ضمّ الضفة الغربية والصّراع الديموغرافيّ في فلسطين

السكان الفلسطينيون يتركزون بنسبة 73% في المدن الرئيسية التي تقع في منطقة (A) الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وهذا يعني عملية إفراغ واضحة للريف الفلسطيني، وفتح شهية الاحتلال على مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية.

  • ركّزت الحركة الصهيونية قبل قيام
    ركّزت الحركة الصهيونية قبل قيام "دولة إسرائيل" على الأرض والهوية والمياه والسكان

ركّزت الحركة الصهيونية قبل قيام "دولة إسرائيل" بعقود طويلة، وبشكل هادف ومخطط وممنهج ومقصود، على العناصر الرئيسية التي تضمن نجاح مشروعها الاستعماري في فلسطين، وهي الأرض والهوية والمياه والسكان. 

بداية، استهلّت عملياتها الاستيطانية الاستعمارية بإنشاء المستعمرات الزراعية إبان الحكم العثماني لفلسطين، وكانت الحركة الصهيونية ترمي من خلال ذلك إلى ربط المهاجر اليهودي بالأرض، وتحويله من خياط في لوبلين في بولندا إلى فلاح يزرع الأرض في فلسطين. وكان بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني، وفي أكثر من مناسبة، يُذَكِرُ أن فلاحي روما هم الذين هزموا هنيبعل. 

الاستيلاء على الأرض - عنصر القوّة الأساس - استدعى السيطرة وتغيير الهوية. منذ عشرينيات القرن الماضي، وأيضاً قبل قيام الكيان الصهيوني، وتزامناً مع التسهيلات التي قدَّمتها بريطانيا للحركة الصهيونية في السيطرة على الأرض، أنشأت الحركة الصهيونية لجنةً للأسماء الجغرافية، اتّبعت مفتاح تسمية استعمارياً بامتياز لا يدانيه إلا ما يمكن وصفه بمتلازمة كولومبس، فقد كان مخيال التسمية لدى كولومبوس مكوناً من 3 مجالات: المجال الإلهي الذي يصف من خلاله الاستعمار بالقداسة، والمجال الطبيعي الوسيط الذي يبعث على البهجة المستعارة بامتلاك الفضاء المستباح، والمجال البشري الذي يؤمِّن الثروة ويحرسها لمواصلة الغزو.

وكان كولومبوس يعلم أنّ للمشهد الجديد عليه أسماءه القديمة التي لا ترضيه، فكانت سان سلفادور تسمى لدى الهنود جواناهاني، وكان يدرك أيضاً أن إطلاق التسمية الجديدة يعني استحداث صك ملكي للإمبراطورية الغازية[1]. من هنا، كان الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية هدم مقومات المشهد العربي الإسلامي بكل مضامينه التاريخية والحضارية والتراثية والدينية، واستبداله بمشهد صهيوني كامل، مغلّف بنصوص توراتية ومقولات سياسية مزيّفة، ينتهي إلى استكمال اختلاق رواية وهُوية وحضارة صهيونية مزيّفة على أنقاض هوية الشعب الفلسطيني وحضارته، أي التشويه المتعمّد من قبل المحتلّين لمضامين التسميات الجغرافية، والمحو المتعمّد للأصل، والتأصيل لمن ليس له أصل بالمكان، وهي لا زالت مستمرة في التهويد والتحريف وعمليات الإزالة والطمس للأسماء الجغرافية العربية في فلسطين. 

أما بما يخص المياه، فعلى الرغم من تلك النجاحات التي حقّقتها الحركة الصهيونية في مجالي الأرض والهوية، فإنها فشلت في الضغط على بريطانيا وفرنسا في ضم أنهر الحاصباني وبانياس والقاضي إلى فلسطين في اتفاقية "سايكس بيكو" في العام 1916، رغبةً منها في ضم مصادر المياه الرئيسية المغذية لنهر الأردن إلى فلسطين، التي تنوي إقامة "دولة إسرائيل" عليها مستقبلاً، إلا أن "إسرائيل" لاحقاً، وبعد اغتصابها أرض فلسطين، أخذت تسيطر تدريجياً على مصادر المياه الفلسطينية، سواء الجوفية أو السطحية.

وقد أخذت الإجراءات الإسرائيليّة منذ العام 1967 تسهم في الحدّ من قدرة الفلسطينيين على استغلال مواردهم المائية، وأحكمت "إسرائيل" السّيطرة التامة على جميع مصادر المياه، عندما وافق المفاوض الفلسطيني في اتفاقيات "أوسلو" في العام 1993 على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق A وB وC، حيث إن جميع الأحواض المائية في الضفة الغربية تقع في المنطقة C التي تشكل 70% من أراضي الضفة الغربية، والخاضعة، بحسب اتفاقيات "أوسلو"، للسيطرة الإسرائيلية التامة. 

وزد على ذلك، أنّ سلطة المياه الفلسطينية أخذت تشتري من "شركة ميكوروت الإسرائيلية" نحو 87.5 ملايين م3 من المياه، وللاستخدام المنزلي فقط، بحسب إحصائيات 2018[2].

أما بالنسبة إلى المياه السطحيَّة، فإنَّ "الناقل الوطني الإسرائيلي"، ومنذ العام 1959، يقوم بنقل مياه نهر الأردن عبر سهل البطوف، مروراً بتل أبيب، إلى النّقب جنوباً، ليشكّل هناك أكبر خزان مائي غير متجدد في المنطقة والإقليم. وبعد احتلال الضفة الغربية في العام 1967، أخذت "دولة" الاحتلال تنشئ العديد من المصائد المائية في الأغوار، أسفل السفوح الشرقية، وأخرى في السهول الواقعة على الجهة الغربية لسلسلة الجبال الوسطى. 

هذه السّياسات أسهمت تدريجياً في تغيير الميزان الديمغرافيّ في فلسطين، حيث نجحت الحركة الصهيونيّة أثناء فترة الانتداب البريطانيّ في جلب أفواج كبيرة من المهاجرين اليهود الأوروبيين، بهدف خلق أغلبية يهوديّة في فلسطين، فبعد أن كانت نسبة اليهود في فلسطين 8% في العام 1914، تضاعفت نحو 4 مرات، لتصل إلى 33% في العام 1948، وهي السنة التي شهدت تشريد نحو 800 ألف فلسطيني من أصل 1400000 فلسطيني كانوا يقطنون في 1300 قرية ومدينة فلسطينية، حيث تم تدمير 531 منها بالكامل[3]. وتم إخضاع ما تبقّى لكيان الاحتلال وقوانينه.

وقد رافق عملية التطهير العرقي اقتراف أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني. وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد تم جلب 858 ألف مهاجر يهودي إلى فلسطين في الفترة الممتدة ما بين 1932 و1975.

واليوم، وبحسب أحدث الإحصائيات التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية حول السكّان في الكيان الصهيوني، بلغ عدد السكّان 9.190 مليون نسمة، بينهم 6.806 ملايين يهودي يشكّلون نسبة 74%، بينما يبلغ عدد العرب الفلسطينيين في فلسطين التاريخية 1.930 مليوناً، أي 21% من مجمل السكّان. هذا المعطى يشمل الفلسطينيين في القدس المحتلّة والسوريين في هضبة الجولان المحتلّة.

أما مدينة القدس الَّتي تمَّ التركيز عليها مبكراً من قبل الحركة الصهيونية، فبعد أن كان الفلسطينيون العرب، المسيحيون والمسلمون، يشكّلون أغلبية في لواء القدس، كوحدة تشمل القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، استطاع اليهود، "عرباً وأشكنازاً غربيين"، أن يصبحوا أغلبية داخل حدود البلدية، ففي العام 1947، كان هناك 99,4 ألف يهودي مقابل 65,1 ألف عربي فلسطيني.

ويعود الفرق بين هذه النّسب إلى أمرين، أوَّلهما أنَّ الإحصائيات البريطانية المسيَّسة اعتادت احتساب المهاجرين الذين وصلوا إلى القدس قبل العام 1948، ثم انتقلوا إلى صفد ومناطق أخرى، وكأنّهم ما زالوا في القدس، والأمر الآخر هو التلاعب بخارطة المدينة، بحيث إنَّ الإحصائيات البريطانية استثنت سكان القرى والأرياف المحيطة بمدينة القدس، بينما احتسبت في الوقت ذاته اليهود القاطنين خارج حدود البلدية وكأنهم سكّان المدينة، وهي عملية التفافية مسيّسة، يسمّيها مايكل دمبر "الإحصاء الديمغرافي الهيكلي"[4].

واليوم، يبلغ تعداد المستعمرين اليهود في مدينة القدس قرابة 750 ألف نسمة، بينما لا يزيد عدد السكّان المقدسيين على 292 ألف نسمة، أي لا يشكّلون سوى 30% من سكّان المدينة[5]. 

نلاحظ مما تقدّم أنّ الكيان الصّهيونيّ استخدم، وبشكل مخطّط وممنهج، أساليب عديدة تنسجم مع كلّ مرحلة من مراحل تشكيل كيانه الاستعماريّ، مستغلاً الظروف المحليّة والإقليميّة والدولية، فلم يقدم على إعلان عملية الضم إلا بعد أن هيّأ لها الظروف السياسية الملائمة، فبإنشاء بانتوستانات السلطة الفلسطينية، وتسميته "دولةً قابلةً للحياة"، تخلَّصت "إسرائيل" من العبء الواقع على كاهلها، والمتمثّل في 3.355 مليون فلسطيني، وأخذت السلطة الفلسطينية تحكم أكبر عدد من الفلسطينيين على أقل عددٍ من قطع الأراضي المجزأة.

ومن أجل تثبيت خرافة حلّ الدولتين، وظّفت "إسرائيل"، وبشكلٍ متقن، الانقسام الفلسطيني، وقامت بإضعاف دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لتشغل فقط منصباً إدارياً مركزياً ضمن نظام الأبرتهايد الإسرائيلي، ويُحظر عليها الدخول إلى ثلثي الضفة الغربية أو ممارسة أيّ سيادة وظائفية عليها.

ومن خلال رصد مجمل عمليات التنمية والتطوير والتنظيم والتخطيط للحيّز الفلسطيني، وخصوصاً للحقبة التي تلت "أوسلو" في العام 1993 وتقسيم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق (A) و(B) و(C)، نجد أنّ الحيّز الفلسطيني، وخصوصاً الريفي، يواجه مسائل دون السيطرة السياسية والإدارية الفلسطينية، ما يعني وقوع الترابط الريفيّ الحضريّ الفلسطيني ضمن ما أصبح معروفاً بالظرفية المشروطة، التي أصبحت تعني القدرة المحدودة لحركة الجانب الفلسطيني وتدخله في ما يحدث في الحيّز الذي يعيش فيه، وهو الامتداد الطبيعي لإمكانيات تطوّره وتنميته. فخلال المرحلة الانتقاليّة، يحول الإسرائيليون دون حركة الفلسطينيين في مناطق (C) التي تشكّل حوالى ثلثي الأراضي الفلسطينية حالياً، وكذلك يمنعون أيّ سيادة وظائفية فلسطينية عليها[6].

 فمسائل تحديد الإقليم والحيز الريفي الفلسطيني تعتمد على فرضيات ومطالب فلسطينية تواجه معارضة إسرائيلية، حتى إن الجزء الأكبر من هذا الحيز الفلسطيني ما زال يُحظر على الفلسطينيين الدخول إليه أو تطويره. ولذا، تركّزت معظم الاستثمارات الفلسطينية في المدن الرئيسية، الأمر الذي جعل السكان يتركزون بنسبة 73% في المدن الرئيسية التي تقع في منطقة (A) الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وهذا يعني عملية إفراغ واضحة للريف الفلسطيني، بل وفتح شهية الاحتلال على مصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية، وبناء المزيد من المستعمرات، وجلب أكبر عدد من المستعمرين المتطرفين إليها، وتقديم كلّ التسهيلات لهم، من بنى تحتية وطرق معبّدة وإعفاءات ضريبية، ليستمرّوا في ابتلاع المزيد من الأرض، ويستمروا في الاعتداءات المتواصلة على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية، وإحراق المنازل والمساجد، وإحراق الآلاف من أشجار الزيتون وقطعها، وتهجير السكان، وخصوصاً في الأغوار الجنوبية والوسطى والشمالية.

وقد زرعت "دولة" الاحتلال أيضاً المئات من الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، وبشكل مقصود وهادف، وقامت بإجبار أعداد كبيرة من الفلسطينيين على الإقامة في المدن والاستغناء عن رحلة العمل اليومية الشاقة على الحواجز ما بين قراهم ووظائفهم في المدن الرئيسية.

إنَّ هدف "دولة" الاحتلال من تضييق الخناق على الفلسطينيين هو إجبارهم على ترك قراهم وأراضيهم الزراعية، ليهجروها إلى المدن الرئيسية أو إلى الخارج، من أجل خلق واقع ديمغرافي جديد يسهم في السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الضفة الغربية. 

وقد انعكست هذه السياسات الإسرائيلية سلباً على الوضع الديمغرافي للفلسطينيين، فبحسب إحصائيات العام 2016، بلغ متوسط حجم الأسرة 4.9 في الضفة الغربية، علماً أنه وصل في سنوات سابقة إلى 6.5 فرد/أسرة، وكذلك تراجع معدل النمو السكاني من 4.5 في سنوات سابقة إلى 2.5 في العام 2016، في حين أن الكثافة السكانية في أريحا والأغوار الجنوبية والوسطى وصلت إلى 84 شخص للكم 2، مقابل 794 شخص/ كم 2 في الضفة وقطاع غزة، علماً أن مساحة أريحا والأغوار الجنوبية والوسطى هي 592.9 كم 2، منها 68.2 كم 2 منطقة (A) تحت السيادة الفلسطينية، و0.8 كم 2 منطقة (B)، وهي تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية، وأمنياً لـ"إسرائيل"، في حين أنَّ منطقة (C)، والبالغة مساحتها 523.2 كم 2، تخضع تماماً لسلطة الاحتلال الإسرائيلية التي تشكّل 88.3% من مساحة أريحا والأغوار الجنوبية والوسطى.

ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى طوباس والأغوار الشمالية، والبالغة مساحتها 408.7 كم 2، حيث تحوز منطقة (A) 67.4 كم 2، وتحوز منطقة (B) 20.8 كم 2. أما المنطقة (C) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية التامّة، فتبلغ مساحتها 320.1 كم 2، وهي تشكّل 78.3% من مساحة الأغوار الشمالية وطوباس، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 2017. 

أما بالنسبة إلى السكّان، فإنّ تعداد سكان الأغوار الشمالية والوسطى والجنوبية كافة، وفي جميع هذه التقسيمات السابقة، هو 52.355 ألف نسمة. ومن المتوقّع أن يصل تعدادهم في العام 2021 إلى 53.317 ألف نسمة، أي 2% من سكان الضفة الغربية، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي الفلسطيني للعام 2020. 

وفي مقابل ذلك، أصبح هناك 100 ألف مستوطن يقطنون الأغوار الفلسطينية، ويسيطرون على نحو 400 ألف دونم، ويحصلون من "دولة" الاحتلال على كل التسهيلات، وخصوصاً في مجال الزراعة، وتوفير المياه، وتعبيد الطرق، وشبكات الكهرباء، ونشر مصانع التعبئة والتغليف والثلاجات العملاقة لتخزين المنتوجات الزراعية، وخصوصاً التمور المعدة للتصدير إلى الخارج. وفي الوقت نفسه، تمارس قوات الاحتلال شتى أنواع الضغوطات على المزارعين الفلسطينيين، وتقوم بهدم منازلهم وبركسات مواشيهم، وتقطع عنهم أنابيب إمدادات المياه لمزارعهم. 

لم تقدِم "دولة" الاحتلال على الإعلان عن عزمها على ترجمة "صفقة القرن" بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وخصوصاً منطقة الأغوار، إلا بعد أن انتقتها بعناية فائقة، وأفرغتها من معظم سكانها الأصليين، وسيطرت على مواردهم الطبيعية، أي أنها، وفق "صفقة القرن"، ستنتزع بالضمّ قرابة 1860 كم 2، أي ما يعادل 30% من أراضي الضفة الغربية.

وتمهيداً لذلك، عزلت "إسرائيل" على أرض الواقع 178 تجمعاً سكانياً، يقطنها 339 ألف مواطن فلسطيني، من بينها 33 تجمّعاً في منطقة (B)، وعدد سكّانها 103 آلاف نسمة، و52 تجمعاً في منطقة (C)، وهي الأوسع مساحةً والأقل سكّاناً، بحيث لا يتجاوز عددهم 16 ألف نسمة فقط، و20 تجمعاً سكانياً فلسطينياً ضمن أراضي القدس الشرقية، ويبلغ عدد سكانها 220 ألف فلسطيني.

وفي الوقت نفسه، إنَّ "صفقة القرن" تشمل ضمّ كلّ المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تتربَّع على الأحواض المائية الرئيسية، مع الإبقاء على 15 مستعمرة قابلة للتوسع، ومتصلة ببعضها البعض كجيوب داخل أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة والمقطعة الأوصال، والتي ستضم أجزاء من النقب، وهي مناطق أقل ما توصف بأنها صحراوية وشديدة الانحدار، وتخلو من المياه، وغير قابلة للحياة.

وكذلك، فإنَّ "إسرائيل" ستتخلّص من أكبر تجمع عربي في فلسطين التاريخية، من خلال ضم نحو 300 ألف فلسطيني في منطقة المثلث المحاذية لخط الهدنة في العام 1948 وبعض المناطق الكثيفة السكان المحيطة بكفر قاسم، إلى مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية. 

ويشير الوضع الحالي في الأغوار إلى أنَّ الزراعة لم تعد المكوّن الرئيسي للقرى والتجمعات الفلسطينية، لا من حيث مستوى الدخل، ولا من حيث نوع الإنتاج أو حجمه. لذا، نجد أنَّ ظاهرة ازدواج المهنة (فلاح/عامل) أخذت تنتشر بين السكان، كنوع من التحايل على الواقع المرير، يمارسه الفلسطينيون من أجل البقاء والاستمرار في قراهم في الأغوار، فنجد أنَّ الفلسطيني يمارس، إلى جانب عمله في الزراعة، وظائف ومهناً أخرى تساعده على الحياة وإعادة إنتاج مزرعته من الدخل العائد من خارج الزراعة.

ولم يأتِ تطوير هذه الأنشطة غير الزراعية في الأغوار إلا نتيجة لمبادرة السكّان التلقائية غير المخطّطة أو المدعومة من الجهات الفلسطينية الرسمية، ولا حتى من منظمات المجتمع المدني أو القطاع الخاص الفلسطيني. 

في ضوء ما تقدّم من خطورة الوضع الحالي الذي تفرضه عمليه الضم، يصبح لزاماً على الجهات الفلسطينية الفاعلة أن تدرك أهمية العنصر الديمغرافي في مواجهة الضم واقتلاع الاحتلال، وهذا يتطلب تنمية لا تقتصر على القطاع الزراعي فحسب، بل شمولية متعددة الوظائف لكل القطاعات، ومن بينها قطاع الإسكان القليل الكلفة، وخصوصاً البناء الطيني الذي سيعيد إلى الأغوار هويتها التاريخية، علاوةً على تطوير القطاع السياحي، وخصوصاً السياحة البيئية، من أجل ربط الطالب والمدرس والعامل والفلاح والموظف بأرضهم الفسطينية في الأغوار.

 


 
[1] عبد الرحيم الشيخ، متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني.
[2] سلطة المياه الفلسطينية.
[3] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
[4] فايز أبو ستة، إيكولوجية مدينة القدس منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهاية الانتداب البريطاني/ مجلة مقدسية الصادرة عن جامعة القدس 2020.
[5] الجهاز المركزي للإحصاء الفسطيني.
[6] د. راسم خمايسي, التخطيط الحضري خلال ظرفية انتقالية مشروطة في فلسطين، ندوة "التخطيط في فلسطين معطيات معوقات وآفاق مستقبلية"، والتي عٌقدت في جامعة النجاح في نابلس بتاريخ 3\12\1998.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
فايز أبو ستة

محاضر في قسم جغرافية المدن وبرنامج الماجستير في التخطيط الاقليمي- جامعة القدس