الجزائر.. عواصف الحراك والتغيير السلمي

أبجديات التغيير إذا أخذت منحى الحرب الأهلية والخراب مثل حال ليبيا، هي أبجدية لا تزيد إلا السقوط في لعبة الموت، وربما لعبة الآخر الذي ينظر إلى العرب على أنهم مجرّد ورشات تسكنها الغربان.

  • الجزائر.. عواصف الحراك والتغيير السلمي
    الجزائر.. عواصف الحراك والتغيير السلمي

منذ سقوط زين العابدين بن علي، ورياح الأزمات تعصف بالوطن العربي، بعضها واقعي وبعضها ركب أصحابها الموجة في انتظار المجهول وأحياناً الجروح الكبرى، والكل بانتظار الوعود المركّبة على تابوت الحرية والديمقراطية.

وفي كل الحالات سقط المئات من الشباب، وقوداً لهذه العواصف. شباب ربما ظلّ يحلم بوظيفة أو بساعة ينطق فيها بما يدور في خلده من دون رقيب، ومن دون عقاب.

والحقيقة أن الأوضاع في الوطن العربي سيّئة جداً، وأن دولاً فيه جعلت من نفسها الرقيب على ضمائر الناس، وأعطت لنفسها ما أعطى فرعون لنفسه ظلماً وبهتاناً. كان من الأفضل لهؤلاء الحكّام أن يتركوا مناصبهم بعد فترة لمَن بعدهم وأن يأخذوا جزءاً من الراحة، أو على الأقل أن يُمرّروا تجاربهم للأجيال حتى لا تضيع المسيرة وسط الطريق، لكن أغلبهم رأى في الكرسي الذي يجلس عليه البداية والنهاية، وهم يعلمون أنها لو دامت لغيرهم لما وصلت إليهم.

أما أولئك الذين عشّش ليل الأساطير في أذهانهم بأن السلطة لا حسيب فيها ولا رقيب هم اليوم يتوسّلون على أبواب بيوت غيرهم ويسحبون بالحديد إلى أماكن العقاب.

أكيد لست ممَن يحملون روح التشفّي ولا من الذين يصمتون ساعة قول الحقيقة، ولكن أرفض أن تكون الفِتَن هي طابع التغيير، والدماء هي حاصل الخروج من حال إلى حال، فكل قطرة دم تسيل هي هدر لأرواح لا ذَنْب لها، وكل فوضى تعمّ المجتمع وتسيل فيه الدماء هي انتكاسة وعودة إلى الوراء بمئآت السنين، وهذا ما حرص عليه قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الراحل أحمد قايد صالح بألا يقع.

إن ما يحدث في الوطن العربي اليوم أمواج من الحقد، ومن الكراهية، ومن سوء الانضباط، وبالتالي فهي إن قفزت إلى السطح تكون أشبه بالخراب الذي يجعل الوِلدان شيباً.

نعم للعصيان وللتظاهر، ولكن وفق مبدأ التغيير السلمي، ولعلّ ما قام به "المهاتما غاندي" في ثورته الناعِمة ضد الاستعمار هو بمثابة النموذج للإطاحة بالظلم من دون إضافة مظالم أخرى، ومثله حراك الجزائر الحضاري الذي حرّك الوعي والتاريخ معاً، ولكن هناك انتفاضات حصدت فيها الأرواح وكأنها أوراق الخريف أو تلعب بها الرياح.

نعم هناك مظالم وقطاعات بشرية لم تعرف بعد طعم الحرية ولا طعم الأمن في دولة هي دولتهم، ولكن أبجديات التغيير إذا أخذت منحى الحرب الأهلية والخراب مثل حال ليبيا، هي أبجدية لا تزيد إلا السقوط في لعبة الموت، وربما لعبة الآخر الذي ينظر إلى العرب على أنهم مجرّد ورشات تسكنها الغربان ويعشّش فيها الإرهاب وهو صانعه ومسوّقه بامتياز. بالتأكيد الجزائر تعيش فترة هدوء مصحوبة بوعي عام رغم شهور من الحراك وبإمكانها أن تصدّر هذه التجربة مادامت لم تسقط فيها قطرة دم وأنتجت سياسة جديدة وعدالة مُتحرّرة (مستقلة).

صحيح لدينا مشاكل، ولكنها نتيجة التحوّل الذي تشهده البلاد، وقد عرفتها قبل جميع المجتمعات التي ناشدت التحوّل من نظام إلى آخر أكثر استجابة لمصالح الأمّة ومُتطابقاً مع حركة التطوّر ومنعرجات التاريخ. من هنا يمكن التأكيد على حقيقة ربما غير مدركة للكثير من أولئك الذين يدّعون أنهم يحرّكون الوطن العربي باتجاه التجديد. هذه الحقيقة هي أن الجزائر وعبر كل السياقات التاريخية التي عرفتها ظلّت تنشد الحرية، وترفض الارتماء في الأفكار الطارئة المطبوخة بعيداً عن جذورها وجذور أولئك الذين احترقوا من أجل أن تبقى الجزائر واقفة على أضلع التاريخ، حاملة لواء الإيمان بالمبدأ والهدف الذي وجدت من أجله.

أجل ثمة أوقات عصيبة مرّت بها الجزائر، وكان لليد الخارجية طوفان بارز فيها، والمؤلم ألا أحد أراد أن يسمع وقتها نداءها، حتى أولئك الذين كنا نعدّهم من الأخيار ومن الذين ساهمنا معهم بدمائنا في استقرار أوطانهم، لكن تلك أيام طواها التاريخ، بعد أن تعزّزت الوحدة الوطنية، بفضل الحراك وأعيدت إلى الواجهة سياستها كقوّة ذات بُعد إقليمي ودولي.

وليس هناك قوّة لها قوّة التأثير عليها اليوم حتى وإن حاولت أطراف أن تتاجر بدماء شهدائها كما يفعل إردوغان في سوريا وليبيا، وكما فعلت فرنسا منذ خروجها من الجزائر وإلى الآن بسياسة الاعتماد المُتعمّد على عملائها.

إذن، هل نحن فعلاً أمام واجهة جديدة تتفاعل فيها الآراء إيجاباً، وتعود بالفعل إلى رؤية الواقع رؤية ذات منحنى سياسي يسلك من خلاله المسلك السياسي المُتفاعِل مع الواقع ولو ببطء مع الحدث الجديد؟

أعتقد ذلك من قراءاتي للواقع وما يدور فيه من أفكار منطلقاتها مواكبة لأمواج التاريخ، ومرافقة للمستقبل بقوّة الحاضر. وهذا كله يعطينا الإحساس بالدفء تجاه ما هو آت، ويزيل الكثير من السُحب التي تبدو للبعض ممَن مازالت لديهم قناعات مرتكزة على ما قبل الحراك الشعبي وما جاء من بعده من فيضان من التغييرات والمُتابعات القضائية. وكلها رصّت ضمن قوّة الداخل وفتحت المجال أمام البديل كي يطرق الواقع بصلابة الموقف والمبدأ. ولم تسلم من هذا الجديد المُتآلف حتى الفلاحة حيث مسّها الإصلاح، وأضحت المحور الذي تجرى عليه اليوم أغلب السياسات الجديدة باعتبارها الحامي الأساس للأمّة من التبعية، وبالتالي عدم الارتهان في القرار السياسي للخارج.

إن تصويب الماضي وجعله في خدمة المستقبل هو من مهمّات رجل التاريخ لأنه ليس من السهل الانتقال من خطوةٍ راسخةٍ على جدار الواقع إلى خطوةٍ أخرى ترسم المستقبل من دون أن يكون هناك مَن يرسم خارطة الانتقال هذه بحكمة.

ولذلك فالجزائر دخلت مرحلة الديمقراطية بثوابتها وبتدرّج ورفضت أن تكون الديمقراطية لديها كحصان طروادة، بل كسياج يحمي المنجزات ويؤسّس للمستقبل.

هذا المنطق لم يستسغه أصحاب العقول المستعجلة، وأصحاب القرار المُتربّصين بالجزائر من خارج البلد، لأنه في النهاية يؤمّن لإصلاحات أخرى تكمل المشوار، وتضع قاطرة التغيير على الخارطة بأمان.

ثم أن الشعب الذي يرفض الانخراط في الوهم لصالح دوائر خبيثة (عربية أو غير عربية) هو شعب يقدّر ثورة الاختيار بهدوء بعيداً عن زفير الغرباء أو الذين دخلوا سلّة السيّئات إن بالاستعمار أو بجنون العَظَمة لأسباب نفسية كما تفعل اليوم قطر، والسعودية، والإمارات، ومَن سار على دربها.

أكيد نحن أمام تطوّر آخر يحتاج إلى إصلاح، وما أعلن عنه من إصلاح اليوم هو بمثابة الخروج من مرحلة أولى إلى مرحلة ثانية تستوعب الحاضر وتستوعب المستقبل أيضاً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي.

إقرأ للكاتب

لا أحد فوق أحكام التّاريخ

حين قال جمال عبد الناصر في العام 1969 "على ضفاف نهر السويس يتقرّر مصير العالم"، لم يكن كلامه...

دول الخليج في مواجهة إيران أم في مواجهة الفراغ؟

نحن فقدنا بتواطؤهم المُشين ثقافة الدولة، والثقافة السياسية، وأصبح لدينا ما يُعرف بـ"التواطؤ...

الجزائر.. عصر المُفارَقات الكاريكاتورية

بموازاة التحديات التي يعيشها العالم لاسيما من دُعاة الفكر التكفيري، نحن في حاجةٍ إلى قراءة...

لا تلعبوا بالنار مع إيران!

إن أيّة حرب تشعلها أميركا تحت ضغط إسرائيلي خليجي لن تكون بالتأكيد مثل "عاصفة الصحراء" التي قادها...

أميركا بين الحرب الأهلية أو عَزْل ترامب

أو ليست الحضارة تسقط بسقوط القِيَم كما يقول المؤرِّخ الأميركي بول كينيدي وكما يؤكِّد عليها...

الطائفية لا دين لها والواقفون خلفها أسوأ منها

العامِل الأول يصنع الواقع من جديد وفق منظور المستقبل، والعامل الثاني يتخلَّى عن وجوده لمبدأ...