مفاعيل اغتيال سليماني والمهندس.. أي وجه للمنطقة؟

صحيح أن خسارة القائدين سليماني والمهندس ورفاقهما هي خسارةٌ كبيرةٌ، ولكن فات الأميركي أنّ المقاومة هي نهج ٌوثقافةٌ، ولذلك تبقى ثقة جمهور المقاومة كبيرةً بوجود الآلاف ممّن يستطيعون ملء هذا الفراغ.

  • مفاعيل اغتيال سليماني والمهندس.. أي وجه للمنطقة؟

كثيرة هي نقاط التشابُه بين كلّ من الرئيس الأميركي دولاند ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن نقطة الالتقاء الأبرز بين الرجلين هي أنهما يعملان على قاعدة "أنا ومن بعدي الطوفان".

فترامب ولِتجنّب عَزْله من الرئاسة مُستعدٌّ لأن يذهب بالعالم إلى حربٍ عالميةٍ، أو أن يذهب بالولايات المتحدة الأميركية إلى حربٍ داخليةٍ وذلك بحسب ما لمَّح ذات مرةٍ، بأن عَزْله قد يؤدّي إلى ذلك، ونتنياهو من أجل تجنّب السجن مُستعدٌّ لأن يذهب بالمنطقة إلى حربٍ شاملةٍ، وما زال يعمل في سبيل ذلك والدلائل كثيرة.

ونتيجة نقاط التشابُه هذه استطاع نتنياهو إقناع ترامب بتنفيذ خطوات لم يجرؤ مَن سبقه من الرؤساء الأميركيين على السير فيها، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمةٍ للكيان الصهيوني، والاعتراف بضمّ الجولان السوري المحتل، وصولاً إلى إعلان التطبيع الخليجي مع "إسرائيل" وإظهار نتنياهو بأنه عرَّاب هذا التطبيع، إلى غير ذلك من وسائل الدعم، ولكن أن يستطيع توريطه في حماقة كأن يقوم باغتيال شخصيات مقاوِمة بوزن الفريق قاسم سليماني أو أبي مهدي المهندس، فهذا فاق توقّعات مُعظم المُتابعين للشأن الأميركي، بل توقّعات مُعظم الأميركيين، ولاسيّما أن الفريق سليماني لا يعني إيران فقط، بل يعني كلّ أطراف محور المقاومة، ولذلك فهي معنية بشكلٍ أو بآخر بالرد على هذه الجريمة.

إن أيّ مُتابِعٍ للأحداث يُصدَم بضيق الأفق الاستراتيجي لكلّ مَن شارك بهذه العملية، تشجيعاً وتخطيطاً وصولاً إلى ترامب الذي اتّخذ قرار التنفيذ.

ولعلّ الصدمة الكُبرى هي في الداخل الأميركي، وخاصة لدى المؤسَّسات النافِذة التي أفاقت على عمليةٍ مُتهوّرةٍ، ليس لها من النتائج الإيجابية للولايات المتحدة الأميركية سوى تغييب كِلا الرجلين، سليماني والمهندس، عن ساحة الصراع، ولكن حتى هذه النتيجة ستسقط بسرعة، لأن الحروب غير مقرونة بأشخاصٍ مهما امتلكوا من صفاتٍ، والتاريخ يشهد لقادة أتوا بعد أن قضى رفاقهم فكانوا أكثر تأثيراً وكان دورهم أكثر فاعليةٍ.

أمّا النتائج السلبية لهذه العملية فقد بدأت تظهر منذ اللحظات الأولى، وسيتبعها من النتائج ما يُشكّل تحوّلاً استراتيجياً في مصير التواجُد الأميركي في كلٍّ من العراق وسوريا مبدئياً، وقد يتبعها ذات المصير على مستوى المنطقة.

ولو نظرنا بِعُجالةٍ إلى بعض النتائج السلبية التي ظهرت نستطيع أن نُسجِّل:

  • أدَّت هذه العملية إلى توحّد غالبية الشارع العراقي المُنتفِض لتحسين أوضاعه المعيشية، ليُصبح محور تحرّكه هو الضغط على البرلمان والحكومة العراقيين للعمل على إخراج القوات الأميركية من العراق.
  • بالتوازي رأينا فصائل عراقية لها وزنها السياسي والعسكري والتي لم تكن مُنخرِطة في عملياتٍ عدائيةٍ للأميركي، رأيناها تُطالب بتوحيد وتنسيق جهود الفصائل العراقية المُقاوِمة بهدف إخراج الأميركي.
  • أعطت مُبرِّراً قويّاً للبرلمان العراقي لِتبنّي قراراً يُلزم الحكومة العراقية بالعمل على إنهاء التواجُد الأميركي، وبهذا القرار ستكون القوات الأميركية بموقع المُحتلّ، وبالتالي ستكون عُرْضةً مشروعةً لأعمال المقاومة.
  • الصفعة الإيرانية للقوات الأميركية هي سابقة لم تتلقها الولايات المتحدة الأميركية من قِبَل دولةٍ أخرى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذه الصفعة عرَّت الولايات المتحدة وأظهرت حقيقة القوّة الأميركية، وهي بداية التخلّص من الأوهام المزروعة في مُخيّلة العالم بأن القوات الأميركية لا يمكن أن تُهزَم، ولا يمكن أن تتلقّى ضربةً وتبتلعها وكأن شيئاً لم يكن، الشيء الذي سيُغيّر نظرة وربّما تعاطي مُعظم دول العالم حيال الولايات المتحدة الأميركية. بالتأكيد هذه مشكلة أميركية ولكن المشكلة الأكبر هي إعلان المُرشِد الإيراني علي خامنئي بأن ليس هذا هو الرد، وإنّما سيكون بإخراج القوات الأميركية من كامل المنطقة، وهذا يعني أن على الأميركي الاستعداد لعملياتٍ مُقاومةٍ ستكون موجِعةً، وهذا ما أتى على لسان السيِّد حسن نصر الله في الخطابين الأخيرين، ولن يستطيع الأميركي تجاهل ذلك لِما يُمثل السيِّد نصر الله من مكانةٍ ومن صدقٍ ومن التزامٍ بما يقول.
  • وبالتأكيد فإن تلك الصفعة أظهرت إيران كدولةٍ لها ثقلها العسكري الفاعِل والمؤثّر، والذي لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه.
  • التشييع الشعبي مُنقطِع النظير للفريق سليماني كشف زَيف المُبالغة الأميركية بوجود شرائح مجتمعيةٍ إيرانيةٍ وازِنةٍ تقف ضدّ القيادة الإيرانية، ولذلك أتى هذا التشييع بمثابة التفويض الشعبي للقيادة الإيرانية لتعمل ما تراه مناسباً.
  • قد يكون الهَلَع الذي أصاب "إسرائيل" ودول الخليج أكبر من الهَلَع الأميركي، ولذلك سارعت كلّ دول الخليج، بعضها بالسرّ وأغلبها علانيةً لِتتبرَّأ من علاقتها بتلك العملية، وذلك تجنّباً لردٍ إيرانيٍ على أراضيها.
  • أمّا على مستوى الداخل الأميركي فحدِّث ولا حَرَجْ، ابتداءً من استنكار مُعظم المؤسَّسات الأميركية المعنية لهذه العملية، إلى قرار الكونغرس بتقييد قرارات ترامب بالردّ على إيران، إلى التسريع في محاولة عَزْله، أي أن كلّ تبعات هذه العملية أتت لتصبّ بعكس رغبة ترامب وأمله بأنّها سترفد رصيده في الانتخابات القادمة، فإذا بهذا الرَفْد يعكس مساره تماماً.

في الختام، صحيح أن خسارة القائدين سليماني والمهندس ورفاقهما هي خسارةٌ كبيرةٌ، ولكن فات الأميركي أنّ المقاومة هي نهج ٌوثقافةٌ قبل أن تكون أفراداً وأشخاصاً، ولذلك تبقى ثقة جمهور المقاومة كبيرةً بوجود الآلاف ممّن يستطيعون وبِجدارةٍ ملء هذا الفراغ.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
غسان الاستانبولي

كاتب وباحث سوري

إقرأ للكاتب

هل يستطيع بن سلمان أن يسكت أصوات الجائعين؟

تقول التجارب إن الفقر والجوع يولّدان الثورة، والسعودية تقترب من الفقر، وشعبها يقترب من الجوع، في...

هذا تاريخ الأسلحة البيولوجية.. تعالوا ندقّق بما يحصل

هذا السلاح ليس وليد العصر الحديث، فقد تمّ استخدامه منذ العام 400 قبل الميلاد، عندما كان الرماة...

الجيش السّوري يحرق آخر الأوراق التركيَّة

نجح إردوغان من حيث لا يدري ولا يتمنّى في تأليب كلّ الدول العربية، ما عدا قطر، ضدّ سياساته في...

هل اقترب التوافُق الغربي على نهاية المرحلة الإردوغانية؟

في ظلّ الواقع الجديد لا يحتاج إردوغان إلى سُلَّم واحد لكي يستطيع النزول عن الشجرة، بل يحتاج إلى...

الرئيس التركي يُوحِّد العالم!

سوريا تعتبر أن خروج الأميركي من الشمال السوري، هو مؤشّر إيجابي يدلّ على أنّ الأميركي قد بدأ طريق...

الانتخابات الإسرائيلية.. المقاومة أوّل المُقترعين

بِورقةٍ من نوع "كورنيت" استبق حزب الله الانتخابات الإسرائيلية بحوالى أسبوعين، ليُدلي بصوته الذي...