التطبيع مع "إسرائيل" هو طبع أم تطبُّع؟

الحكّام والمسؤولون العرب الموصوفون بالتطبيع مع "إسرائيل"، يقيمون تحالفاً من موقع تبعية العبد للسيّد، لكن ما يقدّمونه من تبريرات يدلّ على طبائع بدائية غريزية.

  • التطبيع مع "إسرائيل" هو طبع أم تطبُّع؟
     المعتقدات الصهيونية وحدها من بين كل المعتقدات الدينية وغير الدينية، تعتقد أن يهود ما قبل التاريخ هم سلالة إسرائيل.

 قد يكون من غير المُستغرَب تطبيع بعض العرب والمسلمين مع "دولة" الاحتلال الإسرائيلي، وإن كانت موجة التطبيع ناتئة، فقبائل الزولو في أفريقيا الجنوبية دافعت عن "الأبارتايد" ودولة العنصرية البيضاء ضد حقوق الشعوب الأفريقية وطموحاتها.

وحين نشبت الثورات السمراء ضد العبودية والرقّ، حارب خدّام القصور والبيوت من ذوي البشرة السمراء، تحت إمرة معلّميهم من العرق الأبيض، ضد المستعبَدين في أعمال الحقول والزراعة.

طبائع الزولو وخدّام البيوت شغلَت العديد من الباحثين، في محاولة لتفسير الأسباب "النفسية" التي تدعو بعض المستعبَدين إلى المحاربة من أجل العبودية، لكن مثل هذه الظواهر الفاقعة لا تغيّر مجرى التاريخ والفطرة الإنسانية في سبيل التحرّر.

ولم يستطع الأفارقة، ومن ضمنهم بعض الزعماء الفاسدين والمرتشين، الاعتراف "بالأبارتايد"، لأن البعض قد تدفعه غريزته الحيوانية في الخفاء إلى المشي في الشوارع عارياً، لكن بعض الحياء مما هو غير مألوف، يغلب على المجاهرة بالغريزة الحيوانية.

بعض المطبّعين اليوم من الزعماء العرب لا يغيّرون جلدهم في التحالف الخفي والعلني مع "إسرائيل"، فهم مطبّعون ومتحالفون قدماء بالطبع قبل التطبّع، لكنهم كانوا مطبّعين ومتحالفين وفق الظروف وبالحدود التي تخدم "إسرائيل".

ومن بين ما يخدمها هو المحافظة في الوقت نفسه على "كعب أخيل" بين الجماهير العربية والإسلامية وقتها، حين كانت المجاهرة بالتعرية فضيحة "بجلاجل"، بحسب المثل الشعبي المصري.

الدليل على أنّ التحالف طبع قبل التطبّع، هو الموجة المتلاطمة في التكيّف السريع مع المعتقدات الصهيونية التي تشير إلى أن طبائع المطبّعين تجلّ معتقدات الأسياد منذ البداية، وأنها غير مستجدّة بجهود "الإعداد والتأهيل" التي لم تكن كافية في الوقت ولا في التلقين لكي تصبح صورة "إسلامية أو عربية" طبق الأصل عن معتقدات خرافية لا يسهل ترديدها بمهارة المطبّعين.

المعتقدات الصهيونية وحدها من بين كل المعتقدات الأخرى الدينية وغير الدينية تروّج لخرافات:
أــ اليهود هم أولاد عمومتنا. لا بأس بالأقارب والأبعدين، فالجنس البشري إخوان وأخوات، لكن المعتقدات الصهيونية وحدها من بين كل المعتقدات الأخرى تروّج لأن "دولة إسرائيل" هي "مملكة اليهود" من كل الأعراق السامية والآرية.... ومن كل الإثنيات والقارات والبلدان.

 المعتقدات الصهيونية وحدها من بين كل المعتقدات الدينية وغير الدينية في العالم القديم والحديث، تعتقد أن يهود ما قبل التاريخ هم سلالة إسرائيل، وأن ربّنا خلقها وكسر القالب، فما ينطبق على كلّ الشعوب والدول والجماعات البشرية على مرّ العصور من تمازج وتلاقح واندثار.... لا ينطبق على "إسرائيل"، فهي وحدها تحظى "بحقّ الاستثناء" عن مجرى الحضارات والتاريخ.

المؤيدون للصهيونية والداعمون لـ"إسرائيل" في الدول الغربية وفي كل مكان، لا ينصهرون مع هذه المعتقدات الصهيونية كما ينصهر المطبّعون العرب، من أجل حفظ ماء الوجه. وقد تكون الصهيونية المسيحية هي الأقرب إلى المعتقدات الصهيونية، لكنها تتمايز عن المطبّعين العرب بأنها تدعم "إسرائيل" لتسريع عودة المسيح من أجل القضاء على "دولة إسرائيل"، بينما يتحالف المطبّعون العرب مع "دولة إسرائيل" لخدمتها في القضاء على فلسطين.

ب ــ السياسة الصهيونية أرست مقولة "الاعتراف بالهولوكست"، بأنها الجريمة الوحيدة ضد الإنسانية التي لا تنطبق عليها معايير الجرائم الأخرى ضد الإنسانية سابقاً ولاحقاً. الهدف من وراء هذه السياسة هو ابتزاز الدول الغربية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، للتعويض عن جرائم النازية في دعم "إسرائيل".

الاعتراف بالهولوكست، بحسب السياسة الصهيونية، هو فرض الاعتراف بأن الدول الغربية وغير الغربية لا يسعها حماية مواطنيها اليهود من معاداة السامية، وأن "إسرائيل" وحدها تحمي كل مواطني اليهود في دول العالم.
حديث المطبّعين العرب عن الاعتراف بالهولوكوست، هو في سياق السياسة الصهيونية في الدول الغربية، أي التعويض على "إسرائيل" عن اليهود العرب. هذا الأمر تحضّره "إسرائيل" منذ زمن طويل، لكن الاعتراف "العربي" بالهولوكوست، يضعه على السكّة في طريق مفتوح، وقد تطلب "إسرائيل" من الخليج تعويضاً يفوق تعويض ترامب عن حماية الخليج.

التحالف مع "إسرائيل" هو من أجل الحماية من خوف الطبع البدائي في خضوع العبد للسيّد، فـ"إسرائيل" قادرة على تسويق هذه الورقة بمهارة لافتة، لترويج قدرتها على الحماية من الخوف مقابل ثمن باهظ، وهي تدرك أن المطبّعين لا يقدّمون ولا يؤخّرون في مجرى التاريخ من أجل التحرر. وربما ورد إلى مسامعها في التاريخ العربي القديم، حين خرج أحدهم من الإسلام، أنه ما زاد حنّون في الإسلام خردلة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
قاسم عزالدين

كاتب لبناني في الميادين نت وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

إقرأ للكاتب

ما هي أهداف المنظمات "غير الحكومية" في لبنان؟

نشاط المنظمات "غير الحكومية" المحموم، يقوم على إيهام الغاضبين من الفساد والانهيار، بأنها مستقلة...

ما هي بيروت التي دمّرها توحّش الأمس واليوم؟

إصابة قلب لبنان في فاجعة المرفأ، هو في سياق تدمير سابق ممنهج نفّذته سياسة "إعادة الإعمار". لكنه...

هل يذهب لبنان إلى "اتفاقية باريس" بدلاً من الطائف؟

انفجار حكومة حسّان دياب، على وقع نكبة بيروت، يدلّ على موت اتفاقية الطائف التي أدّت إلى الاهتراء...

لماذا يسعى ماكرون إلى التقرّب من حزب الله؟

الرئيس الفرنسي الذي يتعهّد بالعمل على وقف الانهيار والانفجار في لبنان، يبدو أنه يعبّر عن منحى...

المقاومة الاجتماعيَّة والتوجّه شرقاً.. لماذا؟

إعلان الأمين العام لحزب الله المقاومة الاجتماعية هو رؤية سياسية عمليّة لدبّ الحياة في مستنقع...

ما هي مدرسة "الميادين" في عيدها الثامن؟

انطلاقاً من فكرة مشروع إعلاميّ طموح، لم تختم "الميادين" العقد الأول بعد على طريق إرساء أسس ثابتة...