انحراف فرنسا عن دولة الرعاية.. شركات الأدوية تقوّض الصحّة

لماذا بقيت السياسات الصحية بعيدة عن المصلحة العامة؟ الإجابة يمكن تلمسها من خلال شهادة أدلين مونييه التي عملت لسنواتٍ طويلةٍ في وزارة الصحة ومجلس النواب الفرنسيين، قبل أن تستقيل بفعل الحقائق المُكتَشفة الصادِمة.

  • انحراف فرنسا عن دولة الرعاية.. شركات الأدوية تقوّض الصحّة
    بدء الحَظْر ترافق مع إيعاز إلى الفرنسيين بالتوجّه إلى مكاتب الاقتراع للدورة الأولى للبلديات

في الغرب، بات من الواضح أن دولة الرعاية لم تنفق على الأبحاث والعلوم كما أنفقت على السلاح وما يجرّه من ربحِ سريع. لم نجد مَن يغامر بالعمل على دواء مصيري للبشرية، مقابل مردود قليل وأرباح ليست أكبر بكثير من كلفته. لذا، تبقى البحوث الطبية والبيولوجية مُهمَلة، لكونها غير مموَّلة، ولأن الإنفاق على التكنولوجيا والاقتصاد أهم من الاستثمار في العلوم.

أجريت دراسة مقارنة بُعيد انتشار فيروس كورونا في أوروبا بين منظومتين صحيّتين، واستندت إلى 16 دولة غربية هي الأكثر تأثّراً بالفيروس التاجي والولايات المتحدة، مقابل روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقاً، وخلصت إلى أن النظام الصحّي في الأخيرة، بإيلائه الاهتمام للإنسان، وليس بتحويله إلى سلعة، يُفسّر أن تكون الإصابات في المنظومة الثانية أقل 120 مرة من الأولى.

كان ذهول الناس كبيراً عندما بدت حكوماتهم شبه مشلولة أمام الفيروس عند بدء تفشّيه، وعاجزة عن المواجهة السريعة والفعّالة له. أنظمة غربية لطالما صَدَحت بالديموقراطية وحماية حياة الإنسان وصحّته، بانت أوْهَن من بيت العنكبوت مع انهيار أنظمتها الصحية، ولا سيما عندما أغلقت أبوابها على مَن احتاجها لمساعدته، وقرْصَنت طائرات وبواخر كانت تحمل مساعدات لسواها، من أقنعةٍ واقيةٍ وملابس ومعدّات طبية، في الوقت الذي توجّهت دولة كوبا المُحاصَرة منذ العام 1962، بمعدّاتها وأطقمها الطبية، للتبرّع بما تمتلك، وللمُساعدة بخبراتها لتلبية طلبات بلدان عديدة في العالم، آخرها أفريقيا الجنوبية، مُقدّمة المثل الأنصع في التضامن الإنساني. 

لقد أنتجت كوبا، بالتعاون مع الصين، دواء "أنترفرون ألفا" المُضاد الفيروسي، الذي تمّت تجربته على 1500 مصاب شفوا جميعاً. وبحُكم تعاونها مع بلدان أميركا الجنوبية، عالجت طوال سنوات ماضية 85 مليون مريض، ولقّحت أكثر من 9 ملايين. إنها نجاحات تجعل الرئيس الأميركي يستشيط غضباً، مشدِّداً عقوباته، في الوقت الذي لا تشكّل كوبا أيّ تهديد لبلده.

في فرنسا التي أعيش فيها منذ 4 عقود ونيف، أتفاجأ كل مرة أغيب عنها وأعود إليها بالتدهور الذي يطال مظاهر جمّة تبدو واضحة للمُراقِب المُتابِع، فالسياسات التي اتُبِعَت فيها، من حَجْرٍ قسري لـ67 مليون شخص في المنزل، ووقف الدراسة والعمل، من دون الاعتماد على الفحص الأوّلي واستعمال وسائل الوقاية، لم ولن تقدّم جواباً شافياً للوقاية من الفيروس، لا حالياً ولا في المستقبل.

هذه الإجراءات لم تكن سوى الطريقة المتوافرة لمواجهة تداعيات تفكيك النظام الصحّي ونقص الأسرَّة ومحاليل الفحوصات والمعدّات الواقية وأجهزة التنفّس وغيرها.

لماذا، إذاً، بقيت السياسات الصحية بعيدة عن المصلحة العامة؟ محاولة الإجابة أستهلّها بشهادةٍ لأدلين مونييه التي عملت لسنواتٍ طويلةٍ في وزارة الصحة الفرنسية ومجلس النواب، قبل أن تستقيل بفعل الحقائق المُكتَشفة الصادِمة.

 تبدأ مونييه من مقاعد الجامعة التي جمعتها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومباريات التصفية التي فرضت التخلّي عن حرية الرأي والحسّ النقدي وكل ما لا يتناسب والشهادة التي تؤهّل لشغل مناصب عُليا في الدولة، التي يحتلّها بالمناسبة الكثير من أبناء المسؤولين من دون كفاءة بالضرورة. وتتوقّف مونييه مطوّلاً عند النفوذ الكبير لشركات الأدوية على مجلس النواب ونقاباته، والذين تأتيهم القوانين من طرفها، شبه مُعلَّبة وجاهزة للإقرار. كما تسلط الضوء على البيروقراطية الإدارية التي تكاد تعطّل العمل في الدوائر، وتؤدي إلى تغيير الوزراء ومعاونيهم المستمر، بما يُنتج الفوضى، ويمحو الذاكرة، ويطوي الملفات في الأدراج. 

أما النواب والوزراء الذين تعاقبوا خلال فترة وجودها في وظيفتها لـ15 عاماً، فهَمّهم يقتصر على مستقبلهم المهني والسياسي، فهم ليسوا سوى لاعبين على مسرح تُديره لوبيات ضغط تتحكّم بالمشهد، بينما الهوّة تتّسع بين الشعب ومَن يحكمه، والمسؤول الأعلى يأمر ويُطاع من دون اعتراض، والصحافة والإعلام المُرتشيان يُطبّلان.

تأكيداً على هذا الكلام، حظي الإعلام بعطاءاتٍ من الحكومة الفرنسية في العام 2017 على سبيل المثال، بما مقداره 1.8 مليار يورو، منها 130 مليوناً على شكل مساعدات مباشرة.

 أما نفوذ شركات الدواء، فهو في فرنسا أكبر منه في أيّ بلد آخر. مختبر "جلعاد" الذي يشكّل أحد أطراف هذا اللوبي المهم، صرف ما قيمته 65 مليون دولار خلال السنوات السبع الأخيرة، ليتواجد في كواليس البرلمان، ويمارس نفوذه على مواقع القرار السياسي. 

أحد أدويته ضد الفيروس التاجي، والذي يكلّف عدّة أضعاف دواء الكلوركين، تمّت تجربته في دراسة "ديسكوفري" التي شملت أيضاً الكلوروكين، لكن من دون إضافة المُضاد الحيوي المُستَعمَل مع الكلوروكين، مع إعطائه في المرحلة الأخيرة لتفشّي الفيروس في الجهاز التنفّسي، وليس قبل أن تحصل الهبّة الفيروسية، مثلما فعل ديديه راوول مع مرضاه. وما زال الأطباء ممنوعين حتى الساعة من وصفه.

وزيرة الصحة السابقة، أنييس بيزين، التي عملت 14 سنة لصالح شركات أدوية عدّة، ما إن وصلت إلى الوزارة حتى فرضت تلقيح المواليد الجُدُد بـ11 لقاحاً بدل 3 سابقاً، مع ما يعنيه ذلك من أرباحٍ طائلةٍ للشركات مقابل تأثيرات مُرعِبة في حديثي الولادة. 

وقبيل استقالتها للمشاركة في انتخابات بلدية باريس، منعت بيزين في 13 كانون الثاني/يناير بيع الكلوروكين لمَن يشاء كما كان سائداً منذ زمن طويل، في الوقت الذي كانت تُجرى دراسة لتبيان تأثير هذا الدواء في الصين، بما يدعو إلى الاعتقاد بأنها كانت على عِلم بالنتائج الإيجابية التي يحقّقها الدواء. تلك الدراسة تستند إلى مقالات سبق أن نشرت في الأعوام 2008 و2013 و2015 عن علاقة الكلوروكين بفيروس كورونا، قبل أن يتحوّل إلى "كوفيد 19". واليوم، ثمة عرائض تجمع مئات آلاف التواقيع لمُحاسبة هذه الوزيرة ورئيس الوزراء إدوارد فيليب، لتضحيتهما بحياة المواطنين.

يمكنني أن أجزم أنه وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، أي أكثر من 5 أسابيع على بدء الحَجْر المنزلي، ما من معملٍ بدأ على الأقل بتصنيع كمّامات ما زلنا نفتقدها حتى الساعة، ويتمّ استجداء بعضها من الخارج، فيما الموجود غير كافٍ، في الوقت الذي نجد بلداناً مُحاصَرة اقتصادياً منذ عقودٍ، كإيران، التي تُحرَم كذلك من حقّها بمساعدات المؤسّسات الدولية، تحوّل المصانع لإنتاج أقنعة، بما يغطّي حاجتها اليومية ويزيد عليها أيضاً.

أما المحاليل المُخصّصة للاختبارات وكشف الفيروس، فلم تستعمل بمقدار كافٍ كما في بعض البلدان الأخرى. ونجد وزير الصحة الحالي يُصرِّح مُنتصف نيسان/أبريل بأنه كان بالإمكان زيادة إنتاجها إلى الضعف أو أكثر - ما بين 150 ألفاً إلى 300 ألف أسبوعياً بدل 70 ألفاً - في الوقت الذي كانت ألمانيا تنتج منها 7 أضعاف. (اعتمدت في جزء من مُقاربتي على معلوماتٍ طبيةٍ لمجموعات أطباء، منهم أريك مينا وتييري شميت، وصحافيين يعملون بشكلٍ مستقلٍ بعيداً من إغراءات شركات الأدوية وعطاءاتها، ويقدّمون مُعطيات موثّقة).

بخصوص الأسرَّة في المستشفيات الفرنسية لاستقبال الحالات الطارئة، يظهر أن إيمانويل ماكرون عندما كان وزيراً للاقتصاد في حكومة فرنسوا هولاند، قرَّر الاستغناء عن 13000 سرير. وعندما انتخب رئيساً، أضاف إلى هذا العدد 4000 سرير آخر، وهو اليوم يتحدّث في خطاباته عن الحرب التي يخوضها ضد الفيروس وعن ضرورة إيجاد لقاح للقضاء عليه بكل الوسائل المُتاحة.

 أما أولئك الذين نصفّق لهم يومياً مساءً من النوافذ والشُرفات لقيامهم بمهمّات شاقّة على الجبهة الأمامية في المستشفيات، فثمة 596 عاملاً في الجسم الطبي سُرّحوا من عملهم في منطقة في شرقي فرنسا في أشدّ أيام أزمة الفيروس وطأة. كما توفّى 6500 شخص في مأوى العَجَزَة في يوم 16 نيسان/أبريل وحده، من دون السماح بتواجد عوائلهم أو تدخّلها، حيث كُثُرت الشكاوى من قطع الاتصال مع المُسنّين وعدم معرفة شيء عنهم.

هل للكلمات أن تعبِّر عن الكمِّ الهائل من الغضب والأحزان التي جعلت كبار السن يموتون لوحدهم بعيدين عمَّن يودّعهم ويمسك يدهم في رحلتهم إلى العالم الآخر؟ هناك مَن يقبع في برجه العاجي، ولم يستشرهم ويسمعهم بما خصّ حياتهم، بل اتخذ بمفرده قراراً بعزلهم بحجّة حمايتهم من الفيروس. 

كثر ماتوا من دون أن يصابوا بالفيروس، بل تركوا أنفسهم يموتون ببطءٍ، لأنهم لم يتحمّلوا هذا القرار الذي نزل عليهم من علياء. عومِلوا ككميةِ لحمٍ بشري لا جدوى منه، وكأن لا قيمة لمشاعرهم وماضيهم وتاريخهم وما أسدوه لمجتمعهم! هل هذا ما بات ينتظر مَن هم في سن الشيخوخة أو يعانون من أمراض، أو حتى الشباب العاطل من العمل، لأنهم يكلّفون الدولة ما دفعوه بالتقسيط ومُسبقاً ليحفظوا حقّهم في شيخوخةٍ تحترم آدمية الإنسان؟

ولا ننسى هنا أن بدء الحَظْر ترافق مع إيعاز إلى الفرنسيين بالتوجّه إلى مكاتب الاقتراع للدورة الأولى للبلديات، في الوقت الذي قيل لهم إن الاختلاط ينشر الفيروس. رسائل مُتضارِبة لا تدعو بطبيعة الحال إلى الطمأنينة لمَن يقودون دفّة الحُكم، لكن خلال الوقت الطويل نسبياً للحظر، كانت الساحة شبه خالية للساسة لتعليق ما أمكن من حريات التنقّل والتجمّع والتظاهُر (هي فقط محظورة في القوانين العرفية أو الانقلابات). كما هدأت الاحتجاجات ضد النظام التقاعُدي الذي علّق العمل على إصلاحه حالياً.

أما المُعطيات التي تُجمع عن الفرنسيين عبر تنزيل التطبيق الذي يستعمل للتصريح بالخروج من المنزل، فهي ستبقى في أرشيف الدوائر الحكومية المُختصّة للاستعمال عند الحاجة. مَن يضمن ألا يتمّ إغناء محتويات الملفات الشخصية ومراقبة كل فرد عن بُعد واستعمالها عند اللزوم؟ أليس هذا ما هو حاصل في الصين، ويُقال إنه طُبِّق في إيطاليا، وهو ما تمّ التحذير منه منذ 7 سنوات في فرنسا حين جرى التجهيز لاستقبال الجيل الخامس؟ 

في باريس وحدها، نصبت 1200 كاميرا بحجّة تنظيم السير، ويبدو أن 2 كلم تفصل كل كاميرا عن الأخرى على الطرقات السريعة خارج العاصمة، فإذا كانت الحكومات تستطيع أن تُحصي الأنفاس، هل مَن يعترض أو يُسائِل أو أننا ما زلنا نصدِّق أننا نعيش في كَنَفِ دولةٍ ديموقراطيةٍ، بينما الأمر نفسه في الصين يُسمَّى فاشية أو أتوقراطية؟ 

أجل، تسطو الدولة، لا على أعمار البشر فقط، بل على ما في الجيوب أيضاً، وهذا ما ستندفع إلى فرضه بالقوّة في زمن ما بعد كورونا، وهو ما سنتطرّق إليه في مقال قادم، وسنسأل عمَّن سيدفع النقص في المداخيل وكيف!؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فيوليت داغر

دكتورة مختصة في علم النفس وناشطة حقوقية، ترأس اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

إقرأ للكاتب

كورونا مفتاح ما يخبئه المستقبل.. حقائق وتساؤلات

قد يكون لدينا مقدار مهم من الحظّ يجعلنا نعيش في خضمّ مرحلة مفصليّة مهمّة في تاريخ البشريّة، يقول...

خصائصها السحرية معروفة منذ القدم.. لماذا تمُنع نبتة "الأرتيميزيا" من التداول؟

تعمّم منظَّمة الصحة العالمية إرشادات تحضّ على استعمال دواء "لاريام" الخطير بدلاً من النبتة...

كورونا تفتح عيوننا على حقائق مغيّبة.. شركات الأدوية تضللنا

يبدو صحيحاً أنّ الكذب يجول الأرض كالأرنب مسرعاً، أما الحقيقة فتسير كالسلحفاة، وعندما تصل يكون...

هل غير المقاومة ما يعيد فلسطين والقدس؟

لم يكد الشهر الأول على نكسة 1967 يمضي، إلا وقد أزيل 5000 منزل وحارات بكاملها من الوجود، منها...

الضحك والمشاعر الإيجابية والرياضة.. أساليب فعاّلة ضد كورونا

ثبت أن الابتسام يهاجم الخلايا السرطانية، فالمستشفى الصيني في قوانغتشو أدرج علاج الابتسامة في...

نحو 150 ألف إنسان يموتون يومياً.. من يدفع الثمن بعد كورونا؟

يتوفّى طبيعياً في العالم نحو 150 ألف إنسان يومياً، وجرّاء الأمراض المُعدية بمعدّل 17 مليون...