ماذا لو لم يكن سليماني؟

رحل سليماني وقد أنجز ما عليه، لم تحتج سوريا والعراق الأعوام الثلاثين لتحريرها، ودمرت أقفاص الإرهاب وأصفاده وزنازينه، لم يبق أحد في مراكز القرار في دولة إيران لم يخرج لتشييع الشهيد سليماني، لم يكن هذا الرجل عادياً، لا عند أعدائه ولا أصدقائه ومُحبيه.

  • ماذا لو لم يكن سليماني؟
    ماذا لو لم يكن سليماني؟ (أ ف ب).

ألفُ سؤالٍ مرَّ ببال شعوب المنطقة، ابتداءً من فجر الجمعة، اليوم الذي ارتكبت فيه الولايات المتحدة جريمتها، حتى اليوم، ألف "ماذا لو" أيضاً خطرت بأذهانهم، المُخيِّلات اتّسع مداها، وحجم قلقها، في الأزمات الكُبرى يشعر الإنسان بالخوف على ما يعنيه، هل ستتطور الأمور إلى حربٍ مدمرة، هل سنفقد أحباء وأعزاء في حرب مجنونة، ماذا لو كان "فلان" مكان الشهيد سليماني، ماذا لو كان قائد آخر أعرفه ويخصّني، قائدي؟

بعد استشهاد الفريق قاسم سليماني ظهر تخوّف من خسارة قادةٍ آخرين، هذا ما لعب عليه الإعلام المعادي وبعض صفحات التواصل الإجتماعي من بثّ أخبارٍ وشائعات عن استهدافات متعددة لقادة فصائل المقاومة في العراق، وهذا ما ردّ عليه السيد حسن نصر الله في كلمته خلال تأبين الشهداء، معتبراً أن حسابات قادة هذا المحور مختلفة عن حسابات غيرهم، وأن غايتهم من الدنيا هي الفوز بأيّ الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، ليوضح أن نقطة القوة التي يعتقد الأعداء أنهم يملكون في اغتيال القادة، هي نقطة القوة نفسها لدى هؤلاء بفعل إيمانهم.

في تشييع الشهيد الفريق سليماني اليوم تكلَّمت إبنته زينب، إبنة الـ 28 عاماً حكت قصة أبيها أمام حشود غفيرة، بكل ثقةٍ وألمٍ وحب، وجَّهت رسالةً إلى مُستكبري العالم، قالت لهم إن قلب الشعب الإيراني هو موطِن الشهيد سليماني، لم تبكِ على الرغم مما يختلج في قلبها من فُقدان، أعلت صوتها أمام 5 ملايين شخص، عدد المُشيعين في تشييع جنازة أبيها كان تاريخياً، بعض الوكالات الإيرانية قالت إن ما يحصل عام 2020 في طهران هو ثورة ثانية، بعد الثورة الأولى التي أسقطت الشاه عام 1979، ولم تشهد إيران تشييعاً بهذا الحجم منذ وفاة الإمام الخميني قبل ثلاثة عقود.

زينب المعروفة في إيران بجهادها ونضالها ونشاطها وحيويّتها على الرغم من صغر سنّها، قالت للعالم إن "السليمانيين" رفعوا رسالتهم للمقاومة، سمَّتهم بالأسماء، قالت "عمّنا العزيز السيِّد حسن نصرالله"، رفع رسالته للمقاومة، "عمَّها" هذا مُستهدَف أيضاً كما كان والدها مُستهدَفاً، جميعهم، مَن قرَّروا الوقوف بوجه الاستكبار العالمي، داخل دائرة الخطر، ومُستهدَفون. لكنّ هذا الخطر لا يعني الخوف والتراجُع، يعلم أعداء هذه البلاد ذلك جيّداً، زينب نفسها التي أكَّدت السير على درب المقاومة اليوم، ووصفت ترامب بـ "المخبول"، سألت البارِحة الرئيس الإيراني حسن روحاني أثناء تعزيته لها، تسلَّحت بالحب الذي تحمله الفتاة لأبيها، وبالذُعر الذي يلفّ حياتها عندما تستشعر غيابه وسألته، مَن سينتقم لوالدي؟ هي تعلم جيّداً مَن الذي سينتقم لأبيها، ربما لا تعرف كيف، لكنها على يقين بأن الرد آتٍ، ليبرد قلب آلاف المُحبين الذين اشتعلت قلوبهم حُزناً على الشهداء.

إبنة الشهيد أبو مهدي المهندس، أيضاً، شكرت الله أمس على نعمة الشهادة التي حظيَ بها والدها، قالت إنها تعلم جيّداً أن أبيها كان سيغدو شهيداً، لكنه التوقيت. التوقيت تحديداً هو ما يقلق بال الجمهور، التوقيت الذي اغتيل فيه الفريق الشهيد قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، وطريقة التبنّي الوَقِح للجريمة هو ما يضع علامات التوقّف والتمهّل والتعجّب لدى المقاومين والأحرار، هؤلاء باتوا يعلمون جيِّداً أن أميركا ستحاول أن تغيِّر مُخطّطاتهم، وإن لم تفلح ستقتلهم على مرأى من العالم، وستتبنّى قتلهم باسم الديمقراطية. 

لم يبق أحد في مراكز القرار في دولة إيران لم يخرج لتشييع الشهيد سليماني، لم يكن هذا الرجل عادياً، لا عند أعدائه ولا أصدقائه ومُحبيه، لم يكن رجل إيران في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل كان رجل الثورة وقائدها، رجل الخميني الراحِل وخامنئي الذي بكاه بحرقة، ورجل الشعوب جميعها التي لم تُخف لوعة الحزن وألم الفِراق لغيابه، صديق السيِّد نصرالله الذي ركَّز في خطابه على أن سليماني في الغارة قد تمزَّق جسده إلى أشلاء، هكذا يُفكِّر الأب في الإبن والأخ في الأخ، لا شخصية توازي سليماني ليتجسَّد الإنتقام فيها، لكن دماءه ستغيِّر وجه المنطقة، إنها الشهادة التي ستصنع الشرق الأوسط الجديد، كما يريده الأحرار، لا كما تريده أميركا.

في الأصل قام الحشد الشعبي لقتال داعش، ومن أجل ذلك جاء سليماني إلى العراق وسوريا. أميركا اعتبرت سليماني عدوها الأول في معركة كانت تدور بين إيران والتكفيريين، نتيجتها كانت القضاء على التكفيريين في المنطقة. ماذا لو لم يكن سليماني؟ تجيب ذاكرة التاريخ القريب بصورتين، الأولى للرئيس الأميركي حينها باراك أوباما وقائد الجيوش الأميركية اللذين قالا إن داعش قد يستلزم ما يقارب الثلاثين عاماً ليخرج من المنطقة، والصورة الثانية للأقفاص التي تصطف فيها نساء إيزيديات بانتظار بيعهن في الأسواق.

رحل سليماني وقد أنجز ما عليه، لم تحتج سوريا والعراق الأعوام الثلاثين، ودمرت أقفاص الإرهاب وأصفاده وزنازينه، لو لم يكن سليماني لكانت هاتان الصورتان هما المشهد الذي يطبع وجه الشرق الأوسط اليوم كما أراد داعش، وكما تريد أميركا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فاطمة خليفة

محررة في الميادين نت

إقرأ للكاتب

ماذا حدث في بيروت قبل أن يبدأ الصراخ؟

أهذا هو وعدك يا بيروت؟ يا فاتنة الدنيا، أهذا هو جرحك المفتوح الذي لن يعيد إلينا سلاماً ناعساً،...

كيف تدفئ الأم صقيع المسافات في الحجر؟

هل علينا أن نهدي أمهاتنا هذا العام كمامة ومعقماً أو نحجر أنفسنا كي لا يصيب الوباء قلوبهن؟ فيروس...

هل أنهت إيران مفاعيل الغطرسة الأميركية؟

يعتبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن الردّ الإيراني اليوم جاء نتيجة الضغط الشعبي الذي مارسوه...

الرايات الحمر.. إنذار ثأر محتوم؟

صورة الرايات الحمر تظلل سماء المنطقة المكفهرة هذه الأيام. سننتقم. عبارة تقرأها وتسمعها وتشعر بها...

كيف يربط التكافل ما قطعته الحرب؟

دهاليز التطور ولعبة الأرقام حوّلت الإنسان إلى آلة، تصرفاتها مفهومة، وردّات فعلها متوقعة، لكنّ...

لماذا يعتبرُ اللبنانيون فيلتمان "سفير الفتنة في لبنان"؟

السفير الأميركي السابق في لبنان والذي اعتاد اللبنانيون على تسميته ببوق الفتنة، يعود للظهور...