حال المُشاهد.. من حيث لا يعلم

الخطورة تكمن في الطرح المباشر لقبول الآخر ومحاولة تطويع المجتمع والتأثير النفسي فيه، لتبرير فكرة استبدال كلمة عدو إلى أخ في الإنسانية، وإظهار أن التقصير يأتي من أصحاب القضية أنفسهم، فلماذا ينبغي أن نكون ملكيين أكثر من الملك؟!

  • حال المُشاهد.. من حيث لا يعلم
    ولماذا حدثت هذه الضجة الإعلامية التي سبقت عرض المسلسل؟

الدراما هي السلاح الأقوى للغزو الثقافي. لا يختلف إثنان على هذا الأمر، سواء بوجهها السلبي أو الإيجابي، وخصوصاً في المجتمع العربي، من ناحية التأثر، نظراً إلى الطبيعة السيكولوجية لمجتمعنا العاطفي، إلى درجة تجعله يتضامن ويتعاطف مع دور شخصية تعتبر نافرة من الناحية السلوكية في المجتمع، تماماً كما حصل ويحصل من تفاعل مع المسلسلات التركية.

من حيث لا يعلم، يصبح المشاهد مدافعاً عما يعتبره خطأ، لكون البطل أو البطلة في الفيلم هما من قام بهذا الفعل فقط، ونظراً إلى الطريقة التي تصوّر بها الدراما هذا السلوك الفردي وما تسوق له من مبررات.

أنطلق من هذه المقدمة لمحاولة فهم ما يجري التسويق له اليوم في الدراما الخليجية، وتحديداً في مسلسل "أم هارون"، تحت عنوان تجسيد واقع تاريخي يظهر التعايش بين اليهود والمسلمين في فترة ما قبل الهجرة اليهودية إلى فلسطين والاحتلال الإسرائيلي أو تزامناً معها.

وقد يتساءل البعض عن سبب السجال الحاد بين معارض ومستنكر لعرض هذا العمل الدرامي، بتهمة التطبيع مع "إسرائيل"، ومدافع يرى فيه تجسيداً لواقع مجتمع في حقبة معينة من الزمن، ويعتقد أنه لا يتعارض مع الهدف من الدراما التي تعتبر مرآة للواقع. 

نعم، اليهود جزء من المجتمع العربي. وفي أكثر من بلد عربي، لا تزال الأحياء اليهودية تدل على ذاتها، وبالتالي ما الضير في محاكاة هذا الواقع من خلال عمل درامي؟ ولماذا حدثت هذه الضجة الإعلامية التي سبقت عرض المسلسل والدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى مقاطعته؟ مع العلم أنّ الجميع يميّز بين اليهودي كصاحب ديانة سماوية والصهيوني الغاصب لأرض مقدسة!

الإجابة على هذا السؤال نجده في مكان آخر في "مخرج 7"، وهو مسلسل كوميدي لناصر القصبي، الممثل السعودي المعروف، وذلك عندما يطرح إشكالية في إحدى حلقاته عن مصادقة ولده لطفل إسرائيلي عبر الإنترنت، في نقاش يجمع الوالد مع الجدّ الذي لا يستهجن الفعل، ويعدّه أمراً طبيعياً، لا وبل يهاجم الفلسطينيين، ويعتبرهم ناكرين للجميل السعودي بدعم القضية الفلسطينية، على حد قوله! 

الخطورة تكمن هنا في هذا الطرح المباشر لقبول الآخر ومحاولة تطويع المجتمع والتأثير النفسي فيه، لتبرير فكرة استبدال كلمة عدو إلى أخ في الإنسانية، وإظهار أن التقصير يأتي من أصحاب القضية أنفسهم، فلماذا ينبغي أن نكون ملكيين أكثر من الملك!

والأكثر خطورة من هذا الطرح المباشر، في هذا الوقت الذي تعمل السعودية علناً للتطبيع مع العدو الإسرائيلي، هو مسلسل "أم هارون"، الذي يتولى بدوره الطرح الأعمق والأخطر وغير المباشر، فأم هارون شخصية مستوحاة من شخصية حقيقية، وفقاً لمنتجي المسلسل (شركة "الفهد" لحياة الفهد التي تجسد شخصية أم هارون)، وهي ممرضة يهودية من أصل تركي، تنقّلت وعاشت في دول الخليج العربي في تلك الفترة الزمنية.

وعندما تتابع حلقات المسلسل الذي يعرض على شاشة "أم بي سي"، ترى أنه يسرد أحداثاً اجتماعية لحارة مشتركة بين المسلمين واليهود، ويبيّن التضامن بين الجيران، كما النزعات العنصرية لدى البعض، كالحاخام مثلاً.

ومن دون أن تشعر، فإنك تعجب بشخصية أم هارون المتفانية مع جيرانها، فهم يلوذون بها في أسوأ حالاتهم، وهي تتدخل دائماً في الوقت المناسب، ولا تميز بين مسلم أو يهودي. قد نجد في تلك الفترة نموذجاً كأم هارون من اليهود العرب، ولكن كيف أصبحت بعد قيام الكيان الغاصب في فلسطين كـ"دولة" ليهود العالم أجمع؟ 

ربما ترفض أم هارون الهجرة إلى فلسطين في الأحداث القادمة، وفقاً لشخصيتها التي تميل إلى الحق، بحسب سيناريو العمل، لكن كم امرأة يهودية قد تفعل ذلك في الواقع!؟ النسبة ضئيلة جداً من اليهود العرب الذين ظلوا في بلدانهم العربية.

الجميع يعلم أنّ هناك يهوداً يعارضون قيام دولة لليهود على أرض فلسطين وسياسة الاحتلال تجاه الفلسطينيين، لكن أعدادهم قليلة جداً مقارنة مع المؤيدين والداعمين للاحتلال الصهيوني. 

خلاصة القول أنّ تقديم الشخصية اليهودية بهذا الشكل لا يرتبط بتاتاً بالغاية الإنسانية التي يبرر لها المدافعون عن العمل الدرامي، بقدر ما يرتبط بالغاية السياسية، وبطريقة دسّ السمّ بالعسل في عقول الجيل الجديد من الشباب العربي، الذي لم يعش تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي أو لم يطّلع عليه، بحكم قلة الثقافة أحياناً أو قلة الاهتمام، وهو ما عكسه بعض الناشطين بهاشتاغ "فلسطين ليست قضيتي" في مقابل هاشتاغ "فلسطين قضيتي".

أصبح النقاش اليوم يتم عبر الهاشتاغات، في وقت لم يكن أحد ليتصوّر أن يناقش عربي واحد بصدقية القضية الفلسطينية وأحقيتها. الهدف الأول تحقق بإيجاد ثغرة في الوعي العربي حول قضيته المركزية. أما الهدف الثاني، فيستكمل ربما بمسلسل التطبيع، عندما نجد الطفل الأول في مسلسل "مخرج 7" هو حفيد أم هارون المحبة للعرب!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زينب زعيتر

إعلامية لبنانية

إقرأ للكاتب

مبعوثو الدّولة العظمى في لبنان والعراق فوق القانون الدوليّ

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يأتي هذا الهجوم العلني على حزب الله في هذا الوقت، ومن السفارة...

قد يحين الوقت ولا نحتاج إلى حربٍ كبرى.. نهاية "إسرائيل"

إنه أحد السيناريوهات الواقعية و"غير الخيالية". تتغيّر ظروف المنطقة لصالح قوى المقاومة. يضعف...

بين لبنان والعراق.. ثورة الإنترنت وجيل"البوبجي"

الثورة الفايسبوكية اليوم لا تُشبه ثورة آرنست تشي غيفارا والثورات الشيوعية ولا غيرها في بلدان...