فوكوياما لم ينتظر كورونا.. الحضارة الغربية ونهاية التاريخ

لقد سعت الحضارة الغربية نحو الربح المادي لغَرَض الربح فكسبت كل شيء لكنها خسرت الإنسان.

  • أوروبا وأميرك وعبر شركات التأمين ربما يحاولون التخلّص من كِبار السن باعتبارهم عالة مُكلِفة

كثيرة هي الكُتب التي ينتقد فيها مُفكّرون وفلاسفة غربيون الحضارة الغربية على اعتبار أن أهل تلك الحضارة أدرى بشعابها. وعلى سبيل المثال ينتقد الفيلسوف هربرت ماركيوز في كتابه (الإنسان ذو البُعد الواحد) إنسان الحضارة الغربية بالقول بأنه إنسان استغنى عن الحرية بوَهْمِ الحرية، وأن الحرية الوحيدة التي منحته إياها الحضارة الغربية تشبه حرية العبد في اختيار أسياده فقط ولذلك وَسَم الإنسان الغربي بأنه ذو بُعد واحد فقط.

وقد وصف روجيه جارودي كذلك في كتابه (حفّارو القبور: الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها) الحضارة الغربية بأنها تحفر قبرها بيدها من خلال بعض المظاهر ومنها التعامُل مع الإنسان باعتباره مُجرَّد شيء مادي، ترس في عجلة كبيرة، سلعة لها ثمن ويمكن أن يكون له تاريخ صلاحية وتاريخ انتهاء. ويرى كذلك أن الحقوق الأساسية للمواطن ـ من تعليم وإسكان ورعاية صحيةـ أصبحت سِلعاً تخضع للسوق كأية سلعةِ أخرى، ودخلت السياسة دوَّامة التسوّق، فكل عمل له ثمن حتى الحملات الانتخابية لأعضاء الكونغرس أو الرئاسة أصبح لها ثمن، ويرى جارودي في الولايات المتحدة الأميركية شركة للإنتاج يجمعها بصفةٍ أساسيةٍ هدف واحد: الربح والمال.

ما قاله جارودي ـ قبل عقدين من الزمن ـ عن أميركا خصوصاً تؤكّده تصرّفات دونالد ترامب وما قال عن الحضارة الغربية هو عين ما هو حاصِل اليوم في الغرب ـ جرَّاء انتشار فيروس كورونا. فالأخبار الوارِدة من هناك تقول أن أوروبا وأميركاـ وعبر شركات التأمين ـ ربما تحاول التخلّص من كِبار السن باعتبارهم عالة مُكلِفة أو حمّالة زائدة بالنسبة لأُسَرِهم وللدولة ولشركات التأمين أيضاً، وربما كان ظهور الفيروس سبباً للتخلّص منهم خصوصاً وأن عدد الوفيات في إيطاليا وإسبانيا وأميركا هم من كبار السن، لأن المستشفيات حال استقبالها للمرضى كانت تُعطي الأسّرِة للشباب وتفضلّهم على كِبار السن وكذلك فعل الأطباء، فهم كانوا ينزعون أجهزة التنفّس من فوق وجوه كِبار السن ويعطونها للشباب، باعتبار أنهم قد أخذوا نصيبهم من الدنيا ويجب أن يرحلوا ويفسحوا المجال للشباب.

هذا التعامُل هو بخلاف تعامُل الشعوب الشرقية والإسلامية مع المُسنين، لقد جعل الإسلام احترام كبار السن ـ خصوصاً الوالدين ـ من ضمن تعاليمه التي حرص على تلقينها للشباب وقرن بين عبادته والإحسان للوالدين وجعله سرّ السعادة في الدنيا والآخرة. انظروا كيف تعاملت دولة إيران الإسلامية مع انتشار فيروس كورونا باهتمامٍ مع كل الأعمار وخصوصاً كبار السن رغم الحصار وشحّة الإمكانيات، مقابل تعامُل إيطاليا وإسبانيا وأميركا لتعرفوا الفرق بين الحضارة المادية الغربية وتعاليم الإسلام الراقية.

لم يكن فيروس كورونا ديمقراطياً في تعامله مع الدول، ولم يفرِّق بين أنظمة تدّعي الديمقراطية وأخرى يتم وَصْمَها بأنها ديكتاتورية ولا تحترم حقوق الإنسان. فضح كورونا كل تلك البروباغندا وأثبت أن دولة مثل الصين أكثر احتراماً لكرامة الإنسان وصحته ولا تفرّق في نظامها الصحي بين مواطنيها على أساس السن كما فعلت الأنظمة التي تتشدّق بحقوق الإنسان متى ما كان غربياً وأبيض وشاباً أيضاً.

لقد كشف فيروس كورونا عورة الحضارة الغربية المادية برمّتها وفضح هشاشة نظامها الصحي والاجتماعي الذي يعتمد على عولمة الاقتصاد وخصخصته وعرّى اقتصادات دول كبرى  تتّكئ على الخدمات أكثر من اتكائها على الإنتاج، وهي الدول التي قوّت الشركات وأضعفت الدول نفسها فجعلت من الدولة شركة صغيرة في مهامها ومن الشركات دولاً كبيرة تقوم بكل أدوار الدولة. كما أثبت الفيروس أن دولاً بحجم الصين وروسيا وإيران وكوبا لديها أنظمة صحية مُتفوّقة على أنظمة دول تُصنَّف على أنها عُظمى بمراحل، وكشف أقنعة عن دول صنع الإعلام حولها هالة أثبت الواقع أنها مُزيّفة. وعلى سبيل المثال تؤكِّد المعلومات، أن الولايات المتحدة تستورد "80 إلى 90%" من لقاحات المُضادّات الحيوية المختلفة من الصين  و"70% من الأدوية المُسكّنة للآلام"، كما نقلت شبكة "فوكس نيوز" في 19 آذار/مارس الماضي، نقلاً عن مجلس العلاقات الخارجية. ولا ننسى كذلك أجهزة التنفّس الاصطناعي والكمّامات التي تنتج منها الصين 100 مليون يومياً وتصدّرها إلى أميركا وكل دول أوروبا وأشعلت حرباً غير مُعلنة عنها.

 لقد تفوّق نظام الدولة المركزية القوية المُرتَكِز على أسس اشتراكية مُعدّلة والمُعتَمِد على قوَّة الأيدي العاملة المُنتجة للسلع على نظام الشركات الرأسمالية المتوحّشة العابرة للقارات، المعتمدة على قوّة رأس المال المُنتَج للخدمات والتي تسعى نحو الربح لأجل الربح فقط ولا قيمة للإنسان لديها.

وكم كان الفيلسوف الأميركي ـ من أصلٍ ياباني ـ فوكوياما مُخطئاً عندما تصوَّر في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) في بداية تسعينيات القرن المنصرم، أن التاريخ قد توقّف عند النموذج الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي الأميركي على وجه الخصوص، وأن العقل البشري وصل إلى أقصى تطوّره مع ذلك النظام، وأن الإنسان الأخير هو الكاوبوي الأميركي الذي سوف يسيطر على العالم ويفرض قِيَمه عليه. ولم يكن فوكوياما يتوقّع أن فيروساً لا يُرى، ربما يكون قد أنهى تاريخ النظام الرأسمالي المتوحّش وجعل الكابوي الأميركي هو الأخير فعلاً في حَلَبَة السباق التي تصدّرها الصيني والروسي والإيراني.

لقد سعت الحضارة الغربية نحو الربح المادي  لغَرَض الربح فكسبت كل شيء لكنها مع الأسف خسرت الإنسان.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عرفات الرميمة

كاتب وأكاديمي من اليمن

إقرأ للكاتب

سقوط النماذج وبداية عصر النهايات في الحضارة الغربية

لقد تنبّأ الفيلسوف روجيه جارودي في العام 1998م بأن البديل للعولمة والهيمنة الأميركية المتوحشة...

عن الباب والنافذة: السعودية و"إسرائيل"

 تقول السعودية إنها تحارب الحوثيين في اليمن كي لا يكونوا نسخة أخرى من حزب الله على حدودها، لأنها...

قصف العقول.. عن mbc وضرّاتها

ما تقوم به قناة mbc اليوم من بثّ مسلسلات التطبيع هو نوع من تنافس الضرائر كي تظهر أن السعودية...

عن مبادرات السلام في اليمن.. وجهة نظر

بحسب المقولة المنسوبة إلى الفيلسوف أرسطو، إن غاية الحرب هي الوصول إلى السلام، ومن هنا جاء المثل...

إبن سلمان والمسمار الأخير.. السقوط الوشيك لمملكة الرمال

نشر موقع "ديفينس وان" الأميركي المُتخصّص في شؤون الدفاع قبل عامين تقريباً تقريراً بعنوان "أبدأوا...