هل تُعيد أميركا النَّظر في موقفها حيال الانسحاب من اتفاقيَّة تجارة الأسلحة بعد انضمام الصّين إليها؟

أثار التفوّق العسكريّ الصّينيّ قلق الولايات المتحدة الأميركية التي ترى أنَّ الصّين تسعى إلى ضمان سيطرتها على المحيط الهادئ وجنوب آسيا، لذلك، تصرّ واشنطن على إشراك بكين في مفاوضات الحدّ من التسلّح.

  • هل تُعيد أميركا النَّظر في موقفها حيال الانسحاب من اتفاقيَّة تجارة الأسلحة بعد انضمام الصّين إليها؟
    هل تُعيد أميركا النَّظر في موقفها حيال الانسحاب من اتفاقيَّة تجارة الأسلحة بعد انضمام الصّين إليها؟

منذ اتّباع الصّين سياسة الإصلاح والانفتاح في العام 1978، وهي في تطوّر مستمرّ على مختلف الأصعدة، ولا سيما الصعيد العسكري، إذ أصبحت اليوم ثاني أكبر دولة منتجة للأسلحة بعد الولايات المتحدة الأميركية، وفق تقرير لمعهد "استوكهولم" الدولي لأبحاث السلام "سيبري".

وتفيد تقديرات المعهد بأنَّ الصين باتت تحتلّ المركز الخامس في قائمة أكبر الدول المصدّرة للأسلحة. وقد ارتفعت مبيعات الأسلحة التقليدية الصينية إلى 16.2 مليار دولار على مدار 12 عاماً مضت، بعد أن كانت تبلغ نحو 645 مليون دولار في العام 2008. وذهبت حصَّة الأسد من هذه الصادرات إلى آسيا، حيث تعتبر باكستان المشتري الرئيسي للأسلحة الصينيّة.

وتشكّل الميزانية العسكرية الصينية ثاني أكبر ميزانية دفاع في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. وفي العام 2019، أبلغت الحكومة الصينية عن ميزانية دفاع رسمية تبلغ 6.177 مليار دولار. وبحسب مشروع ميزانية الصين للعام 2020، فإنّ الإنفاق العسكري سينمو بنسبة 6.6%، ليصل إلى 8.178 مليار دولار أميركي. وتسجّل الميزانية الدفاعية لهذا العام تراجعاً طفيفاً مقارنة بالعام الماضي (+7,5%).

أثار التفوّق العسكريّ الصّينيّ قلق الولايات المتحدة الأميركية، التي ترى أنَّ الصّين تريد منافستها عسكرياً، وتسعى إلى تحديث قواتها المسلّحة، لضمان سيطرتها الإقليمية على المحيط الهادئ وجنوب آسيا، ومقارعة نفوذ الولايات المتحدة الأميركية العالميّ. لذلك، تصرّ واشنطن على إشراك بكين في مفاوضات الحدّ من التسلّح، وإدخالها في أيّ اتفاق بشأن الحد من الأسلحة النووية، رغم تأكيد بكين مراراً وتكراراً أنها غير مهتمّة بالانضمام إلى تلك المعاهدات.

منذ تولّيه السلطة، دأب الرئيس دونالد ترامب على الانسحاب من عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصَّة بالأسلحة، فقد ألغى في العام 2018 الاتفاق النووي الموقع مع إيران، وانسحب من معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى مع روسيا في العام 2019. ومؤخراً، أعلن انسحابه من اتفاقية الأجواء المفتوحة. وحالياً، تجري مفاوضات بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية حول تمديد معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة "نيو ستارت" الثنائية الموقعة في العام 2010، والتي ينتهي مفعولها في 5 شباط/فبراير 2021.

ولم يستبعد المبعوث الأميركي مارشال بيلينجسليا، الذي أجرى المفاوضات مع نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، تمديد الاتفاقية، لكن بشرط أن تتعهَّد روسيا بتحديد الأسلحة مع الصين. وفي ظلّ انسحاب الولايات المتحدة من عدد من الاتفاقيات الدولية، لم يكن غريباً أو غير متوقّع أن يعلن ترامب انسحابه من الاتفاقية الدولية لتجارة الأسلحة، والتي كان وزير الخارجيّة الأميركيّة آنذاك جون كيري قد وقّعها في العام 2013، وأُرسلت إلى مجلس الشيوخ من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 للتّصديق عليها.

وفي نيسان/أبريل 2019، أعلن ترامب، خلال الاجتماع السنوي للرابطة الوطنية الأميركية للسلاح، الانسحاب من اتفاقية تجارة الأسلحة، إذعاناً منه إلى رغبات الرابطة وجماعات محافظة أخرى كانت تعارض تلك الاتفاقية. وجادل البيت الأبيض أن الصين وروسيا لم تنضما إلى المعاهدة. 

وبذلك، يكون انسحاب ترامب من المعاهدة لسببين، فهو يسعى من جهة إلى شدّ عصب المناصرين له في حملته الانتخابية، ويريد، من جهة أخرى، جرّ الصين للانضمام إلى المعاهدة. في المقابل، رأت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي أن انسحاب ترامب من معاهدة أخرى تحدّ من التسلّح "يقوّض الأمن القومي، ويجعل العالم أكثر خطورة".

وفي الوقت الذي أعلنت الولايات المتحدة الأميركية نيّتها الانسحاب من اتفاقية تجارة الأسلحة، صوَّتت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني على قرار الانضمام إلى المعاهدة التي تنص على أن تجري كل دولة تقييماً قبل بيع الأسلحة، لمعرفة ما إذا كانت ستُستخدم في عمليات إبادة جماعية أو جرائم حرب، أو إذا كانت ستُستخدم من قبل إرهابين أو عصابات جريمة منظّمة، ومنع وصول الأسلحة إلى منتهكي حقوق الإنسان أو المجرمين.

وتشمل المعاهدة مختلف أنواع الأسلحة التقليدية، من مثل دبابات القتال، مركبات القتال المدرعة، منظومات المدفعية من العيار الثقيل، الطائرات المقاتلة، المروحيات الهجومية، السفن الحربية، الأسلحة الصغيرة، والأسلحة الخفيفة. 

امتنعت الصين عن التصويت على الاتفاقية في العام 2013، لأنّها كانت تعتبر أنّ التوصل إلى اتفاقية لتجارة الأسلحة يكون من خلال التوافق الذي يكون مقبولاً لدى الأطراف كافة. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2019، أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي أنّ الصين ستستمرّ في "أداء دور نشط في العملية الدولية للحد من انتشار الأسلحة". ولذلك، شرعت في إجراءات قانونية داخلية للانضمام إلى اتفاقية تجارة الأسلحة التقليدية.

وعلى الرغم من أنَّ الصين لم تكن طرفاً في اتفاقية تجارة الأسلحة، فإنَّها أصدرت سلسلة من القوانين والمراسيم التي تطبّق ضوابط صارمة وفعّالة على جميع صادرات الأسلحة، وكانت تتبع سياسة بشأن تصدير الأسلحة تقوم على 3 مبادئ:

-  أن يساعد ذلك القدرة المشروعة على الدّفاع عن النّفس في البلد المتلقّي.

-  ألا يقوّض ذلك السلام والأمن والاستقرار في المنطقة المعنية والعالم بأسره.

-  ألا يتدخَّل ذلك في الشؤون الداخلية للبلد المتلقي.

وتباشر الصين تجارة الأسلحة مع الدّول ذات السّيادة فقط، وليس مع جهات غير حكومية. وتشترط على الحكومة المتلقية تقديم شهادات المستعمل النهائيّ والاستعمال النهائيّ، مع الالتزام بعدم نقل الأسلحة المستوردة من الصين إلى أي طرف ثالث من دون موافقة مسبقة من الحكومة الصينيّة.

يُعد تصديق الصّين على اتفاقية تجارة الأسلحة خطوة مهمة ورئيسية لحماية النظام الدولي القائم على ضبط التسلّح، وحماية السّلام والاستقرار الدولي والإقليمي، وبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية. وربما يكون انضمام الصين إلى المعاهدة خطوة لتشجيع الدّول الأخرى على الانضمام، وفرصة لمراجعة الولايات المتحدة موقفها حيال الانسحاب منها.

تسعى الصّين جاهدة إلى انضمام الولايات المتحدة الأميركية إلى الاتفاقية الدولية، لأن من شأن ذلك الحدّ من صادرات الأسلحة الأميركية إلى تايوان، فالمعاهدة تتطلَّب من الموقّعين عليها مراقبة وارداتهم وصادراتهم من الأسلحة، ويوفّر ذلك حجة صينيّة، مفادها أنَّ مبيعات الولايات المتحدة الأميركية أو نقل الأسلحة إلى تايوان، من شأنه أن يتحايل على نظام مراقبة الواردات في الصين، وينتهك مبدأ وحدة أراضي الصين، وبالتالي ينتهك بنود المعاهدة.

من ناحية أخرى، تفرض المعاهدة على الدولة الطّرف، وقبل أن تمنح الإذن بالتصدير، أن تقيّم احتمال ما إذا كانت الأسلحة ستقوّض السّلم والأمن. وبما أنَّ علاقات الصين وتايوان متوترة دائماً، فإنَّ تصدير الأسلحة الأميركية إلى تايوان يشكّل انتهاكاً للاتفاقيّة.

إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تصرّ دائماً على إشراك الصين في معاهدات الأسلحة، فهل سيشكّل انضمام بكين إلى اتفاقية تجارة الأسلحة تغيّراً في موقف واشنطن حيال الانسحاب من الاتفاقية؟ في المقابل، هل ستتمكَّن الولايات المتحدة الأميركية من إقناع الصين بالمشاركة في مفاوضات الحدّ من التسلّح النووي لكبح تطوّرها العسكريّ؟

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
تمارا برو

أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانية وباحثة في الشأن الصيني

إقرأ للكاتب

هل تكون بريطانيا كبش محرقة في الصّراع بين الصين والولايات المتحدة؟

توتير العلاقات بين الجانبين سوف يؤثر سلباً في اقتصاد بريطانيا، فالصين حالياً هي سادس أكبر سوق...

أستراليا "الدولة المحظوظة" لم تعد كذلك.. حاجة إلى الصين وأميركا

يبدو أنّ أستراليا قرَّرت خوض المغامرة، وبدأت تكون بالفعل طرفاً إلى جانب الولايات المتحدة...

هل تعيد الصين النظر في علاقاتها مع الدول التي اتّهمتها بعدم الشفافية؟

على خطى بريطانيا، وافقت فرنسا على السماح لشبكة هواوي باستغلال شبكة الجيل الخامس مع بعض القيود،...