم وانتشروا بين مخيماتٍ وبيوتٍ غير صالحة للسكن في أراضٍ مملوءة بحقول الألغام أو بيوت على خط الجبهة، أو هائمين على وجوههم ينتقلون من مكان إلى مكان..

صحيح أن المدنيين الكرد خسروا ملايين، إن لم نقل مليارات، الدولارات بين أراضٍ وأشجار ومعاصر ومنازل وعقارات.

ولكن الكرد في سوريا كسبوا تغريدة على "تويتر" من برنار هنري ليفي، واصفاً قائد "قسد" بالجنرال الأسطوري.

وهذا لعمري انتصارٌ ما بعده انتصار، يستوجب على سائر الشعب الكردي في المهجر أو في المخيمات، الجرحى والشهداء، المعتقلين والمعتقلات، المفقودين والمفقودات، الأحياء منهم والأموات، أن يصرخوا بأعلى أصواتهم: هربجي هربجي هربجي (تحية باللغة الكردية).

قد يتساءل سائل: لماذا تهوّل الموضوع وما الجديد؟ فتاريخ الكرد حافل بالهزائم؟

الجديد أن الكرد كانوا يخسرون المعركة السياسية ولكنهم كانوا يحافظون على احترام الآخرين لهم، يحافظون على عزة النفس التي حمتهم وحافظت على وجودهم، ولكن هذه المرة الكرد يخسرون المعارك السياسية ويخسرون عزة النفس، يكفي أن نراجع تصريحات الرئيس الأميركي ترامب عندما تحدث عن أن واشنطن كانت تدفع الأموال لقسد لقاء محاربتها داعش، يكفي أن تراجع تصريحات الرئيس ترامب عندما تحدث عن محاربة داعش ومقتل زعيمها البغدادي، وكيف استرسل بالحديث والمديح عن الكلب الأميركي!

يكفي أن تتأمل في صورة برنار هنري ليفي مع قادة "قسد"، وابدأ حواراً افتراضياً حول هذه الصورة مع أيقونات النضال الكردي من مثل سيد رضا وليلى قاسم ومظلوم دوغان، واستمع لرأيهم باهتمام وأمانة لتعرف حجم الكارثة.

فهذه الصورة تختصر حالة الفشل الأخلاقي والسياسي التي وصلت لها الأحزاب والحركات الكردية، فمن الجانب الأخلاقي اللقاء مع برنار هنري ليفي مرفوض وذلك لعدة أسباب :

1-ليفي مفكر صهيوني فرنسي داعم للحركة الصهيونية (التي يرفضها عبد الله أوجلان).

عُرف بتعصبه القوي لـ "إسرائيل" عندما يتعلق الأمر بمصالحها وأمنها، فقد رفض وصف حروبها على غزة بالإبادة، وصرح عام 2010 بأن الجيش الإسرائيلي "أكثر الجيوش أخلاقية وديمقراطية"، وفي السياق ذاته نُقل عنه قوله بخصوص الجولان السوري المحتل "إن الجولان أرض مقدسة"، في انحياز واضح لموقف الحركة الصهيونية، كما أنشأ ليفي في نهاية التسعينيات معهد لفيناس الفلسفي بالقدس المحتلة.

2-هو أحد الأدوات أو لنقل أحد المخرجين المنفذين لمشروع صراع الحضارات.

3-أحد أهم الوجوه الإعلامية المروجة لسياسات حلف الناتو (والتي تعتبر تركيا إحدى أهم الدول الأعضاء في الحلف) وبرز بشكل كبير مروجاً لسياسات الناتو منتصف تسعينيات القرن المنصرم خلال الحرب في يوغسلافيا السابقة .

4-تواجد هنري ليفي في أوستيا الجنوبية غداة الحرب الروسية الجورجية 2008 والتقى مع الرئيس الجورجي ميخائيل سكاشفيلي، وتواجد في أوكرانيا غداة ما بات يعرف بالثورات الملونة 2014 .

5-يعتبر من أكبر الداعمين للتدخل الدولي في جنوب السودان ودارفور .

6-يعتبر مهندس أو أحد عرابي ما يسمى بـ "الربيع العربي" والذي هو في حقيقته خراب ودمار عربي وإقليمي لشعوب المنطقة كافة.

7-أحد الداعمين والداعين لضرورة أن يكون هدف التدخل الدولي في ليبيا الإطاحة بحكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (القذافي الذي يعتبر أحد أبرز الزعماء الداعمين للشعب الكردي) تأملوا في ليبيا كيف تحولت من قوة اقتصادية إقليمية إلى بلد ضعيف ممزق أنهكته الحروب العبثية ونهبت خيراته الدول وآخرها تركيا عبر أحد عملائها فايز السراج، وتنقّل ليفي من ليبيا إلى جارتها مصر، التي تعتبر أقوى دولة عربية تحولت إلى دولة غير مستقرة يجري فيها استهداف مقدراتها ومؤسساتها، وأهمها المؤسسة العسكرية عبر تنظيم الإخوان المسلمين.

ومن مصر إلى سوريا حيث دعا منذ الأيام الأولى للأزمة السورية على التدخل الدولي في سوريا، مبشراً بتكرار السيناريو الليبي فيها، في جهد جماعي شكل ما بات يعرف بمثلث منظري الربيع العربي، حامله الأساسي (هنري ليفي - عزمي بشارة - يوسف القرضاوي).

إذاً من الجانب الأخلاقي لقاء قادة "قسد" مع برنار هنري ليفي مرفوض، ولكن قد يُقال لنا وما شأن الأخلاق بالسياسة، السياسة تعترف بلغة المكاسب والمصالح.

وهنا نقول إنه حتى من باب السياسة المصلحية، فلقاء قادة "قوات سوريا الديمقراطية" مع برنار هنري ليفي هو خطأ كبير، فبعد اتضاح أن مشروع هنري ليفي في سوريا بات في طريقه إلى الفشل خَفتَ نجمه وتحول إلى مجرد كرت (بطاقة) محروق كما يُقال، وبدأت العديد من الدول والشخصيات تمتنع عن لقائه، حتى إعلامياً قاطعته العديد من وسائل الإعلام ، وخير مثال على حالة الفشل والهزيمة التي تعرض لها ليفي ما جرى في شباط/فبراير 2014 عندما احتشد آلاف التونسيين في الشوارع والساحات اعتراضاً على زيارته إلى تونس، تلك المظاهرات أجبرت المنصف المرزوقي الرئيس التونسي وقتئذ على التبرؤ من دعوة ليفي إلى تونس.

حالة الفشل التي وصل لها ليفي تبرر توجهه إلى سوريا واللقاء مع قادة قوات سوريا الديمقراطية على أمل توظيف تلك اللقاءات كوسيلةٍ لإعادة تسويقه وتذكير الناس به، فإن كانت دوافع ليفي مفهومة لجهة طلب الالتقاء مع قادة قسد، ولكن غير المفهوم هي أسباب ودوافع قبول قادة قسد استقبال شخص مسيرته وأدواره أهلته بامتياز ليحصل على لقب "غراب الثورات"، فأينما حل ليفي حلّت الكوارث والخراب والدمار وبحار من الدماء .

وفي الختام أتوجه لقادة "قسد" قائلاً: أطردوا هذا الغراب المهزوم.

 قد يبرر التاريخ خسارتكم في الحرب أو في السياسة، ولكن لا الشعب ولا التاريخ سيغفر خسارتكم لعزة أنفسكم وعزة شعبكم.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ريزان حدو

كاتب وسياسي كردي سوري

إقرأ للكاتب

الحاوي إردوغان يخرج من جرابه السيناريو القبرصي

لذا بات لزاماً على كل شعوب المنطقة (وليس سوريا فقط) العمل على وضع أسس حل استراتيجي يحفظ مصالحهم...

"نبع السلام" من منظور أبو بكر البغدادي

أيّ سلام قد تجلبه عملية "نبع السلام" التركية للسوريين وللعالم أجمع إذا كانت نتيجته هروب الآلاف...

شرق الفرات.. لمَن ستُقرَع الأجراس؟

فجأة زاد التصعيد الإعلامي عن الحد المُعتاد، وأولى الدلالات جاءت من واشنطن حيث أكّدت صحيفة "وول...

الحُسين في الوجدان الكردي

الحسين عند الكرد هو رمز للمظلومية، ووالده أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب هو رمز للشجاعة...

رسالة إلى المدنيين المُقيمين في إدلب

إثر المعارك الأخيرة في ريف حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي، وتمكّن الجيش السوري من استعادة...

إرهاب مُمَنهَج وليس أخطاء فردية

نحن ثوّار ولسنا جيشاً نظامياً لذلك تحدُث بعض الأخطاء الفردية، ما سبق يُعتَبَر العبارات الأكثر...