عن الباب والنافذة: السعودية و"إسرائيل"

 تقول السعودية إنها تحارب الحوثيين في اليمن كي لا يكونوا نسخة أخرى من حزب الله على حدودها، لأنها فعلاً النسخة الأخرى من "إسرائيل"، ولكن على حدود اليمن.

  • "السعودية هي النسخة العربية من "دولة" الكيان الصهيوني الغاصب"

لم يكن التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي ظهر إلى العلن هذه الأيام، وبصور متعددة، سوى الحلقة الأخيرة في مسلسل العشق الممنوع بين الكيانين، والذي ارتبط بهما منذ نشأتهما، بل إن العلاقات بينهما هي علاقات بنيوية في أصل بنية النظامين.

 إنهما الباب والنافذة في المشروع الاستعماري الغربي الجديد المسمى بيت الشرق الأوسط الكبير الذي يضم الجميع. ولنا أن نلاحظ تلك العلاقة الحميمة من خلال بروز بعض الأحداث على السطح، فعندما يضرب حزب الله الكيان الغاصب، تستنكر السعودية وتقف مع "إسرائيل" ضده، وعندما يضرب "أنصار الله" السعودية، نسمع النباح في "إسرائيل"! 

تقول السعودية إنها تحارب الحوثيين في اليمن كي لا يكونوا نسخة أخرى من حزب الله على حدودها، لأنها فعلاً النسخة الأخرى من "إسرائيل"، ولكن على حدود اليمن.

السعودية هي النسخة العربية من "دولة" الكيان الصهيوني الغاصب، وعائلة روتشيلد اليهودية هي النسخة العبرية من عائلة عبدالعزيز بن سعود. وكلا النظامين ينتسب إلى شخص ـ ولا ينتسب إلى أرض أو شعب، مع الفرق الهائل بين الشخصين ـ وكلاهما نشأ على دماء أصحاب الأرض الأصليين.

وعندما نتحدث عن السعودية، فإننا لا نقصد بها شعب نجد والحجاز ـ لا سمح الله ـ وإنما نقصد العائلة التي نصّبتها بريطانيا لتكون قائدة للعرب والمسلمين، وزمامها برمّته في يد بريطانيا وأميركا، فبريطانيا هي من صنعت عبدالعزيز بن سعود على عينها، وعجنته طيناً من رمال الصحراء، واستطاعت تشكيله متى شاءت وأنّى شاءت، وكان بديلها للشريف حسين الذي أبدى ممانعة في إعطاء فلسطين لليهود، لكن عبدالعزيز بن سعود وافق على ذلك في مؤتمر العقير في العام 1922م.

وفي رسالة سرية مسربة كشفها ضابط المخابرات البريطاني هارولد إدوارد، الشهير بجون فيلبي، بعد هروبه إلى الاتحاد السوفياتي في ستينيات القرن الماضي، من تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إلى الرئيس الأميركي حينها أيزنهاور، قال فيها: "إن السعودية مشروع فكّرنا في بنائه قبل تفكيرنا في بناء إسرائيل" (انظر: المناضل ناصر السعيد: تاريخ آل سعود).

ومعلوم لمن يقرأ التاريخ أن ثمّة دولتين تم زرعهما في جسد الأمة العربية - بناء على ما رسمته اتفاقية سايس بيكو في العام 1916 وخطّطت له المخابرات البريطانية - لتنفيذ أجندة تخدم المصالح الاستعمارية الغربية والإمبريالية العالمية مستقبلاً في السيطرة غير المباشرة على القرار السياسي وبسط النفوذ في العالم العربي من بعيد - بدلاً من الغزو العسكري الذي أثبت أنه مكلف مادياً وبشرياً، ولم يعد وسيلة ناجعة - تلك الدولتان هما السعودية في العام 1932 والكيان الصهيوني الغاصب في أرض الميعاد، كما توهم اليهود، في العام 1948.

تحالف في خدمة "إسرائيل"

قام التحالف السعودي الأميركي منذ العام 1945 على 3 أعمدة رئيسية هي: محاربة الشيوعية حينها، ومحاربة القومية العربية المتطرفة التي تعطي أولوية للدفاع عن العرب ضد غيرهم، وخصوصاً الصهاينة - ومنع ظهور شخصيات كاريزمية تفعل ذلك ومحاربتها حال ظهورها - وضمان تدفق النفط السعودي إلى أميركا من دون عوائق، مقابل حماية الأخيرة للأسرة الحاكمة.

وقد شكّل العمود الثاني أهم القواسم المشتركة بين السعودية و"إسرائيل"، فهما تقفان من العروبة ومن الإسلام - غير الوهابي - موقف العدو، والدليل على ذلك هو التعاون السري بينهما خلال الحروب المصيرية التي دارت بين العرب و"إسرائيل"، وتعاونهما في الستينيات لإسقاط المشروع الناصري في المنطقة العربية من خلال إغراقه في حرب اليمن لخمس سنوات، وتقديم الدعم اللوجستي والاستخباري لخصوم الجيش المصري، وتزويدهم بالأسلحة الإسرائيلية المتطورة حينها عن طريق السعودية، وكان ذلك سبباً مباشراً لهزيمة عبدالناصر في حزيران/يونيو 1967. (ينظر: محمد حسنين هيكل: سنوات الغليان).

لنفكر ولو للحظة: لماذا تحتل "إسرائيل" ثالث الحرمين الشريفين، وأبناء سعود يحتلون الحرمين؟ هل هناك رابط بين ذلك أما أنها مصادفة؟ التاريخ والسياسة لا يؤمنان بالمصادفة، ولو كانت السعودية أمينة على الحرمين الشرفين وتوظفهما كما يُريد الله - خدمة للإسلام - هل سيسمح لها الغرب بذلك أم أنها تديرهما كما يُريد الغرب، للسياحة فقط، وليس لتوحيد كلمة المسلمين ضد أعدائهم؟

 من أجل ذلك، سوف نفهم لماذا السعودية و"إسرائيل" هما الدولتان المهمتان بالنسبة إلى أميركا وأوروبا. وفي حال تعرضهما للعدوان، فإن أميركا وأوروبا تدافعان عنهما بكل قوة، وإذا سألنا عقولنا:

لماذا؟ هل يحدث ذلك غيرةً على الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى أو حرصاً على عملائهم الذين ينفذون أجندة بدأت تتضح ملامحها أكثر من خلال التعاون الذي بدأ يظهر على السطح بين المملكة و"إسرائيل"، للمساهمة في مشروع الشرق الأوسط الجديد - أو الكبير - الذي أشار إليه شمعون بيريز في كتابه الذي يحمل العنوان عينه في العام 1993م؟

تعاونت "إسرائيل" والمملكة على تدمير العراق أولاً ثم تعاونتا في العدوان على لبنان في تموز/يوليو 2006، وحاولتا تقسيم سوريا ودعم الإرهابيين فيها ضد محور المقاومة منذ العام 2011 وحتى الآن. كان ذلك التعاون والمشاركة يتمّان على استحياء، وبشكل موارب.

أما في العدوان على اليمن، فقد بدأ ذلك التعاون بشكل أوضح من سابقيه، ومن خلال مشاركة بعض الطيارين الإسرائيليين في ضرب أهداف داخل اليمن - وخصوصاً منطقة فج عطان بقنبلة حرارية إسرائيلية الصنع، وبواسطة طائرة إسرائيلية، كما جاء في بعض المواقع الإخبارية الأميركية والإسرائيلية - بما لا يدع مجالاً للشكّ أن "إسرائيل" والمملكة هما أصل وصورة، ووجهان لعملة واحدة، يتم صرفها على مشروع واحد يهدف إلى تحقيق الأهداف الأميركية والغربية في المنطقة.

وما صمت المجتمع الدولي على جرائمهما المكشوفة - في فلسطين وسوريا واليمن - سوى دليل على تناوبهما كأصل وصورة لتنفيذ ذلك المشروع، من خلال شراء ولاء وسائل الإعلام وبعض الكتاب والمثقفين وصمتهم، لتبرير تلك الجرائم وتغطيتها.

ومن أهم ما يربط بين السعودية و"إسرائيل" هو الصبغة العنصرية التي جعلت الصهاينة يزعمون بأنهم أبناء الله وأحباؤه، الذي اختار لهم أرض الميعاد، بحسب الأساطير المؤسّسة لمزاعمهم (كما يذكر الفيلسوف روجيه جارودي في كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسية الإسرائيلية")، وجعلت من أبناء نطف النفط ومعتنقي المذهب الوهابي الساكنين في مملكة الرمال المسلمين الحقيقيين - بحسب زعمهم – فيما الباقي كفار ويجب أن يذهبوا إلى الجحيم.

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عرفات الرميمة

كاتب وأكاديمي من اليمن

إقرأ للكاتب

قصف العقول.. عن mbc وضرّاتها

ما تقوم به قناة mbc اليوم من بثّ مسلسلات التطبيع هو نوع من تنافس الضرائر كي تظهر أن السعودية...

عن مبادرات السلام في اليمن.. وجهة نظر

بحسب المقولة المنسوبة إلى الفيلسوف أرسطو، إن غاية الحرب هي الوصول إلى السلام، ومن هنا جاء المثل...

إبن سلمان والمسمار الأخير.. السقوط الوشيك لمملكة الرمال

نشر موقع "ديفينس وان" الأميركي المُتخصّص في شؤون الدفاع قبل عامين تقريباً تقريراً بعنوان "أبدأوا...

فوكوياما لم ينتظر كورونا.. الحضارة الغربية ونهاية التاريخ

لقد سعت الحضارة الغربية نحو الربح المادي لغَرَض الربح فكسبت كل شيء لكنها خسرت الإنسان.