"الحريديم" في زمن كورونا: ضعف "إسرائيل" في قوّتها

يشكل "الحريديم" خصوصية لدى السلطات الإسرائيلية، كشفتها أكثر الطريقة التي تعاطت بها حكومة بنيامين نتنياهو معهم خلال أزمة كورونا. وإذا كانت الأسباب السياسية هي الحاكم في تلك العلاقة وما يرتبط بموضوع "يهودية الدولة"، يعيش فلسطينيو الداخل الفلسطيني المحتل تبعات الأسباب ذاتها لكن بأوجهٍ مختلفة.

  • "الحريديم" في زمن كورونا: ضعف "إسرائيل" في قوّتها
    يرى اليهود "الحَرِيدِيم" أن ملجأهم للخلاص من الجائحة والمصائب هو التمسك بالتوراة فقط كما هي عادتهم مع أي تهديد.

أظهرت جائحة كورونا التي تلقي بظلالها على كيان الاحتلال الإسرائيلي صورة أوضح عن الانقسام الحاد الذي يعاني منه "المجتمع الإسرائيلي" جراء التباعد بين التيارات المختلفة. 

وبعيداً عن الأعراق والإثنيّات والانتماءات السياسية، ينقسم اليهود في كيان الاحتلال إلى تيّارين أساسيين: الأول هو "العلماني الليبرالي"، الذي يشكّل الأغلبية، ويرى في اليهودية "قومية" أكثر من كونها ديناً، والآخر هو "الحَرِيدِي" أو التيّار اليهودي الأرثوذكسي المتديّن الذي يتّصف أتباعه بالتطرُّف الدّيني عادةً، ويتوزّعون في مناطق وحارات خاصة بهم في الداخل أو في مستوطنات الضفة الغربية.

يرى اليهود "الحَرِيدِيم" أن ملجأهم للخلاص من الجائحة والمصائب هو التمسك بالتوراة فقط، كما هي عادتهم مع أي تهديد. لذا هُم يكرّسون حياتهم لأجل ذلك، ولم يجدوا في جائحة كورونا أي مصدر يدعو إلى القلق، الأمر الذي جعل مدينة "بني براك"، الواقعة شرق "تل أبيب"، والتي تعد "أكبر تجمّع للحَرِيدِيم الغربيين"، تسجّل النسبة الأعلى من المصابين بفيروس كورونا في غضون أسبوعين فقط، ما دفع أوساطاً إسرائيلية في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام من تيارات أخرى إلى اتّهام "الحَرِيدِيم" بأنهم المسبّب الرئيسي لانتشار الجائحة في كيان الاحتلال، لعدم امتثالهم للقيود التي تفرضها حكومة الاحتلال. 

وتُشير التقديرات إلى أن معظم المرضى في "بني براك" لا يمكنهم عزل أنفسهم، لكونهم يعيشون في أُسرٍ كبيرة، وفي شقق صغيرة ومزدحمة، وهو ما يستدعي تدخلاً من السلطات للقيام بعملية إجلاءٍ. 

وعلى الرغم من ذلك، بقيَ "للحَرِيدِيم" خصوصية معيّنة أجبرت حكومة بنيامين نتنياهو على مجاملتهم بدلاً من فرض قراراتها عليهم بالقوة، رغم ما يسببونه من ضررٍ يطال "المجتمع الإسرائيلي" ككلّ، ورفضهم في معظم الأحيان توجيهات سلطات الاحتلال، وعدوانيّتهم بالتعبير عن معتقداتهم.

تلك الخصوصية تحدّث عنها الإعلام الإسرائيلي بشكلٍ مكثف خلال الأيام الأخيرة، وكانت مثار جدلٍ في الأوساط الإسرائيلية. موقع "واينِت" الإسرائيلي كشف عن خطة حكومية لإجلاء 4500 مسنّ من منطقة "بني براك"، حفاظاً على سلامتهم، إلى فنادق صغيرة تحت إدارة قيادة الجبهة الداخلية، وذلك بطلب الوزراء بينيت ودرعي وكحلون. 

ومن ضمن الخطة سارية المفعول، إضافة تعزيزات من الجيش والشرطة لمساعدة سكان "بني براك" في الحصول على الدواء والغذاء وغيرها من المستلزمات اليومية، مع فرض حظر التجوّل والإغلاق الكامل مع عيد الفصح اليهودي. 

لكن خطة الإجلاء لم تنجح، وفق ما يؤكده الإعلام ذاته، فمن أصل 4500 مسنّ في "بني براك"، استجاب 20 فقط لهذه التعليمات، وبالتالي بقي مركز الاستيعاب الذي أعدّه جيش الاحتلال الإسرائيلي ووزارة الأمن لإجلائهم في منطقة "رامات غان" الملاصقة لـ"بني براك" فارغاً. 

حاولت بلدية "رامات غان" أيضاً وضع جدار شائك بينها وبين "بني براك"، منعاً لانتقال سكّان الأخيرة إليها، ولكن المحاولة باءت بالفشل، إذ قام أعضاء في بلدية "بني براك" بإزالة الجدار والمرور بشكل طبيعي، رغم تواجد قوات الشرطة والجيش أمامهم، لتعلن وزارة داخلية الاحتلال لاحقاً أن بناء الجدران ليس من صلاحية البلديات. 

من جهتها، عرضت "القناة 13" الإسرائيلية مشاهد من مطار "بن غوريون" لمستوطنين وسيّاح يهود، معظمهم من "الحَرِيديم" القادمين من الولايات المتّحدة، إذ لم يتم إجبارهم على الحجر الصحّي أو عزلهم في فنادق صغيرة مخصّصة لهم، بل انتقلوا بسيارات الأجرة والباصات بشكل اعتيادي.

 وفي السياق ذاته، استعرضت الصحافية الإسرائيلية في "القناة 12"، نيتع حيتر، في مقال لها، تقاعُس الشرطة الإسرائيلية في اتخاذ الإجراءات اللازمة في أوساط "الحريديم"، مشيرةً إلى أن "الشرطة تلاحق راكب درّاجة في الحديقة، وتتجاهل جنازة يشارك فيها 400 "حَرِيدي" أرثوذكسي متشدد، أو حفل زفاف، أو صعود 65 يهودياً من سكان نيويورك إلى الطائرة قادمين إلى المدن الإسرائيلية من دون الإبلاغ عن إصابتهم بكورونا". 

وتحدثت حيتر عن أن شرطة الاحتلال تتجاهل فرضية تناول "الحَرِيديم" أقراصاً مخفّضة للحرارة قبل الصعود إلى الطائرة، فيما أمر وزير الصحة الإسرائيلي يعكوف ليتسمان، "الحَريدي" من حزب "يهدوت هَتوراه"، المصاب بكورونا، بـ"إحضار جثث ضحايا كورونا اليهود إلى إسرائيل، على الرغم من المخاطر المُترتّبة على الأمر"، وفق حيتر. 

وخلافاً للضجّة حول "الحَريديم" في وسائل الإعلام والأوساط الإسرائيلية، فإن المستويات السياسية والأمنِية في كيان الاحتلال تحاول قدر الإمكان احتواءهم لأهداف تتعلق بشكل خاص بمصالح نتنياهو السياسية وقادة الاحتلال بشكلٍ عام، ولا سيما أن كتلة اليمين الإسرائيلي التي يتزعمها في "الكنيست" حزب "الليكود" برئاسة نتنياهو، متحالفة سياسياً مع أحزاب "الحَريديم"، وتحديداً "شاس" و"يهدوت هتوراه"، اللذان يروجان لوجوب حكم "دولة" الاحتلال بشريعة التوراة، وهو تحديداً ما يجعل سلطات الاحتلال تتردد في فرض النظام بالقوة، لأن الأمر له أهمية سياسية تخدم المشاريع الصهيونية، إضافة إلى حرص السلطات على تماسك "الدولة اليهودية"، نظراً إلى ما يشكله وجود "الحريديم" من قاعدة أساسية لتلك "الدولة". 

تلك السياسات ظهرت في تصريح لمسؤول الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي، تَمير يدْعي، بما يخص الإجراءات المتبعة في "بني براك"، بتأكيده أنه "لا يتم فرض شيء بالقوة". 

ورغم اعترافه بوجود مشاكل في المدينة، ورغبة سلطات الاحتلال في إجلاء مرضى كورونا منها، فإنه قال: "لم ننجح في ذلك حتى اللحظة، ولكن المؤكّد أننا لن نعتقل أو نوقف أحداً". 

بدوره، أشار رئيس كتلة حزب "الليكود" في المجلس البلدي في "بني براك"، ورئيس "طاقم الحريديم" في الحزب، يعقوب فيدر، إلى أن "بني براك متجهة نحو كارثة إنسانية خطرها أكبر من كورونا". 

وقال في تصريح لـ"القناة 7" التابعة للمستوطنين "الحريديم"، إن "هذا ليس الوقت المثالي لمعاقبتهم على تصرفاتهم"، على حد تعبيره. 

على النقيض من ذلك، تستغل السلطات الإسرائيلية جائحة كورونا للاعتقالات والممارسات العدائية تجاه الفلسطينيين في الداخل المحتل، الذين، وإن كان لدى معظمهم مشكلة في أصل العلاقة مع سلطات الاحتلال، إلا أنهم يتعرضون لمشكلة أكبر تتعلق بزيف ادعاءات تلك السلطات في علاقتها معهم، فإضافة إلى أن حكومة نتنياهو لم تُقدّم أياً من الخدمات المذكورة أعلاه للأوساط العربية الفلسطينية، فإن حديثها تمحور بمجمله حول "العقوبات، والمخالفات، والاعتقالات، ومُحاكمة المخالفين"، أي أنه جاء في سياق التهديد. 

ولعلّ ما شهِدَتهُ مدينة يافا المحتلة، الأربعاء الماضي، من اعتداء على السّكان الفلسطينيين في حي "العجمي"، والذي تطور إلى اشتباكات بين سكان الحي والشرطة الإسرائيلية، يؤكد الاستغلال وسياسة الاحتلال الممنهجة التي تنتهز أقل الفرص لإظهار عنصريتها، إذ سارعت الشرطة، برفقة القوات الخاصة للجيش، إلى إغلاق الشارع الرئيسي المؤدّي إلى حيّ "العجمي"، إثر اعتقال رجل بحجّة انتهاكه تعليمات وزارة الصحة الإسرائيلية، والقبض على أفراد عائلته بأكملها بطريقة وحشية في وقت لاحق، وذلك في ظل انتشار قوات الشرطة الإسرائيلية في مداخل القرى والمدن العربية الفلسطينية لتفتيش السيارات، وتوزيع المخالفات على أصحابها، وإغلاق المحال التجارية والدكاكين، وتغريم المخالفين بمبالغ طائلة، بينما تكتفي بإنذارهم في "المدن اليهودية". 

  • السلطات الإسرائيلية تعتدي على السكان العرب في مدينة يافا بالداخل الفلسطيني المحتل
    السلطات الإسرائيلية تعتدي على السكان العرب في مدينة يافا بالداخل الفلسطيني المحتل
  • السكان العرب بمدينة يافا في الداخل الفلسطيني المحتل يتصدون لاعتداءات القوات الإسرائيلية
    السكان العرب بمدينة يافا في الداخل الفلسطيني المحتل يتصدون لاعتداءات القوات الإسرائيلية

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
لميس عزام

كاتبة فلسطينية

إقرأ للكاتب

الدّاخل المحتل يحيي "يوم الأرض".. أكثر تمسكاً بالهوية التاريخية

تعامُل الاحتلال الإسرائيلي مع "يوم الأرض" اتخذ أوجُهاً مختلفة، فسعت السلطة الإسرائيلية عبر...