ما بعد التطبيع.. خطّة صناعة الحكم العربي مستقبلاً

تعتبر الوثيقة التي نحن بصددها، الأقرب إلى خطة "صفقة القرن"، والأكثر إدماجاً فيها وعكساً لروحها ومراميها التي ستصبغ في النهاية منظومة صناعة الحكم في البلدان المعنية بتطبيق التطبيع.

  • ما بعد التطبيع.. خطّة صناعة الحكم العربي مستقبلاً
    الدراسة: على "إسرائيل" تركيز بنية تحتية لتنفيذ المخططات

نقصد بعبارة ما بعد التطبيع الطور التنفيذي للتطبيع رسمياً وبنيوياً، وعلى نطاق واسع وطويل المدى، بشروط "آمنة" و"أخلاقية" و"ذات شرعية"، بحسب العبارات الصهيوأميركية. ويفترض ذلك ضمن هذا الإطار الأميركي - الصهيوني - العربي (الخليجي خصوصاً) تواصل الهيمنة الأحادية الأميركية لقرن أميركي آخر، وبالتوازي تواصل التفوق الصهيوني على القرار العربي الرسمي السائد.

أما بخصوص مصطلح "خطة"، فإننا نحاكي هنا في استخدام اللفظ خطة ما يعرف بـ"صفقة القرن"، وقبلها ما يعرف بخطة "ويز" الاستراتيجية. ومن البديهي أن يكون المنظور في هذا الصدد صهيونياً، وأن تكون الخطط بمثابة الشروط والأسس والرؤى والخلفيات بالمحددات والملامح العامة، وليس بتفصيل التخطيط الاستراتيجي، لا في المستوى الأمني والعسكري، ولا في المستوى الاقتصادي وسواهما، بينما في صناعة الحكم وتدبير الظروف والبيئات الضرورية لتطبيق ما يراه صناع ورعاة ومستخدمو أو مشغلو الطبقة الحاكمة أو المنصبة في الحكم بالأحرى، علينا أن نضيء على كيفيات إعداد بيادق المناصب (نبحث الأمر في حدود الرؤية المطلوبة، وليس في مستوى الإعداد بما هو اختبار وتأهيل وتدريب...)، والمطلوب منهم تنفيذ المهمات على نحو الوكيل أميركياً، وعلى نحو الحليف صهيونياً، بالنظر إلى الطرف الفلسطيني، وعلى نحو الرديف، بالنظر إلى ما يسميه الأميركي والصهيوني والعربي- الخليجي العدو المشترك الذي يشخصونه على أنه محور المقاومة.

ها هنا، تجدر ملاحظة كون صناعة الحكم المقصودة ليست عربية فحسب، وإنما عربية وإسلامية، تشمل تركيا وإيران، وتتجاوزهما في أفريقيا وآسيا خصوصاً، وهو ما تؤكده الخطط التي سنشير إلى ما يهمنا فيها في نطاق هذا المقال.

يبقى علينا أن نوضح المقصود بلفظ "مستقبلاً"، وإن كنا بصدد الاستشراف أو بصدد شيء ما مستقبلي، أو أننا نتتبع العمل التخطيطي الصهيو- أميركي. يعني المستقبل هنا في الوقت نفسه الوضع الاستراتيجي الذي يراه واضع الخطط في ضوء نتائج الحرب الإرهابية الشاملة، ومآلات ما يعرف بـ"الربيع العربي"، ومتابعة الوكلاء المشاركين في التنفيذ لما بعد الوضع الحالي، واستمرار ترامب ونتنياهو أو نهجيهما في الحكم، بما يعني وضع كل هؤلاء معاً، وفي محور واحد، اليوم وغداً. وكما أكدنا أعلاه، بعين المستقبل الصهيو- أميركي، وفي نطاق ما رسمه من خطط وما يحصده في نتائجها وعلى مدى قصير هذه المرة.

إن ما يسمى خطة "ويز" الاستراتيجية التي أنتجها مركز دراسات الأمن القومي الصهيوني، بعد أن اشتغل عليها في المقطع الزمني 2017-2018 كل من عاموس يادلين وأودي ديكل وكيم لافي، وصدرت تحت عنوان "خطة استراتيجية للساحة الإسرائيلية - الفلسطينية"، وصف بكونه "خطة سياسية جديدة لإسرائيل"، وافترض "خلق أرضية سياسية لتطبيق الخطة"، وضم ملاحق "تحديد البدائل السياسية" وفق منهجية مرفقة.

وتمت الإشارة الحرفية في هذه الدراسة إلى ما سمي "رباعية عربية"، وهي مصر والأردن والسعودية والإمارات. وما يهمنا فيها هو الجانب السياسي الذي سنكتفي به، وهو الذي يترجم في واقع جريمة التطبيع الحالي والمتصاعد كإدارة صراع بالوكالة ضد وجودنا وحقنا وقضيتنا الفلسطينية.

تعتبر هذه الوثيقة، بصرف النظر عن عدة وثائق أخرى سابقة، الأقرب إلى خطة "صفقة القرن"، والأكثر إدماجاً فيها وعكساً لروحها وعباراتها ومراميها ومنطلقاتها التي ستصبغ في الأخير منظومة صناعة الحكم في البلدان المعنية بتطبيق التطبيع أو بتنفيذ مرحلة وخطة ما بعد التطبيع، بالمعاني التي حددناها في الفقرة الأولى من هذا المقال، وليس بالوتيرة والشكل الحالي. ومن هنا، بحسب تقديرنا، تبدأ خطة صناعة الحكم العربي والإسلامي المطلوب. 

وتهدف الخطة إلى "تحسين البيئة الاستراتيجية"، و"الإبقاء على قدرة الاختيار"، و"المرونة الإسرائيلية بين مختلف الخيارات في المستقبل". ونحن نستنتج من خلالها، بما أنها رؤية سياسية عمادها الأمن القومي الصهيوني، أن لا تطبيع من دون أمن كيان العدو، ولا أمن لكيان العدو من دون تطبيع، وهو أمر بديهي، وليس بجديد طبعاً، وهي بقدر ما تشكل حاجة صهيونية ماسة، يحدد التطبيع ذاته تحكّم الاحتلال فيه (أي في التطبيع ) وفيها (أي في الخطة)، وهذا بتوضيح أكثر، فالعدو يصرح بأنه لا يوجد حل قابل للصمود من دون تطبيع، وأنه يستخدم التطبيع كفيتو، ويرسم من خلال فيتو التطبيع سياسات الكيانات التي يملي عليها التطبيع معه لتحكم، ويترك لنفسه حرية ما يسميه "الانتقال بين الخيارات" وحصرية رسم "الصورة المستقبلية لإسرائيل"، بما يعتبره "انفصالاً سياسياً جغرافياً وديموغرافياً" عما يسميه فلسطين، أو "انفصالاً مستقلاً"، أو "تسوية إقليمية" بالتمهيد لواقع دولتين لشعبين وخلق واقع استراتيجي أفضل والحفاظ على معظم الخيارات بين يديه.

يعمل العدو على "ترتيبات انتقالية" من الوضع الراهن إلى وضع الانتقال، ويبني كل ما يبنيه تطبيعياً في دائرة بناء مجال الاحتمالات المستقبلية وتوسيع الخيارات المطروحة في المستقبل. 

ويقول كاتبو الدراسة إن "على إسرائيل التخلص من الطريق المسدودة"، و"تركيز بنية تحتية لتنفيذ المخططات"، وأيضاً "بنى الحكم"، من السلطة الفلسطينية إلى دول التطبيع. 

إلى ذلك، يؤكد "تعزيز قدرات الحكم في السلطة الفلسطينية" بتجاوز آثار "القيود الإسرائيلية" والانقسام وتآكل الشرعية الداخلية للسلطة في رام الله، وذلك بترسيخ مؤسسات حكم فعالة وبناء البنية التحتية "للدولة الفلسطينية المستقبلية" (وسوف نجد ذلك حرفياً في خطة "صفقة القرن")، وتوسيع السيطرة الأمنية لأجهزة الأمن الفلسطينية، وتحسين الوضع الاقتصادي وظروف المعيشة، وإكساب السلطة شرعية شعبية.

نورد ذلك بشكل مطول، لأنه كجانب سياسي يصلح لأن يكون تمهيد خطة "صفقة القرن"، ونرى أنه ينطبق أيضاً على بلدان التطبيع. أما في تنفيذ الخطة، فيحتاج إلى أرضية سياسية للتنفيذ، على قاعدة "تلاقي المصالح بين إسرائيل والدول العربية السنية"، كما يسميها العدو. 

وتحتاج الخطة أيضاً إلى "تحريك الخطة" قبل تضاؤل فرص التطبيق، حيث لا تنازلات ولا تفاوض ولا حل إلا بتصعيد، بل تطبيق التطبيع أمام مخاطر "توجهات الضم" (التي تبدو لنا سلاح تهديد للضغط من أجل الاستسلام) و"فرص رحيل عباس"، إلى جانب بقاء المقاومة وصمودها ومواجهتها، وفشل التطبيع الذي لم يبدأ بالشعوب، بحسب مراجعات بعض الكتاب الصهاينة والمنظمات التطبيعية العاملة لمصلحة العدو.

إن وثيقة "السلام من أجل الازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي"، المعروفة بخطة "صفقة القرن"، والتي ترجمتها منظمة النهضة العربية للديموقراطية والتنمية "أرض" في شباط/فبراير 2020، تكاد تكون توسعة للمعاني والأبعاد والأهداف والخلفيات، ويقع ما بعد التطبيع في القلب منها، وخصوصاً في جزئها الأول، بعنوان "الإطار السياسي" بأقسامه وملاحقه وخارطته المفاهيمية وترتيباته الأمنية، التي نظن أن ما بعد التطبيع، كإرساء لقواعد أمنية تطبيعية، هو أهمها، وإن لم يرد صراحة في النص. 

وليس أدل على ذلك من الاعتماد على "المتغيرات الأمنية في الشرق الأوسط"، والتي يظن العدو وهماً أنها صارت لمصلحته، عدا ما بعد التطبيع طبعاً. وكذلك الحديث عن "إنهاء الصراع، وتنشيط السلام في المنطقة ككل"، و"استغلال الفرص الاقتصادية للسلام"، بحسب رؤية العدو ووعود حليفه ورديفه العربي المطبع الغارق معه في الأوهام نفسها.

تروج الوثيقة لما تروج له مشروطاً بعبارة: "إذا أمكن تطبيع العلاقات مع إسرائيل"، وتعترف بأن الصراع الفلسطيني- الصهيوني أدى إلى عدم التطبيع، وأن عدم التطبيع العربي والإسلامي أدى إلى مزيد من الصراع مع الفلسطينيين.

وتدعي التعويذة الصهيوأميركية-العربية أنه "إذا قام عدد أكبر من الدول العربية والإسلامية بالتطبيع، فسيؤدي ذلك إلى دفع حل عادل للصراع، ومنع المتطرفين من استخدام هذا الصراع".

 إن ما هو أقل أو أدنى من دولة (فلسطينية)، بحسب عبارة رابين، يستلزم ما هو أكثر من التطبيع الذي نسميه ما بعد التطبيع، وإن الدولة الصهيونية الآمنة والمزدهرة والأخلاقية وذات الشرعية، بحسب العدو، يجب أن تكون دولة يهودية وديموقراطية، ويجب على الفلسطينيين والعرب والمسلمين والعالم الاعتراف بيهوديتها، وبالتالي، وهذا رأس الداء، على عرب التطبيع أو الصهيونية العربية أن تهوّد نفسها، وأن تتصهين في مرحلة ما بعد التطبيع هذه، وهذا ما نراه فعلاً في بعض الجرائم ما بعد التطبيعية المعتنقة لإيديولوجية وقانون الصهيونية وكيانها. 

إنه، إذاً، اعتناق للصهيونية، ولذا هو أبعد من التطبيع، بل هو انضمام إلى مشروع الوطن القومي لليهود، وانخراط جيوسياسي في المجال الحيوي التطبيعي للعدو وخارطة الرقعة لا الرؤية الصهيونية. وربما يطالبوننا في يوم ما بحقوق التطبيع أو بالحقوق التطبيعية.

"المفاهيم تحسن الحياة"، يقول الخيال الاستيطاني الاغتصابي الاستفراغي والاستخلائي والإحلالي الاحتلالي الصهيوني- الأميركي- العربي. و"قراءة الروايات السابقة حول الصراع غير مثمرة"، يضيف، و"العديد من الدول العربية ترغب في إقامة شراكة مع إسرائيل، والتركيز على القضايا الخطيرة"، وإنشاء "منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا OSCME"، ما يتطلب "إنشاء أنظمة حكم مناسبة" تحت "السيادة الأمنية الإسرائيلية" و"طبقاً للاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل"، والتحكم في برامج ومناهج التعليم، وتغيير الثقافة والخطاب الإعلامي، و"الانتقال إلى عصر حكم الدولة".

بالمفاهيم التي تحفظ الوجود وتسترد الحقوق وتنتصر بها القضية، نرد بالميثاق التالي: المطبع عدو والمطبعون معتدون. السكوت على التطبيع تطبيع مزدوج وما بعد التطبيع. اللامبالون جزء من الهدف العدائي. كل ما سبق أركان ضالعة في فعل الكيان المعادي وتطبيق لما بعد التطبيع. التطبيع عدوان كبير وما بعد التطبيع عدوان أعظم. بتجريم التطبيع نحمي حق العودة وكل القضية، وبالقوة والشهادة نستعيد حقنا. بالسلاح ننتصر وبالملايين نعود ونزيل الكيان من الوجود. لا عودة إلا بالمقاومة، ولا قدس إلا بالصمود. سنعود منتصرين للقدس وفلسطين. العودة سلاح لا يتحقق إلا بالسلاح، والقدس سلاح لا يتحرر الا بالسلاح.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
صلاح الداودي

كاتب وأستاذ جامعي تونسي، منسق شبكة باب المغاربة للدراسات الإستراتيجية.

إقرأ للكاتب

من ليبيا إلى تونس: المقاومة الجيوسياسية بديلاً من الحدائق الخلفية

تونس وشعب تونس في مرحلة تهديد استراتيجي دقيق جداً، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن تهديد...

في الكاريبي التقى المُحرّرون العالميون.. من سليماني إلى بوليفار

مقاومة ميدانها العالم، منظورها التحرّر العالمي ونهجها عالمية المقاومة.

السّلام البيولوجيّ مقابل ديكتاتورية كورونا والذهنية الفيروسية

توجد نوازع شتى وفوضى عارمة تحاول أن تفرض نسقاً من الانطباع العالمي العام حول "COVID-19"، كفكر...

كورونا.. حرب إرهابية معولمة أو فيروس للانتحار الجماعي؟

يسود شعور بأن هذا الفيروس بشري أيضاً، ففضلاً عن كونه ينتقل بين البشر، ترى الناس والدول في شبه...

التكفير والديمقراطية في تونس اليوم

ما من شكٍّ أن التكفير الذي نحن بصَدَده هو تكفير سياسي وأن الديمقراطية التي نُشير إليها هي...

بروفة أولى شمال- شمال.. الحرب الشاملة على "إسرائيل" وحلفائها

نظنّ أن هذا الوقت هو الوقت المناسب لشروع المقاومة العراقية في معركة طرد الاحتلال الأميركي من...