الوباء الذي اجتاح المسنّين في القارة العجوز والقيم الأوروبية على المحك

تتكثّف التقارير التي تتحدث عن أن استمرار أوروبا في هذا المسار يجعل المسنين قنبلة موقوتة.

  • الوباء الذي اجتاح المسنّين في القارة العجوز والقيم الأوروبية على المحك
    مأساة المسنين تضاعفت حين لم تبادر الحكومة إلى مواجهة الوباء على أساس أنه خطر جدي وشامل

كنت في باريس خلال موجة الحرارة التي تخطَّت عتبة الواحد والأربعين درجة في العام 2003، وعاينت عن قرب كيف قضى نحو 9 آلاف مواطن، غالبيتهم من المسنّين، بسبب عدم تحمّل الحرارة، ولا سيما أولئك الذين يعيشون بمفردهم من دون مساعدة أحد. 

لاحقاً، حاولت السلطات الأمنية عبثاً التعرف إلى عائلات مئات الضحايا، ما اضطرها إلى دفنهم من دون حضور من يعرفهم. يومها، أبلغني أحد العاملين في مراسم تجهيز الموتى للدفن، أنه كان يتصل بعائلات متوفين ليطالبهم باستلام الجثث، فلا يلقى استجابة!

المسنّون في فرنسا، كما غالبية الدول الأوروبية، يمثلون نسبة تفوق 23% من عدد السكان، وهي نسبة قابلة للازدياد بسبب تراجع نسبة المواليد، ما برر وصف أوروبا بالقارة العجوز.

وتتكثّف التقارير التي تتحدث عن أن استمرار أوروبا في هذا المسار يجعل المسنين قنبلة موقوتة. ويبدو أنهم قنبلة موقوتة حان انفجارها، في ظل نشر صحف فرنسية مقالات تتحدث عن أن وباء كورونا مثّل "قنبلة نووية" في الشرق الفرنسي، بحسب تعبير صحيفة "لو باريزيان".

 في مدينة "مولوز" القريبة من الحدود الألمانية، بدأ الانتشار المرعب للفيروس، إثر مناسبة دينية ضمت ألف شخص عادوا وانتشروا في عدد كبير من الأراضي الفرنسية.

الفيروسات القاتلة، كما بات معلوماً من الناحية الطبية، هاجمت الأجساد الضعيفة، أي كبار السن، الذين، لقلة حظهم، وُجدوا في ظروف صحية أو اجتماعية بائسة. التقارير الطبية الفرنسية كشفت أن أكثر من 70 في المئة من الوفيات بفيروس كورونا حصلت بين المسنين ومن هم فوق الخامسة والستين، ممن يعانون أمراضاً مزمنة.

هذه المرة أيضاً، وكما حصل في موجة الحرارة آنفة الذكر، سقط المسنّون ضحايا الوحدة والتفكّك الأسريّ، ولم يَسلم أولئك الذين يعيشون في دور الرعاية الاجتماعية، الذين أصيبوا ولم يتلقوا علاجاً ناجعاً، وسط نقص فادح في التجهيزات وغياب سرعة المبادرة والاهتمام.

مأساة المسنين تضاعفت حين لم تبادر الحكومة إلى مواجهة الوباء على أساس أنه خطر جدي وشامل. تعاملت الحكومة بتراخٍ تارة، وبجهل في حقيقة ما تواجهه تارة أخرى، ما فتح الحدود والمدن أمام الوباء ليضرب على هواه.

شهادات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي روت قصصاً مرعبة عما عاناه كبار السن، وكيف تحولوا إلى ضحايا قبل أن يموتوا بسبب الموجات الهائلة من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفيات، فقد كان الخيار الطبي في أكثر من مستشفى إنقاذ من هو قابل للشفاء على أن يصرف الجهد والدواء على من شارف على نهاية عمره ويعاني من أمراض الشيخوخة!

هكذا يستيقظ المجتمع الفرنسي، ومعه مجتمعات أوروبية أخرى، على حقيقة مُرّة. الدول القوية عسكرياً واقتصادياً في القارة العجوز تكتشف فعلاً عجزها وترهّلها أمام وباء استفرد بطبقة كاملة من المواطنين، مستغلاً الوهن الاجتماعي والاستبعاد والتفكك وسوء الإدارة. 

وسيكون على الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين إعادة تقييم سلّم العقد الاجتماعي الذي بُنيت عليه هذه المجتمعات، والقيم التي أُرسيت طوال العقود الماضية.

إن المأساة حقيقة قائمة من خلال مؤشرات أولية، ولكن وسط المواجهة الطاحنة الجارية مع الوباء والعزل الشامل، لم يتبيّن وجهها البشع. التردّدات قادمة ريثما ينجلي الغبار عن أرض المعركة.​

 

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في قناة الميادين

إقرأ للكاتب

فرنسا وأزمة كورونا.. خوف من "جان فلجان"

يتمنّى بعض المفكّرين الفرنسيين أن لا تحوّل جائحة كورونا الشعب الفرنسي إلى "جان فالجان" الذي سُجن...

كورونا والداعشية الأنيقة

هل يمكن النظر بعين الريبة إلى كارتيلات تصنيع الدواء والمختبرات وحيتان المواد الحيوية الضرورية...

عن أدونيس في "الميادين"

يمكن لكل متابع لإنتاج أدونيس فكراً وشعراً، ولكل مهتم بتحقيق التحول النوعي في سياقات عملية...

عن مادورو وإسبر!!

اغتيال العالم السوري عزيز إسبر ومحاولة إغتيال الرئيس الفنزويللي نيكولاس مادورو، حدثان يعكسان عمق...

صحوة فرنسية في مواجهة حكومة القتل الإسرائيلية

تأتي استطلاعات الرأي في فرنسا لتُعطي للاحتجاجات زخماً ومشروعية، فآخر استطلاع أنجزته مؤسّسة...

ملحمة الفلسطيني

سبعون سنة وفلسطين محتلّة، لكنها في انتفاضاتها المستمرة التي تصل ذروتها مع إجهاز الإدارة...