يوم مسعف

هنا تبدأ الرحلة. صراع ما بين الواجب والحذر. يصبح للشهيق والزفير في الذهن عداد نسمعه لأول مرة خلال طريقنا لإسعاف المريض. 

  • كل مسعف له لقبه المكتوب على بدلته الخاصة عند ارتدائها

الساعة تشير إلى الثالثة عصراً. هدوء تام يخيّم على المنطقة، يخرقه رنين هاتف من غرفة العمليات في الصليب الأحمر اللبناني، يليه جرس إنذار من مركز الهرمل في أقصى البقعة الشمالية الشرقية.

إنها مهمة إسعافية لنقل مصاب تظهر عليه عوارض وباء Covid-19 من إحدى القرى الحدودية، ويحتاج لنقله إلى مستشفى بعلبك الحكومي. 

ستكون التجربة الأولى لارتداء البدلة البيضاء المُخصّصة لنقل المصابين أو المُشتبه بإصابتهم بهذا الوباء.

هو اللباس الذي اعتاد على رؤيته المواطنون في لبنان ومختلف الدول في مواجهة الوباء. يرتدي هذا اللباس العازل المُسعِف، الممرّض والطبيب فقط. يُضاف إلى هذا اللباس العازل قفازان منعاً لوصول الوباء إلى أية بقعة من جسم المسعف. 

يرتدي المسعف بالإضافة إلى اللباس العازل، كمّامة طبية خاصة ونظارات بلاستيكية مُخصّصة للعيون. ثم يضع المسعف قناعاً. كل مسعف له لقبه المكتوب على بدلته الخاصة عند ارتدائها.

 إنه شعور غريب. وكأن المسعف انتقل إلى عالم آخر. 

يُطلق علمياً على هذا اللباس إسم اختصر  بالـPPE. 

هنا تبدأ الرحلة. صراع ما بين الواجب والحذر. يصبح للشهيق والزفير في الذهن عداد نسمعه لأول مرة خلال طريقنا لإسعاف المريض. 

للمريض أيضاً لباس خاص وكمّامة، ينتقل معها برفقة صديق الرحلة إلى المقصورة الخلفية لسيارة الإسعاف والتي هي معزولة بشكلٍ تام، من خلال مادتي البلاستيك والنايلون. يحرص المسعف على طمأنة المريض كي لا يُصاب بالذعر. 

مع انطلاقنا باتجاه المستشفى، يبدأ التواصل ما بين المسعف الذي يكون مع المريض والمسعف الذي يقود الآلية. صلة الوصل هي 3 لمبات تحمل ألوان إشارات السير، يملك المسعف في الخلف أزرارها. تشير ألوانها إلى درجة الخطورة للتواصل بين بعضهم بلغة خاصة من دون كلام. الأحمر يعني زيادة السرعة، الأخضر قيادة عادية.

ترتفع حرارة الجسم عند ارتداء لباس العزل. لكن المهمة الإنسانية واندفاع المسعف للقيام بواجبه تُنسيه هذه الحرارة. الهدف واحد ، التركيز على صحة المصاب أولًا والوقاية من عدم انتقال الوباء ثانياً، وصولاً إلى المستشفى. 

بعد دخول المصاب إلى المستشفى، تبدأ خطوات خلع الـ ppe والتخلّص منه، فالزيّ الذي يكلف كل مهمة نقل مريض قرابة 850$ للطاقم، سوف يتحوّل إلى قمّامة صحية، داخل قسم خاص في المشافي المُعدّة لاستقبال مرضى الفيروس. 

نزع قناع الوجه، ثم زوج القفازات الأول بطريقة مُحترِفة، وخلع بدلة "رائد الفضاء"، وصولاً إلى أكياس مُخصّصة وزوج القفازات الثاني المُلتصق بها، ومن ثم عودة لارتداء قفازات مُعقّمة لخلع النظارات البلاستيكية والكمّامة الطبية، هنا يكون الشعور بالخروج من تحت الماء، ويتم التخلّص منها في كيس ثان مع القفازات ورميها في مستوعب للنفايات الطبية.

 في هذه الأثناء، يقوم فريق عمل في المستشفى بتعقيم كامل سيارة الصليب الأحمر اللبناني استعداداً لمهمة إنسانية جديدة مع أمل تحقيق النصر على هذا الوباء المجهول.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد الساحلي

مراسل الميادين