عالم ما بعد الوباء.. تعلّم الجلوس في الخلف وراقب

أسئلة حول "عالم ما بعد وباء كورونا" بدأت تطرح نفسها بقوّة، لكن ربما من المُبكر الوصول إلى أجوبة واضحة، بانتظار "صورة ما بعد المشهد الأخير".

  • حملة تعقيم في الصين (صورة أرشيفية)

في ظل "التباعُد الاجتماعي" الذي فرضه واقع الوباء، بدأت أسئلة تتمحور حول ما إذا كانت المجتمعات (كحكومات) ستعمد إلى الاكتفاء الداخلي لحد ما، والتكيّف مع الأمر لفترات طويلة، ما قد يؤدّي إلى صعود النزعة القومية حتى في الدول الديمقراطية!
أسئلة أخرى حول ما إذا حان زمن طيّ صفحة العولمة؟ وكيف ستتموضع الدول في مرحلة ما بعد كورونا؟ هل سيبقى الاتحاد الأوروبي "اتحاداً" مثلاً؟
ربما تظهّر الإجابات على هذه الأسئلة، صورة "الصراع الجيوسياسي" لمرحلة ما بعد الوباء، وقد توّلد "رأسمالية جديدة" عمادها "صعود الصين وأفول نجم أميركا".
أمام هذه الواقع من الأسئلة المُفترَضة، أظهرت الصين "مسؤوليةً إنسانية" تجاه الدول الأخرى لمواجهة وباء "كورونا" الذي كان انتشاره في العالم أسرع من النار في الهشيم، حاصداً آلاف الأرواح، فيما تعاطت إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب مع الموضوع بعنصرية وأنانية، وصولاً إلى تخلّيها عن حلفائها الأوروبيين، لا سيما إيطاليا المنكوبة.
ففيما انبرت الصين وكذلك كوبا (المُحاصَرة أميركياً منذ عقود)، لمدّ يد العون إلى دول عديدة، بينها إيطاليا، فأرسلتا أطناناً من المساعدات الطبية اللازمة، وبعثات طبية، ومثلهما فعلت روسيا، التي حطّت طائراتها في مطارات إيطاليا حاملةً المساعدات، بدت الولايات المتحدة برئاسة ترامب، وكأنها لا تتصرّف "كقوّة عظمى" مسؤولة وقادرة على مساعدة العالم لتخطّي الوباء القاتل.
وبرزت عنصرية ترامب وأنانيّته خارجياً عندما وصف فيروس "كورونا" بـ"الفيروس الصيني"، ليُصرّ على موقفه لاحقاً رداً على اتهامه بالعنصرية، بالقول: "ليس عنصرياً بالمطلق، بل لأنه آتٍ من الصين، هذا هو السبب، فأنا أريد أن أكون دقيقاً"، وداخلياً، قيامه بتوجيه رسائل مُلتبسة أو حتى مُبهَمة في بعض الأحيان، مُتأرجِحاً بين الدعوات إلى الوحدة الوطنية، وتغريدات انتقامية وحسابات انتخابية.
وطفت كذلك على السطح، محاولات ترامب تسييس الأمر والاستفادة منه في سياق حملته الانتخابية. لكن انتشاراً أكبر للفيروس في الولايات الأميركية، سيعني صعوبات كبيرة أمامه لتولّي ولاية رئاسية جديدة، حيث ارتفعت أصوات تطالبه بالتعاطي بجدية مع تهديد كورونا، ولم يكتف ساسة ديمقراطيون بذلك، فذهبوا إلى حد اتهامه بـ"تغذية" هذا الوباء.
وكانت صحيفة "واشنطن بوست" كشفت في 16 آذار/مارس عن أن ترامب أبلغ حكَّام الولايات المتحدة، أن عليهم الحصول على أجهزة التنفّس الاصطناعي وأجهزة التهوية وكمّامات الوجه بأنفسهم، وعدم انتظار الحكومة الفيدرالية لتوفيرها لهم، مُشيرة إلى أن ترامب أجرى عدداً من الاتصالات بالحكّام ليخبرهم بأنها مسؤولية الولايات.
رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، اتهمت ترامب يوم الأحد (29 آذار/مارس) على شبكة (سي.إن.إن)، بإنكار المدى الحقيقي لانتشار الوباء، وقالت "إن إنكاره (ترامب) في البداية كان مميتاً". واعتبرت أنه بذل جهوداً ضئيلة للغاية في الأسابيع الأولى، مُنتقدة رفضه حتى الأسبوع الماضي، لإصدار أوامر بإنتاج المعدّات الطبية الأساسية.
وقالت: "لا يمكننا الاستمرار في السماح له بمواصلة تقليل شأن ما يحدث هنا"، مشيرة إلى أن "حكّام الولايات لديهم الحق في الشعور بالاستياء من الكونغرس لعدم توفير التمويل اللازم لحكوماتهم والحكومات المحلية من أجل التعامل مع الوباء".
في القارة العجوز، لم يكن الاتحاد الأوروبي على المستوى المطلوب في دعم دوله المنكوبه مثل إيطاليا وإسبانيا، لا بل فشل قادة دول الاتحاد الـ27 خلال لقاء الخميس في 26 آذار/مارس الماضي، عبر دائرة فيديو، في الاتفاق على خطة اقتصادية لمواجهة الضَرَر الاقتصادي الذي يحدثه الوباء، مطالبين بتقديم مقترحات الشهر المقبل.
والحال، ظهرت على شاشات التلفزة مشاهد تحمل دلالات ربما ترسم صورة لعالم ما بعد كارثة الوباء، حيث جابت العربات العسكرية الروسية شوارع إيطاليا مُحمّلة بالمساعدات والأطقم الطبية، ومشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أميركا عليها حظراً منذ عقود، وتقبيل الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش لعَلم الصين اعترافاً منه بدعمها ومساندتها لبلاده، ومشهد إنزال مواطن إيطالي لعَلم الاتحاد الأوروبي ورفع عَلم الصين بدلاً منه.  
فهل ستتقدّم الصين خطوات كبيرة في خضم استعادة قوّتها وتأثيرها الإقليمي والدولي؟ وبالتالي هل يطوي "فيروس كورونا" صفحة التفرّد الأميركي المُطلق في قيادة العالم؟ وهل تحمل حقاً في ثناياها بذور نظام عالمي جديد تتحوّل فيه القيادة شرقاً؟
منذ انطلاق الأزمة بدأت تظهر مؤشّرات تدلّ على أن العولمة تتراجع، ما شكّل ضربة للنظام العالمي، لأن الدول لم تعد ترى أية منفعة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وربما ستحاول أن تكون أكثر استقلالية، وتحقّق نوعاً من الاكتفاء الذاتي.
المؤكّد هو أن سيناريوهات ما بعد الوباء، لن تكون كما كان عليه شكل العالم سياسياً واقتصادياً .. وربما ستستفيد منه دول كثيرة لاتزال ترزح تحت وطأة العقوبات الأميركية المُتدحرجة، ما سيوّلد شكلاً جديداً من العلاقات السياسية بين الدول. لكن في جميع الأحوال يمكن أن تتّجه الدول إلى الانغلاق والرغبة في التمحور داخلياً، ما قد يؤدّي إلى عالم أفقر وأقل كرماً.
ثمة مَن يعتقد بأن "عليك أن تتعلّم الجلوس في الخلف وتراقب، فليس كل شيء بحاجة إلى ردّة فعل، عدم الاهتمام بسرعة العمل بل بإتقانه لأن أحداً لن يسألك كم استغرق منك تنفيذه".

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
خليل عجمي

صحافي لبناني