التحرّش الإسرائيليّ بلبنان: جسّ نبض للتصعيد؟

إنَّ محاولة جسّ النبض الإسرائيلية للداخل اللبناني أبرزت أن لبنان لن ينقسم على ذاته في أي حرب مقبلة.

  • التحرّش الإسرائيليّ بلبنان: جسّ نبض للتصعيد؟
    التحرّش الإسرائيليّ بلبنان: جسّ نبض للتصعيد؟

تخيّم أجواء التوتر على المناطق الحدودية اللبنانية مع فلسطين المحتلة منذ "الحادث الأمني" الذي حصل الإثنين الفائت، والذي تباينت حوله تفسيرات كل من الجيش الإسرائيلي وحزب الله، فقد أعلن الإسرائيليون إحباط عملية تسلّل خلية لحزب الله (تقدّر بين 3 - 5 عناصر) في منطقة جبل الروس في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، بينما نفى حزب الله في بيان له القيام بأي عملية.

وعلى الرغم من انتهاء الحادث من دون تصعيد يُذكر، ومن دون تدحرج الأمور دراماتيكياً على الحدود، فإنّ ذلك الحادث يعكس حالة التوتر السائدة في "إسرائيل"، التي يعيش جنودها في حالة استنفار دائم، أدّت إلى اشتباكها مع نفسها، وأرادت تحميل لبنان المسؤولية.

وعلى الرغم من تشكيك المحللين العسكريين، حتى داخل "إسرائيل"، بصحة الرواية الإسرائيلية، لكن - وفي حال صحّت - فهي تدلّ على فشل أمني وعسكري إسرائيلي، فمن المفترض بـ"أقوى جيش في المنطقة" أن لا يسمح بإفلات عناصر متسلّلة إلى داخل منطقة يحتلها.

وقد يكون هذا الحادث ومفاعيله محاولة إسرائيلية لجسّ نبض اللبنانيين، في حال تدحرجت الأمور إلى حرب في المنطقة خلال الصّيف، وذلك على الشكل التالي:

- يحاول الإسرائيليون، ومعهم الغربيون، قياس مدى تفاعل اللبنانيين مع أيّ تصعيد عسكري مقبل، ومدى الدعم الذي يمكن أن تقدّمه الدولة اللبنانية بكلّ مكوّناتها لحزب الله، في حال تدحرجت الأمور إلى تصعيد حربي يعقب ردّ حزب الله على اغتيال أحد عناصره في سوريا.

وهنا، أتى الجواب واضحاً من قبل الجميع ومن دون مواربة: الدولة اللبنانية، بما تمثل، تقف مع المقاومة في دفاعها عن لبنان ضد الاعتداءات الإسرائيلية، ولن يشهد البلد أيّ انقسام سياسيّ أو حكوميّ، وبالتالي ستجد المقاومة نفسها محمية في الإطارين السياسي والمجتمعي في أي حرب مقبلة مع "إسرائيل".

-  يحاول الإسرائيليون قياس مدى قدرة لبنان والمجتمع اللبناني على تحمّل تصعيد عسكريّ، في ظلّ ظروف اقتصادية صعبة وأزمة معيشيّة خانقة.

يسود اعتقاد لدى العديد من الإسرائيليين والغربيين بأنَّ الظرف المعيشي الضاغط على لبنان سوف يدفع اللبنانيين لتحميل حزب الله المسؤوليّة والوقوف ضده، في حال تدحرجت الأمور إلى تصعيد بين لبنان و"إسرائيل".

لكن ما يغفل عنه هؤلاء أنَّ تاريخ العلاقات الدولية مليء بالشّواهد التي شكّل فيها التصعيد العسكريّ متنفّساً للدول التي تعاني من حصار تجويعيّ وعقوبات اقتصاديّة خانقة، على الرغم من تأكيد لبنان الدائم أنّه غير معني بالتصعيد العسكريّ، ولا يندفع إليه، وستبقى السياسة اللبنانية في إطار الدفاع المشروع عن النفس والأرض.

في المحصّلة، إنَّ محاولة جسّ النبض الإسرائيلية للداخل اللبناني أبرزت أن لبنان لن ينقسم على ذاته في أي حرب مقبلة، وأن الضغوط الاقتصادية لم تؤثر في قوته ولا في قدرته على ردّ الاعتداءات الإسرائيلية، بل إن الأزمة المعيشية الخانقة، وعلى الرغم من صعوبتها، ستدفع اللبنانيين إلى التمسّك بنقاط القوة التي يملكونها، وهي معادلة الردع والتوازن مع "إسرائيل"، بعد أن خسروا الكثير من نقاط قوتهم الداخلية في أزمة اقتصادية ومعيشية لم يشهدوها منذ الحرب الأهلية. 

إنَّ محاولة جسّ النبض تلك، أثبتت معادلة بات يحقّقها لبنان بالفعل: "إن أردت السلام، استعدّ للحرب".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إقرأ للكاتب

لبنان.. تحقيق دولي أو تحقيق مدوّل؟

يكفي لبنان ما سبّبته التحقيقات الدولية في اغتيال الحريري من عدم استقرار سياسي وأمني، ومن استغلال...

استغلال سياسيّ لنكبة بيروت: وصاية دولية؟

استغلَّ بعض اللبنانيين الكارثة وتردد على لسان أكثر من إعلامي المطالبة بـ "وصاية دولية" على لبنان...

الاستفزاز الأميركي للطائرة الإيرانية: مقاربة قانونية وسياسية

الاستفزاز بحدّ ذاته يطرح علامات استفهام كبرى حول المدى الذي يمكن للأميركيين أن يذهبوا به في...

عقوبات ترامب: مؤشّر ضعف لا قوة

لم يستطع ترامب أن يُخضع الدّول التي فرض عليها العقوبات، فلم يتغيّر سلوكها الدّولي، ولم يستطع...

هل يطبّق لبنان مبدأ الحياد؟

لا يبدو لبنان قادراً على تطبيق فكرة الحياد التي تنظّر لها بعض القوى السياسية لأسباب موضوعية...

الاستراتيجيَّة الأوروبيّة.. بين ماكرون الهجوميّ وميركل المتردّدة

تتباين فرنسا وألمانيا في نظرتها إلى مستقبل الاتحاد وعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما...