البناية رقم 6221.. الوحشية الأميركية والصورة من الأعلى

ثمة صورة موسعة لطبيعة الدولة الأميركية لا بد من رؤيتها من الأعلى، أعلى من المسافة اللازمة لتفجير البناية 6221.

  • البناية رقم 6221.. الوحشية الأميركية والصورة من الأعلى
    "ثمة صورة موسعة لطبيعة الدولة الأميركية لا بد من رؤيتها من الأعلى"

في العام 1972م، وكواحدة من الحركات السياسية والاجتماعية في صفوف الأميركيين الأفارقة، نشأت حركة جديدة، متناقضة مع الفضاء السياسي والاجتماعي للمجتمع الأميركي، أسمت نفسها "الحركة"، وكان اختيار الاسم لغايات الدلالة على السمة الأكثر وضوحاً للحياة: "الحركة".

 ومع اشتراكها مع باقي الحركات في المطالبة بالعدالة، وإطلاق سراح الأفارقة المعتقلين، إلا أنها تبنّت إيديولوجيا استثنائية تميزها عن باقي الحركات الناشئة بين أصحاب البشرة السمراء، فهي تعارض نمط العيش الأميركي بكلية شاملة، من المخدرات والسجائر، إلى الجريمة والميول الانتحارية، وتعتبر أن أنماط العيش هذه، إنما هي ثمرة سياسات النظام في أميركا.

تبنّت "الحركة" مبادئ معادية للتلوث الصناعي والحلول التكنولوجية الحديثة، وتقاطعت في ذلك مع أكثر الحركات البيئية راديكالية في طرحها.

لم تتأمل "الحركة" في حلول الإصلاح للنظام السياسي، وقررت أن تبني نظامها الخاص، كنموذج للعيش على الضفة الأخرى، وطبقت هذا النموذج في البناية 6221، غرب فيلادلفيا، حيث يعيش أعضاء الحركة في قطيعة عن نظام الدولة الأميركية، ابتداءً من نمط الغذاء، إلى التعلم، إلى حماية البيئة والرفق بالحيوان، إلى إسقاط اسم العائلة لصالح اسم مشترك يضم جميع أعضاء الحركة "أفريكا".

لم تكن البناية 6221 مقراً لعمليات عنفية، ولم تكن نقطة انطلاق لعمليات مسلّحة. لقد كانت النموذج الذي يخشاه البيت الأبيض ومجمع الشركات، في نمط أبعد ما يكون عن مواصفات "المستهلك الجيد".

في الثالث عشر من أيار/مايو 1985م، هاجمت الشرطة الأميركية البناية، واشتركت الطائرات المروحية في عملية تفجيرها، لتقتل 11 شخصاً، من بينهم 5 أطفال. طال الحريق 65 منزلاً في محيط الحي الأفريقي. وبحسب تقرير الشرطة الأميركية، فرغت 10 آلاف رصاصة خلال 90 دقيقة. 

في مساءلة صورية لمنفّذي العملية، يدافع عناصر الشرطة عن خطتهم بأن تفجير سطح المبنى كان سيحافظ على الأرواح، ولا أحد يدري كيف! تماماً كما لا يعرف أحد كيف يمكن لتشديد الخناق على فلويد أن ينجيه من الموت. تروي رامونا أفريكا، التي أصيبت بحروق من الدرجة الثانية في تلك الحادثة، أن الشخص الوحيد الذي سجن بعد نهاية العملية كانت هي، ولمدة 7 سنوات!

ثمة صورة موسعة لطبيعة الدولة الأميركية لا بد من رؤيتها من الأعلى، أعلى من المسافة اللازمة لتفجير البناية 6221، وأعلى من المسافة اللازمة لسماع صوت الأنفاس المحبوسة في صدر جورج فلويد، فصورة ضغط زر التفجير في الطائرة المروحية في العام 1985م وصورة الشرطي القاتل لفلويد، هي صورة الدولة الأميركية نفسها. إنها المثال العياني والملموس.

 إن الوحشية الأميركية بشقّيها، العنصري والرأسمالي الربحي الشرس، تسير في خطى موحّدة، عنوانها محاولة ضرب كل من يخرج عن قواعد النظام الذي رسمته، فهي لا ترى في الأفارقة في أميركا إلا استمراراً لحقبة العبودية، وتخصّص لهم أماكن محددة يمنع الخروج منها: المهن الرخيصة والسجون، وترى أن على الدول التي تنمو بشكل مستقل (إيران وروسيا وسوريا وفنزويلا) مواجهة العقوبات، وأن على مقاومي الوحشية الأميركية في العالم (حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن) أن يواجهوا دعاية الإرهاب في المجتمع الدولي.

 إن الكلاب التي تنهش لحم الأفارقة في مدن الولايات المتحدة الأميركية، هي ذاتها التي نهشت لحم العراقيين في سجن أبو غريب وغيره من المعتقلات، وذهنية تفجير البناية 6221، هي الذهنية ذاتها التي فجّرت أبنية بغداد؛ ذهنية محاولة التركيع.

يتندّر الكثير من متابعي الأحداث في أميركا على درجة البطش الأمني، وعلى سلوك الشرطة الأميركية التي لا تتوانى عن ضرب الصحافيين لمنعهم من التصوير، ولكن ثمة ما قيل عن أميركا؛ أميركا الحقيقية التي يجهلها الكثيرون، في أدبيات وليم فوكنر "الصخب والعنف"، ومايكل غولد "يهود بلا مال"، وجون ستاينبك "عناقيد الغضب". 

في أميركا، الذهب لا يترامى في الشوارع، تماماً كما أوهام الرخاء الاقتصادي. في أميركا، الأمان لا يرافقك خلف باب بيتك في بلد مهووس بالعنف.

 لا أرض للأحلام في أميركا. أعيدوا مشاهدة الفيديو المؤلم لوفاة فلويد، وتعرّفوا إلى صورتها الحقيقية، من دون أقنعة هذه المرة. إنها قلب الإمبراطورية المتوحشة، التي يكون فيها القتل والعنصرية مكونات عضوية غير قابلة للتحلّل.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد فرج

كاتب وباحث أردني، صدر له "الرأسمالية وأنماط الهيمنة الجديدة"، "مخاطر التمويل الأجنبي - المراكز والمنظمات (غير الحكومية)"، جزر السياسة المعزولة.

إقرأ للكاتب

من يخشى نهاية البنوك؟

تجد البنوك نفسها في مواجهة طموحات شاب مثل مارك زوكربيرغ في رؤية فايسبوك يوماً بمثابة بنك مركزي...

سد النهضة.. من خدمة الأمركة إلى خدمة التطبيع

"إسرائيل" حاضرة في دول حوض النيل من خلال الاقتصاد والاستثمار ودعم عدد من القبائل.

رحلة التّطبيع في الاقتصاد الإماراتيّ

ثمة زاوية يُقرأ منها اقتصاد الإمارات، ترتبط تماماً بسياسة التطبيع، وربما تكشف لنا استقراءات حول...

الجائزة الاستراتيجية التي يبحث عنها الأتراك في ليبيا

توظيف نظرية اقتصاد الكوارث يبدو فعالاً بالنسبة إلى أنقرة، كي ينتعش اقتصادها على رماد الدمار في...

كسر الدّولار.. إنّها معركة ثقافيّة أيضاً!

فرض الدّولار الأميركيّ نمطاً واحداً من الحياة، لا في المجتمع الأميركي فحسب، وإنما أيضاً في كلّ...

لعبة الورق الأميركية في سوريا ولبنان

يستحق الأمر أن نفرد مساحة مخصصة للدولار في جانب الثقافة ولكننا هنا سنخصص المساحة لعالم الاقتصاد...