بين صعود الشرق وأفول الهيمنة الأميركية.. لمَ علينا الاستعداد؟

هذه الحقائق يجب على الدوام أن لا تغيب عن الذهن، في الوقت الذي يتصاعد الشرق بقواه الاقتصادية والعسكرية والعلمية.

  • بين صعود الشرق وأفول الهيمنة الأميركية.. لمَ علينا الاستعداد؟
    جاءت التجزئة الغربية للمنطقة على خلفيات وحدة بأشكال ورؤى متعددة

هذه الحقائق يجب على الدوام أن لا تغيب عن الذهن، في الوقت الذي يتصاعد الشرق بقواه الاقتصادية والعسكرية والعل مسحت الثقافة الغربية التي هيمنت على العالم في القرن الماضي ذاكرة العرب، لذلك، انساقت الأكثرية في كيانيّتها، ونسيت أنها كانت شعباً واحداً لقرون طويلة خلت. لكنّ ذلك لم يمنع الغالبية من نسيان هذه الحقيقة السّاطعة، والغلوّ في حيثيات الكيانات السياسية التي رسمها المستعمر مطلع القرن الفائت في تقسيمه المنطقة وتجزئتها كيانات لن تستطيع، بحسب رؤيته ومصالحه، التفكير مجدداً في العودة إلى الوحدة التي قضّت مضجعه على مدى التاريخ.

وإذا شئنا العودة قليلاً إلى الوراء، إلى زمن ليس ببعيد، في سياق المحاولات الوحدوية في المنطقة، يمكن أن نستعيد مع محمد علي باشا وابنه إبراهيم محاولتهما توحيد المشرق العربي مع مصر، فتصدّت له القوى الاستعمارية التي كانت تتهيأ للانقضاض على المنطقة بانتظار نضوج الظروف التي آن أوانها في الحرب العالمية الأولى 1914.

لم تكن محاولة محمد علي، بعد أن حدّث مصر وصنّعها وطوّرها، محاولة وحدوية طوباوية حالمة تحمل مشروعاً يرقى إلى طرح الوحدة بروحية الانتماء القومي، بقدر ما كانت محاولة توسيع وسيطرة، لكنها شكّلت حاجة ضرورية عبّرت عن نزوع المنطقة التاريخي بشعوبها وسلطاتها وحكامها إلى وحدة "ما" تستحق كل اهتمام ودراسة معمّقة في دوافعها الكامنة في باطن المنطقة ومجتمعاتها. 

كان الاستعمار الغربي يتنامى بقوة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت دوله تتطوّر وتتصاعد اقتصادياً بعد أن عبرت في قرون من الفتوحات والاستكشافات واستعمار مناطق مختلفة من العالم، وهو يتهيأ للوفود إلى منطقة الشرق، مقصد مختلف الشعوب من شرق وغرب، وهي المنطقة التي تتوسّط العالم، ولا يمكن الاستغناء عنها في أي حركة استراتيجية أو تجارية أو سياحية بأيّ شكل من الأشكال. 

وعندما وفد إبراهيم باشا إلى المشرق بجيشه المصري،  قاطعاً بذلك طريق عبور المستعمر المتحفّز للقدوم، ما كان من الأخير إلا أن أخذ يمنع تلك الوحدة من القيام، ويعيد السيطرة على الدولة العثمانية التي بدأت تضعف وتهزل، وتقدّم له التنازلات على صعد مختلفة.

أحبط الغرب الاستعماري قيام وحدة في المنطقة، كان من شأنها أن تحدث فيه تطورات كبيرة في التصنيع والاقتصاد والعلوم، ولكن في الوقت عينه، كان يمكن أن تمنعه من تحقيق غاياته بالتوسع في المنطقة والسيطرة عليها.

أية فكرة أو محاولة أو مشروع وحدة في المنطقة، بغض النظر عن طبيعته وغاياته وأهدافه، كانت مبعث قلق للغرب. ربما حمل عقدة التوسع العربي منذ زمن الفتوحات الإسلامية التي قادتها الدولة الأموية من دمشق مطلع نهوض الدولة العربية الإسلامية، وخرقته من الغرب في الوصول إلى حدود بلاد الإفرنج الفرنسيين، بعد اجتياز الأندلس، والعودة إلى التمركز عند حدودها، إذ بلغ التوسّع مبلغاً لم يعد المضي فيه مضموناً، ولم يكن الحفاظ عليه ممكناً.

كان الغرب يتحفّز للتوسّع شرقاً، بانتظار المزيد من الضعف في السلطنة العثمانية التي شاخت بعد قرون من الحكم. وعندما آن الأوان في الحرب العالمية الأولى 1914، انقضّ على المنطقة، وهمّه الأول تجزئتها بحقد دفين، كأنه يريد الانتقام من معضلة تاريخية معها، وفي ذاكرته رهبة الدولة الإسلامية بما حقّقته من تمدّد وتطورات مختلفة في قرون حكمها الطويلة. 

قبل نهاية الحرب، وفي العام 1916، وضع خارطتها على طاولته، وأمعنها تفكيكاً وتجزئة إرباً إرباً، كأنه ينتقم منها، ولا يريد لها أن تعيد التفكير في التوحد من جديد. قسّمها وفتّتها ما استطاعت أنامله، بعد أن أمعنها درساً وتمحيصاً، فكان مشروع سايكس-بيكو التدميري في المنطقة، وهو يعرف أنه يضعف الخصم بالتجزئة، ويسهل عليه السيطرة وإقامة التحولات الضرورية كشرط لها.

جاءت التجزئة الغربية للمنطقة على خلفيات وحدة بأشكال ورؤى متعددة، إذ كان بإمكان الوحدة، بأية صيغة كانت، أن تشكّل عامل نهوض وطني مستقل، فقسَّمها بطريقة تبقيها متخلّفة وهي منخرطة في صراعات داخلية بين عناصرها، وهو الأمر المؤسس له في طريقة تجزئتها على مستويات دينية وطائفية وعرقية ومذهبية وعشائرية، وهو ما لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحاضر بنسب متفاوتة مع تراجع ملحوظ، بعد مضي أكثر من قرن من الزمن عليه. 

حكم التقسيمات الكيانية حكام غالباً ما كانوا من صنيعة المستعمر، ومن أصحاب الولاء له، وهو الذي ربّاهم في أروقته ومدارسه وثقافته، وراح ورثاؤهم يخلفونهم في ممارسة الحكم بالطريقة الكيانية التي رسمها لهم، حتى إذا استيقظت الروح الوحدوية مع جمال عبد الناصر، عاود الغرب الانقضاض عليها، وحاول منعها بأي شكل من الأشكال. وبحروبه البلا-هوادة، استطاع إحباط مشروع وحدة عبد الناصر، بغضّ النظر عن العناصر الأخرى، الداخلية والخارجية، التي لم تتح قيام الوحدة وتبلور عناصرها.

أمّنت التجزئة الهيمنة الغربية على المنطقة، وسعى الغرب بطرق أخرى إلى مزيد من ضمان هذه الهيمنة، ومن ضمنها قيام الدولة الصهيونية في فلسطين، وإدخالها في صراعات مستمرة في ما بينها، وتأمين الاختلافات والخلافات بين مكوناتها، ولا يزال الغرب بكل ما لديه من طاقة يصارع للإبقاء على سيطرته المتراجعة وحمايتها حفاظاً على مصالحه.

هذه الحقائق يجب على الدوام أن لا تغيب عن الذهن، في الوقت الذي يتصاعد الشرق بقواه الاقتصادية والعسكرية والعلمية، ولا يستطيع أحد إيقافه، فالتاريخ حالياً يسير وفق قوانينه الموضوعية، لا وفق رغبات الأفراد والجماعات وأمزجتهم.

ومثلما كان الغرب صاعداً والدولة العثمانية آفلةً، هكذا يتصاعد الشرق حالياً، وينازع الغرب دفاعاً عن بقائه، ومثلما فرض المستعمر الغربي هواه في التجزئة، ورسم معالم المنطقة في تلك المرحلة، هكذا سيرسم صعود الشرق العالم، ومنه الشرق الأوسط وغرب آسيا، وفق معايير مختلفة تتناسب مع اتجاهاته وهواه ومصالحه.

الاتجاه الذي يفرض نفسه حالياً على مستوى العالم في ظلّ نقطة الجذب الشرقية، هو الاتجاه شرقاً، ليس لدوله فحسب، بل لأوروبا أيضاً؛ صانعة الغرب الذي ورثت الولايات الأميركية قيادته، فمن المعروف أن الرئيس الصيني زار إيطاليا، وعقد معها اتفاقيات واسعة على مختلف الصعد، ثم زار فرنسا وعقد قمة بحضور قادة دول أوروبا، كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، أرست أسس التعاون المستقبلي بين الشرق الصاعد والغرب المأزوم الباحث عن الخلاص في توجّهه شرقاً.

ليس التلاقي الصيني - الأوروبي عبارة عابرة في ظلّ التنسيق والتكامل مع روسيا ودول الشرق المختلفة. إنه انقلاب تاريخيّ في مجرى التطورات والأحداث على مستوى الكرة الأرضية. 

الأفضل الاستفادة من عامل الوقت، والسعي إلى تسريع قيام حالة النهوض الشرقية، فيؤدي العامل الذاتي دوره، إلى جانب العامل الموضوعي، في نهوض المنطقة، فيتجاوز عقباته، ويتخطى العراقيل التي توضع في طريقه، لعلّنا نعوّض الكثير مما خسرناه منذ نشأة سايكس-بيكو.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نقولا طعمة

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب

دير القاسي: بيوت ونقوش وزخارف تنطق بحق العودة

دير القاسي بلدة فلسطينية دمرها الاحتلال سنة 1948 وما تزال بعض منازل فيها، وبقايا زخارف وونقوش...

خدعة لن تمر

لم يمرّ التطبيع في ذروة قوة العدوان، وهو لن يمر مع بداية تراجعه الاستراتيجي وانحداره التاريخي....

تيار الدمار الأميركي الشامل أم تيارات الإنسانية الخلاقة.. من يسبق؟

إنهما منطقان متناقضان، واحد يدعو إلى السلام، وآخر لا يستمع إلا إلى ربه: "المال".

بسبب كورونا: إحياء ذكرى النكبة بفعاليات مُستعادة

يحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة كل عام بمسيرة إلى بلدة أو مدينة مهجرة في فلسطين. وبسبب إجراءات...

مسيرة العودة السنوية.. رقمية بسبب الكورونا

في ذكرى النكبة من كل عام، تنظم "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين" مسيرة سنوية إلى بلدة من البلدات...

سقوط قِيَم الليبرالية المُدوّي على أقدام "العُمر الثالث"

للتذكير، تحدّث الرئيس الأميركي بيل كلينتون في إحدى خطبه مُتباهياً بإنجازات بلاده على صُعد...