هل نشهد رأسمالية مستجدّة بعد كورونا المستجدّ؟

إن كان Covid-19 اسماً لسلالة فيروس يفتك بالعالم الآن، وهو فيروس كورونا المستجدّ، فإن مرحلة ما بعد الرأسمالية ليست سوى "الرأسمالية المستجدّة"!

  • هل نشهد رأسمالية مستجدّة بعد كورونا المستجدّ؟
    سقوط مريع للرأسمالية الكلاسيكية والمتوحشة

ها إننا مرة أخرى ننتظر سقوطاً مريعاً للرأسمالية، الكلاسيكية والمتوحشة في آن. ويعود السبب هذه المرة إلى ذلك "العجز المفاجئ" الذي يحكم أداء العالم الرأسمالي، وخصوصاً الأميركي، ومن ثم الأوروبي، في مواجهة هجوم فيروس كورونا والسيطرة عليه ووضع حد لخطورته.

في كل مرة تقع فيها أزمة عالمية مالية أو اقتصادية، يتراصف المنتظرون سقوط الرأسمالية، ويسارعون إلى التبشير ببداية مرحلة "ما بعد الرأسمالية post-capitalisme"، التي لا تزال إلى اليوم من مجهولات الاقتصاد السياسي وعلوم الاجتماع، من دون تعريف، ومن دون قوام نظري.

في مقاربة استرجاعية من التاريخ الحديث، يمكن التأكد من أنَّ سقوط الماركسية - في نسختها السوفياتية تحديداً - في العام 1989، لم يحصل كنتيجة لمنازلة حرّة جرت على حلبة مكشوفة مع الرأسمالية في نسختها الأميركية تحديداً، بل بفعل "عدم الكفاءة الذاتية" الذي ظهر على الجسد السوفياتي العملاق، فبدا بعد 70 عاماً على انتصار الثورة البلشفية في روسيا (1917) منهكاً، ضعيفاً، مهلهلاً، وغير قادر على حمل ثقله وبرنامجه.. وتأمين قوته وقدرته على الاستمرار، فلم يكن أمامه سوى خيار التدمير الذاتي/الانتحار، الذي صمّم ألغامه وزرعها ميخائيل غورباتشوف (1988 - 1991)، فيما تولّى بوريس يلتسين (1991 - 1999) تفجيرها، ليحكم جانباً من "الركام السوفياتي" الذي وصفه فلاديمير بوتين لاحقاً في العام 2005 بكونه "كارثة جيوسياسية".

من المؤكد أنَّ "الركام السوفياتي" ساهم على نحوٍ كبير في إنتاج ذلك التباهي الرأسمالي - الفكري - الذي سارع إلى تشييع الفكر الماركسي مع غيره، ودفعه إلى إقامة إجبارية على رفوف المكتبات وجواريرها وأرشيف الفلسفات، مقابل الاحتفاء الأسطوري بـ"الرأسمالية" وتمجيدها وتسليطها على التاريخ وتخليدها (نهاية التاريخ والإنسان الأخير، فرنسيس فوكوياما، 1988 أولاً، ومن ثم 1992).

تم ذلك بنرجسية فكرية غير مسبوقة ربّما، إلّا في نصوص "النازية وعروقها النقية". يمكن القول، من دون أدنى تردد، إن فكراً رأسمالياً - إذا شئنا التخصيص بنسخته الحديثة النيوليبرالية - متشاوفاً ومتعالياً حكم، ولا يزال، مجتمعاته، وتالياً النظام العالمي بدرجات متفاوتة منذ العام 1990 وإلى الآن.

لم يمنع هذا التعالي من وقوع الرأسمالية خلال هذه الحقبة في أزمات متعددة، كان أكثرها حدّة تلك المعروفة بأزمة الرهن العقاري 2007 - 2008، التي اعتبرت ثاني أشدّ أزمة بنيوية رأسمالية بعد أزمة الكساد الكبير 1929 - 1939 التي استمرت عقداً كاملاً. 

لم يتمكن "البديل الشيوعي" الناهض حينها من فرض نفسه في مجتمعات انتظرت وهي تدفع الثمن، حتى تمكّن واحد منها، هو جون مينارد كينز، من استيلاد الدواء الناجع لمعالجة خلل بنيوي فيها، فتجددت الرأسمالية وفق النسخة الكينزية، وخرجت قوية مع انتصارها على النازية في الحرب العالمية الثانية.

نظرياً، يفترض بالانهيار المالي الناتج من أزمة الرهن العقاري أن لا يشكل صفعة قوية - فقط - لتشاوف الفكر الرأسمالي واستعلائه، بل، وربما، لدفع الرأسمالية كنظام إلى الطريق المفضي إلى عملية "التدمير الذاتي" لانعدام الكفاءة، لكن ما حصل هو العكس تماماً، حيث استعادت الرأسمالية قوتها، والمصارف والأسواق المالية بأسها وجبروتها، وأحكمت سيطرتها بـ"توحش معولم" يضرب عبر مؤسساته وشركاته مختلف الأماكن في خريطة العالم.

خرجت الرأسمالية من أزمة العام 2008، وفق وصفة إنقاذ قدمتها الحكومة الأميركية، غير ملتفتة إلى الخسائر الهائلة التي وقعت في الأسواق العالمية واقتصادياتها، ولا إلى ملايين الأميركيين الذين فقدوا بيوتهم ووظائفهم، ولا إلى البنوك المفلسة والمعدومة التي تم شراؤها وتمليكها للقوى القائمة والمستمرة، والقادرة على المضي قدماً بترسيخ الرأسمالية ونظامها وثقافتها.

ابتداء من خريف العام 2019، بدأ فيروس كورونا المستجد Covid-19 يضرب في الأرض من مشرقها إلى مغربها، وبسبب ضراوته في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وبسبب "العجز العجيب" الذي يعتري أداء هذه الدول الكبرى في مواجهته، يصار إلى اعتبار الحالة التي نتجت منه في مختلف أبعادها، الصحية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، أزمة تواجه الرأسمالية في بنيتها المؤسسية، كما في فكرها وثقافتها؟

لماذا يعتبر هجوم فيروسي يستهدف الإنسان في حياته، لا في هويته، ولا في عرقه، ولا في لونه، ولا في ثقافته... من مسؤولية الرأسمالية، ومن أزماتها الدورية، دون غيرها من الأنظمة في العالم؟

إنَّ سيرة فيروس كورونا المستجدّ ومسيرته منذ ولادته وانطلاقه وانتشاره ووصوله إلى مختلف أصقاع الأرض، جاءت متساوقة على نحوٍ مثالي وغريب مع خط الأزمة الكبرى التي تعصف بالعلاقة الصينية - الأميركية. 

وفي ظلِّ تباين تأثير الفيروس في كلٍ منهما، ظهرت الصين قويّة متينة بأدائها وإدارتها، وبالتالي نظامها وثقافتها ومرجعياتها، فيما في المقابل ظهرت الولايات المتحدة، وبدرجة أخرى دول الاتحاد الأوروبي، مربكة مترددة وضعيفة بإدارتها وقدرتها على التعامل مع ما يفترض أنه كارثة طبيعية.

يعبّر هذا المشهد غير المتوازن ويؤشر إلى تلك الأزمة التي تواجه العالم الرأسمالي الغربي تحديداً، وتالياً نظام العولمة برمته، والذي تعتبر الصين فيه بمثابة "مصنع حاجات الكرة الأرضية ولوازمها"، وهو أمر يحيل تصفية الحساب بين الولايات المتحدة والصين إلى تفكيك مباشر لنظام العولمة، غير أنَّ هذا التفكيك لا يمكن أن ينجز بالسهولة التي يكتب بها الآن، ويتم تداوله كنتيجة لتأثير وباء كورونا في الرأسمالية والنظام العالمي.

في علم الرأسمالية، إن أزماتها دورية، ومتشابهاتها متعددة، مالية واقتصادية وسياسية واجتماعية، غير أن الاختراق الرئيسي الذي سببته الأزمة الناتجة من فيروس كورونا يتمثل - في رأينا - بسؤال الأخلاق الذي يواجه الرأسمالية على نحوٍ مباشر وغير مسبوق.

هذا السؤال لم يتأسس في ذلك "العجز!" الذي تبديه الإدارات الرأسمالية في مواجهة الوباء، وخصوصاً في الولايات المتحدة، بل في تلك المنهجية الثقافية - الأخلاقية التي تمكّن المسؤولين في هذه الإدارات من التحدث بسهولة وبساطة عن أعداد الضحايا، مع تغليبهم أوليّة فتح الأسواق وعالم الأعمال والمال، وتحكيم استراتيجية "مناعة القطيع" بحياة الناس ومصير البشر!

يتّجه سؤال الأخلاق مباشرة نحو مرجعية الثقافة السياسية الرأسمالية الراهنة، كما يتجه إلى التساؤل عن طبيعة الامتداد الاجتماعي لهذه الثقافة والبنى الحاضنة لها، حيث لا يمكن ملاحظة أية حركة احتجاجية غير مألوفة، ومن خارج نظام ثنائية الحكم والمعارضة التي يبدو أنها عملت على "تأبيد" النظام السياسي الرأسمالي.

هل تمكّنت الرأسمالية من تدمير فكرة البديل نهائياً مع "الركام السوفياتي"؟ وهل يبدو التاريخ محنّطاً في المخبر الرأسمالي وإنسانه الأخير، كما حسم فوكوياما مبكراً، على عكس شيوع الكتابات التي تشير إلى هزيمته النظرية الآن؟! أين تبدو هذه الهزيمة!؟

إن كان كورونا اسماً لسلالة فيروس يفتك بالعالم الآن، وهو Covid-19: فيروس كورونا المستجدّ. بالتوازي، مرحلة ما بعد الرأسمالية ليست سوى "الرأسمالية المستجدّة"!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
نزار سلّوم

كاتب سوري