من هو مؤسّس النيوليبرالية المتوحّشة ميلتون فريدمان؟

الجائحة التي تكشف التوحّش وهشاشة الدول الصناعية والمنظومة الدولية، تبشّر بالتفاؤل أن يكون ما بعد كورونا ليس ما كما قبله نحو معايير ومنظومة دولية أكثر إنسانية. لكن كيف تأسست منظومة التوحّش وقيَمها غير الأخلاقية التي قضت على دور الدولة الناظم للسياسات وحوّلت البيئة الكونية والأرض وما عليها من أحياء وجماد، إلى سلعة تجارية للبيع في السوق الدولية؟ فريدمان هو أحد مؤسّسي فكرها الذي لبّى مصالح الرأسمالية المالية الأميركية والنموذج الأميركي في عولمة الاقتصاد الافتراضي النيوليبرالي الوهمي، ارتكازاً إلى عولمة جيو ــ سياسية وعولمة ثقافة القيَم البربرية الشائعة باسم الحرّية الفردية من ضمن رزمة حريات السوق الدولية والرأسمال العابر للقارات والاستهلاك البذيء وفق حلم الديموقراطية الأميركية.

  • من هو مؤسّس النيوليبرالية المتوحّشة ميلتون فريدمان؟
    فريدمان هو أحد منظّري عولمة النموج الأميركي

قبل ميلتون فريدمان (1912 ــ 2006)، ظهرت نزعات نيوليبرالية صافية في الاقتصاد السياسي مع بروز الرأسمالية والثورة الصناعية في القرن الثامن عشر أشهرها مقولة "دعه يعمل دعه يمر" على لسان أدم سميث (1723 ــ 1790) في رؤيته الاقتصادية ل"ثروة الأمم" (1776). وفي القرن التاسع عشر توسّعت النزعات النيوليبرالية بين الاقتصاديين البريطانيين التي عبّر عنها الاسكتلندي جون ستيورات (1806 ــ 1973) وآخرون. ولعل الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو (1771 ــ 1823) هو الأكثر تعبيراً عما آلت إليه النيوليبرالية المتوحّشة اليوم في ترابط التوحّش بين حرية الرأسمال الكبير في السوق والتجارة الدولية، وبين ما يراه هذا الرأسمال  قيمة القيَم عن حرية الفرد القائمة على الاختيار بين ما يصنعه أشباح الأسهم المالية في سوق المنافسة ( الغذاء، السلع الاستهلاكية، الأفكار،التمثيل السياسي،....). بينما انكبّ اقتصاديو النهضة وفلاسفتها في أوروبا على حرية الفرد في القرار السياسي لتنظيم المجتمع ضماناً لحريته الشخصية والحقوق الإنسانية المكتسبَة (حق العمل والطبابة والتعليم والمأوى....) وقد يكون ريكاردو الأكثر تعبيراً عن صلة منظومة التوحّش الاقتصادية، بمعتقدات تلمودية خرافية كما هو شأن معظم الاقتصاديين النيوليبراليين اليوم. فقد نشأ ريكاردو في بيئة عقارية ومالية طفيلية كباقي الاقتصاديين النيوليبراليين الانكليز، لكنه سرعان ما تبنّى مذهب الكويكرز وهي طائفة إنجيلية ــ صهيونية كانت "طليعية" حينها. إنما الأهم في مرحلة هذه البوتقة من الاقتصاديين النيوليبراليين، أن الرأسمالية الأميركية تلقفتها بشراهة لبناء نموذجها الخاص الموصوف في "الحلم الأميركي". وبقيت خاصة بأميركا فظلّ تأثيرها محدودأ في حلقات ضيّقة بعيداً عن تلبية مصالح البرجوازية الأوروبية الصاعدة حينها، بتأثير الثورة الفرنسية والطبقة العاملة والنقابات، على أسس الديموقراطية السياسية في تداول السلطة من أجل الديمقراطية الاجتماعية التي تشترط إعاقة حرية الرأسمال الكبير في مجتمعاتها، وتقتضي في المقابل حماية رأسمالها الكبير بالغزو العسكري والايديولوجي لتوسّعه الامبريالي  في المستعمرات. فكان نموذج الديموقراطية الأوروبية قبل عولمة النيوليبرالية مختلفاً عن الديموقراطية الأميركية التي تأسست في الاستقلال عن بريطانيا من دون ديمقراطية إجتماعية، على قاعدة الحريات الفردية للمستعمرين الأوروبيين في أميركا الشمالية وعلى التوسّع الامبريالي ضد الصامدين من "الهنود الحمر" في شمال القارة وضد السكان الأصليين في جنوبها الذي حوّلته الدول الأوروبية إلى مستعمرات إسبانية وبرتغالية في معظمه.

النيوليبرالية المعولمة على حطام الكينزية الأميركية

الازدهار المالي الأميركي في الحرب العالمية بسبب انفجار سوق الأسهم لتمويل أوروبا المحطّمة في الحرب، أدّى إلى ركود بانتهاء الحرب ثم إلى ما وُصف بالكساد العظيم الذي بدأ ب"الثلاثاء العظيم" في 29 أكتوبر/ت1 عام 1929 وانهيار وول ستريت والأسواق الأوروبية. ولم يكن أمام المرشح الديمقراطي عام 1932 فرانكلين روزفلت سوى التراجع في برنامجه الانتخابي عن النموذج النيوليبرالي الأميركي من أجل الانتعاش الاقتصادي، وفق نظريات الاقتصادي البريطاني ومخطط الميزانية الانكليزية جون ماينارد كينز (1883 ــ 1946) التي تأثر بها روّاد الكينزية في أميركا بمواجهة النيوليبرالية. وقد استطاع روزفلت الذي حكم من 1933 إلى 1945 أن يتجاوز الكساد في اعتماده على اقتصاد مختلط موجّه في الحدّ من حرية السوق والرأسمال والتجارة، وفي إشراف الدولة على الزراعة والصناعة والخدمات الصحية والاستثمار في البنية التحتية الذي أدّى إلى مشروع ماريشال في إعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. لكن روزفلت نفسه تجاوز النموذج الأميركي في ظروف استثنائية اضطرارية غريبة عن الأسس الأميركية ففرضت بشكل اصطناعي مؤقت ما سماه روزفلت صفقة جديدة (نيو ديل) عابرة. وما أن عاد النموذج الأميركي إلى سابق عهده مع ازدهار الأسواق المالية الأميركية على وطأة دمار أوروبا في الحرب العالمية الثانية، عاد روزفلت إلى منظومة الاقتصاد الحر لضخّ الموارد العالمية في الاقتصاد الأميركي ففرض في الاتفاق الأميركي ــ البريطاني عام 1941 العودة إلى التجارة الحرّة والاستثمار المالي في سوق الأسهم والبنوك الأميركية.

فريدمان هو أحد منظّري عولمة النموج الأميركي في تأسيس مدرسة شيكاغو الاقتصادية مع زميله جورج ستيغلر نقيض جوزيف ستيغلز صاحب جائزة نوبل عام 2001 وكتاب "خيبات العولمة، 2002). فكان لمدرسة شيكاغو طول باع في إعداد الخبراء وكبار المستشارين الذين اعتمدت عليهم سياسات ريغان وتاتشر في الثمانيات بزرعهم في أوروبا الشرقية وفي الاتحاد الأوروبي وإدارات الدول والمؤسسات الدولية. فمنذ طلعته لبّى ميلتون فريدمان مصالح وطموحات الرأسمال المالي والشركات الكبرى في الاقتصاد الافتراضي، متصدّياً للكنزية والمدارس الاقتصادية الأوروبية ومنافحاً عن النيوليبرالية بصفتها خير البشرية جمعاء. ففي كتابه "الرأسمالية والحرية، منشورات جامعة شيكاغو، 1962" يعبّر عن جموح الرأسمال المالي وحاجة النقد الاحتياط المتراكم  إلى المزيد من التوسّع في حرّية الاستثمار وتحرّر الدولار من تغطية الذهب الذي أقرّه ريتشارد نيكسون عام 1971. وفي هذا السياق يرى فريدمان أن حرية الرأسمال في الاستثمار وحرية السوق هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحرّيات السياسية والاقتصادية، حين يقتصر دور الدولة على دعم الحريات في اقتصاد السوق بالقوانين والتشريعات. فما يسميه فريدمان والنيوليبراليون حرية سياسية هي حرية الأفراد في الاختيار لإشباع الحاجات من السلع في سوق التنافس بما في ذلك سلع الطبابة والتعليم والمأوى والعمل وحتى الانجاب والعائلة... وكذلك حرّيتهم في استهلاك الأفكار وحرّية "قولوا ما تشاؤون ونفعل ما نشاء". فالنيوليبرالية لا ترى احتياجات سياسية سوى نفسها لتحقيق ما تصبو إليه خدمة لوجه الله، كما قال الجنرال بينوشية أن هدفه هو "أمة من رجال الأعمال وليس أمة من البروليتاريين". ولا ترى النيوليبرالية فئات اجتماعية متباينة المصالح والطموحات أو مجتمعات ملتحمة في مصلحة وطنية جامعة، بل ترى أفرداً مؤهلين بطبيعتهم للترقي والرفاهية وأفراداً غير مؤهلين كما تقول مارغريت تاتشر عن قول أستاذها إيفون هايك الذي أعادت إحياؤه تاتشر للثورة الملوّنة في بولندا وأوروبا الشرقية.

في سبيل تلبية طموحات الرأسمال المالي والاقتصاد الافتراضي، يتميّز ميلتون فريدمان بتقديس العملة في تأسيس تيار العملة بكتابه "تحليل الاستهلاك، السياسة والاستقرار" الذي منحه جائزة نوبل عام 1976 لتأثيره في الدفاع عن ضرورة البطالة المتلازمة بالرفاهية والازدهار الاقتصادي بمقدار تراكم حجم وكمّية العملة. وعليه يكاد يندثر النظر في الاقتصاد السياسي الذي يعبّر عن سياسات اقتصادية ومدارس اقتصادية متباينة حيث باتت العملة ومنظومة الاقتصاد الافتراضي المعولَم هي الاقتصاد المطلق بالألف واللام وما عداه رواسب من الماضي الغابر. ولم يكتفِ فريدمان بتأسيس نظريات العولمة النيوليبرالية لمصلحة الشركات الكبرى وأسواق الأسهم، فاتخذ بنفسه إجراءات عملية بالصلة مع الاستخبارات الأميركية للإطاحة بالرئيس سلفادور ألليندي على طريق عولمة النيوليبرالية بدءاً من تشيلي وأميركا اللاتينية. ففي أثناء انتخاب ألليندي عام 1970، قرّرت إدارة نيكسون خطة ألف لمنعه من تسلّم الحكم بذريعة "عدم نزاهة الانتخابات" وخطة باء في الانقلاب عسكري كما كان دأبها وما يجري اليوم لإطاحة الرئيس مادورو في فنزويلا وما جرى لإطاحة رئيسة البرازيل روسيف ديلما وإطاحة رئيس بوليفيا أيفو موراليس. فقد وضعت "لجنة الأربعين" برئاسة هنري كيسنجر الخطة المزدوجة بحسب الوثائق التي رفع عنها السرّية بيل كلينتون وتكفّل بإعداد الانقلاب مدير الاستخبارات الأميركية ريتشارد هيلمز بعد فشل ألف. وفي هذا الإطار أسرّ هيلمز إلى ميلتون فريدمان أن نيكسون أمره "إجعل الاقتصاد يصرخ". فما يسميه ترامب "أقسى العقوبات على إيران" هو تقليد أميركي تتشرّبه أجهزة الإدارة والاستخبارات مع الحليب.

الفرصة التي أتاحتها الاستخبارات الأميركية إلى ميلتون فريدمان أثناء الاعداد للانقلاب العسكري في تشيلي، جعلها فريدمان طريق عبور إلى عولمة النيوليبرالية إثر سقوط ألليندي عام 1973. فذهب مع فريقه في جامعة تكساس إلى قصر بينوشيه لتعزيز سيطرة الشركات الأميركية على النحاس والمواد الأولية وتفكيك التأميم وقطاع الخدمات الصحية والاجتماعية بحسب تخطيط مفصّل مسبق سماه عقيدة الصدمة. وهي ما بحثت آثارها المدمّرة الخبيرة الكندية نعومي كلاين في كتابها المدروس بدقّة "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث". ولم يستطع فريدمان تبرير آثار التوحّش في التدمير والتخريب الممنهج لكنه يستخلص مما سماه "معجزة تشيلي" أن الأعمال التي قام بها في تشيلي "تؤدي بالأسواق الحرّة للعمل على تحقيق مجتمع حر". وعلى الرغم من انتقاله في مطلع الثمانيات إلى مستشار لريغان وتاتشر في فريق موحّد، سلّم الراية إلى إيفون هايك وجيل مدرسة شيكاغو الذي اتجه بدعم من إدارة البلدين وأجهزة الاستخبارات، إلى عولمة النيوليبرالية عبر أوروبا الشرقية والمؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي الأمر الذي يحتاج بحثاً آخراً في الموجة الثانية من عولمة التوحّش. لكن إذا كان البحث عما يكشفه كورونا في منظومة التوحّش، من الحريّ بحث ما أسّسته منظومة التوحّش في السياسات والمقاصد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
قاسم عزالدين

كاتب لبناني في الميادين نت وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

إقرأ للكاتب

ما هي مدرسة "الميادين" في عيدها الثامن؟

انطلاقاً من فكرة مشروع إعلاميّ طموح، لم تختم "الميادين" العقد الأول بعد على طريق إرساء أسس ثابتة...

ما هي دلالات انفجار العنصريَّة في أميركا؟

 مقتل الأميركي الأفريقي جورج فلويد هو الشرارة التي تحرق الغطاء عن صورة أميركا العميقة، لكنه ربما...

كيف بنى ريغان- تاتشر العولمة النيوليبرالية؟

أزمة كورونا العالمية تكشف نذراً من توحّش العولمة النيوليبرالية، ولا يزال الكشف عن نتائجها...

التطبيع مع "إسرائيل" هو طبع أم تطبُّع؟

الحكّام والمسؤولون العرب الموصوفون بالتطبيع مع "إسرائيل"، يقيمون تحالفاً من موقع تبعية العبد...

السعودية تحت ضغط ترامب إلى أين؟

تخفيف الحماية الأميركية وابتزاز ترامب لسحب الأموال، هما في سياق توجه الإدارة الأميركية ضد الصين...

ما هي أسباب "الكساد العظيم" ودلالته بعد كورونا؟

التوقّعات الاقتصادية والجيوسياسية لما بعد كورونا، تُقارب أزمة "الكساد العظيم" التي مهّدت طريق...