ضمّ الضفّة الغربيّة: أين أصوات مسيحيي المشرق؟

بات من المنطقي أن يهبّ المسيحيون - كتّاباً ومفكّرين وسياسيين - للدفاع عن فلسطين والقدس في مواجهة أساطير توراتية غربية تكرّس النظرة الصهيونية لفلسطين وتباركها.

  • ضمّ الضفّة الغربيّة: أين أصوات مسيحيي المشرق؟
    تلقى نتنياهو الضّوء الأخضر من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب

كشفت القناة العبريّة "12" عن وثيقة سريّة جرى بحثها من قبل أجهزة الأمن الإسرائيليّة، حول كيفيّة التعاطي مع استعدادات ضمّ أجزاء من الضفة الغربية، الّذي من المقرّر أن يقوم به نتنياهو في الأول من شهر تموز/يوليو المقبل. 

وعلى الرغم من التحذيرات المتعدّدة من خطورة القيام بعملية الضم، فإنَّ من المرجّح أن يقوم نتنياهو بهذه الخطوة، لأسباب عدّة أهمها: 

أولاً: لأنَّ الأصوات العربية والدولية المعارضة عاجزة عن اتخاذ أيّ موقف مؤثّر أو موجع للإسرائيليين، وخصوصاً بعد تجربة إعلان القدس عاصمة لـ"إسرائيل".

ثانياً: الضّوء الأخضر الذي يتلقّاه نتنياهو من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لذا، فإنه يخشى أن يفقد هذا الدعم المفتوح لقضم الأراضي في حال خسر ترامب الانتخابات في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ثالثاً: استعجال ترامب قيام نتنياهو بالضمّ وتوسيع الأراضي الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات الأميركية، وذلك لكي "يبيع" هذه القضية للكنائس الإنجيلية الأميركية مقابل أصوات انتخابية، لإيمان هؤلاء بأن قيام "إسرائيل" الكبرى سيسهم في عودة المسيح مرة ثانية.

وهنا، ولأنَّ الموضوع يأخذ أحياناً عنواناً مسيحياً غربياً داعماً لما تقوم به "إسرائيل" بحقّ الفلسطينيين والقدس، لا بدَّ من إعادة توجيه شامل لمسيحيي المشرق لرفع الصوت، وهم الذين كانوا السباقين في لفت النظر إلى قضية فلسطين وأهمية الحفاظ على القدس والتصدّي لمؤامرة تهويدها.

وعلى الرغم من كلّ ما حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية من تعامل بعض المسيحيين مع "إسرائيل"، فلا شكّ في أنَّ من المفيد التذكير بالمواقف المسيحية المشرّفة حيال القضية، ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، ميشال شيحا، الذي دافع عن القضية الفلسطينية من منطلق الدفاع عن لبنان، واعتبر أنَّ "إسرائيل سوبر دولة" تدعمها قوى عالميّة كبرى، ولا يمكن أن تكون إلا دولة توسّعية، وأنّ نموّها سيتم على حساب جيرانها، مؤكداً أنّ الصّراع بين "إسرائيل" والعرب، وفي مقدمتهم لبنان، هو صراع وجود وحدود معاً. 

ويمكن أن نضيف الدبلوماسي اللبناني شارل مالك، الّذي اعتبر في العام 1949 أنَّ مرحلة إعلان "دولة إسرائيل" توطئة للمرحلة التكميلية التالية التي تهدف إلى استعمار العالم العربي واستعباده. 

نذكر هذين المثالين، على الرغم من وجود العديد من الوجوه المسيحيّة المدنيّة والدينيّة البارزة الرافضة للاحتلال، لنقول إنه – حتى – أعتى عتاة دعاة "القومية اللبنانية" والانتماء المسيحي، أدركوا مبكراً خطورة المشروع التوسعي الإسرائيلي على المنطقة برمّتها، وعلى لبنان بشكل خاصّ.

وعليه، بات من المنطقي أن يهبّ المسيحيون - كتّاباً ومفكّرين وسياسيين - للدفاع عن فلسطين والقدس في مواجهة أساطير توراتية غربية تكرّس النظرة الصهيونية لفلسطين وتباركها. 

لا يمكن لمسيحيي المشرق الوقوف مكتوفي الأيدي تجاه ما يروّج من ذرائع ومبررات لتهويد القدس وإنهاء القضية الفلسطينية، وهذا يتطلَّب اقتناعاً لدى المسيحيين المشرقيين بأنَّ الضعف ليس سمة دائمة، وليس موروثاً جينياً، وأن القوة تُكتسب اكتساباً عندما يتوافر مشروع فكري مقاوم وتتوافر الدوافع الأولى للتحريك. وعندها، يدركون أنَّ القوة نسبيّة واحتمالية، وعناصرها تختلف من جهة إلى أخرى، وبين واقع وآخر، وهم يملكون هذه القوّة.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

التحرّش الإسرائيليّ بلبنان: جسّ نبض للتصعيد؟

إنَّ محاولة جسّ النبض الإسرائيلية للداخل اللبناني أبرزت أن لبنان لن ينقسم على ذاته في أي حرب مقبلة.

الاستفزاز الأميركي للطائرة الإيرانية: مقاربة قانونية وسياسية

الاستفزاز بحدّ ذاته يطرح علامات استفهام كبرى حول المدى الذي يمكن للأميركيين أن يذهبوا به في...

عقوبات ترامب: مؤشّر ضعف لا قوة

لم يستطع ترامب أن يُخضع الدّول التي فرض عليها العقوبات، فلم يتغيّر سلوكها الدّولي، ولم يستطع...

هل يطبّق لبنان مبدأ الحياد؟

لا يبدو لبنان قادراً على تطبيق فكرة الحياد التي تنظّر لها بعض القوى السياسية لأسباب موضوعية...

الاستراتيجيَّة الأوروبيّة.. بين ماكرون الهجوميّ وميركل المتردّدة

تتباين فرنسا وألمانيا في نظرتها إلى مستقبل الاتحاد وعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما...

ضمّ الضفّة: كيف يطوّع الأوروبيون قوانينهم لصالح "إسرائيل"؟

بما أنّ الاتحاد الأوروبي ينطلق من المبادئ الدولية نفسها لتجريم ضم روسيا إلى القرم، فقد كان من...