لا أحد فوق أحكام التّاريخ

حين قال جمال عبد الناصر في العام 1969 "على ضفاف نهر السويس يتقرّر مصير العالم"، لم يكن كلامه خارج حتمية الجغرافيا.

  • من يدفع منطقة الشرق الأوسط إلى الانفجار، ولصالح من.. ومن يقف وراء الأزمات المصطنعة فيه؟
    من يدفع منطقة الشرق الأوسط إلى الانفجار، ولصالح من.. ومن يقف وراء الأزمات المصطنعة فيه؟

"السّياسة فنّ الممكن". الذين يؤمنون بهذا المصطلح يؤمنون أيضاً بأنّ أيّ صراع خارجيّ يبدأ ضمن الواجهة الأولى له. أهم ما في هذه الواجهة فبركة الأحداث وتوجيه الرأي العام، بحسب تسخير نظريات الكذب الإعلامي تسخيراً مبتذلاً. وهناك في كلّ واجهات الصراع نقاط جغرافيّة تحكمها نقاط لا تقبل التّدويل، ولا تؤسّس لاحتمالات النجاح خارجها.

حين قال جمال عبد الناصر في العام 1969: "على ضفاف نهر السويس يتقرّر مصير العالم"، لم يكن كلامه خارج حتمية الجغرافيا أو مجرد كلام مصبوب من وراء التاريخ. وحين أوصى نقولا الثاني الروسي: "اتّجهوا نحو مضيق هرمز، فمن يتحكّم به يتحكَّم بالعالم"، لم تكن وصيّته مجرّد وصيّة وعظية من فوق أحكام التاريخ، ومن خلف الأحداث فيه. وإنّ من يجافي هذه الحقائق لا يصطاد إلا الأوهام.

هناك، إذاً، فاصل التاريخ وفاصل المفهوم الاستراتيجي الجديد، اللذان يصنعان الحقب الحضارية الموسومة بعنصر المفاجأة وقوة الداخل، سواء بالتراكم التاريخي أو التكوين البشريّ الَّذي أسَّسه ذلك التراكم. 

إذاً، من يدفع منطقة الشرق الأوسط إلى الانفجار؟ ولصالح من؟ ومن يقف وراء الأزمات المصطنعة فيه؟ الاقتصاد الأوروبي المنهار، أو الهروب الأميركي من العراق وأفغانستان، أو الأزمة العالمية التي تتفاعل فيها الأحداث باتجاه التعددية القطبية (وقد تأسَّست فعلاً)، أو أنَّ الأمر عادي في ضوء الصراع المحتدم بين قوّة الداخل وقوّة الخارج؟

هذه الأسئلة تحدّدها المواقف المتناقضة، وخصوصاً الموقف الروسي الصيني في مجلس الأمن، في مقابل الموقف الغربي المجافي للحقيقة والتاريخ، وفي الجامعة العربية أيضاً، المحالة أصلاً إلى التقاعد السيئ الذكر... المتغيّر في العالم اليوم على المستوى الاقتصاديّ، أو السياسيّ، أو الإقليميّ، أو الدّولي... يدفع بعض الدول إلى الحافات الكبرى لتسكن فيها، وأهمّها أميركا والسعودية و"إسرائيل"، ويدفع البعض إلى الواجهة السياسية، كقوة ناعمة أو كقوة عسكرية فاعلة في الأحداث، وأهمها الصين وروسيا وإيران والهند.

لم تكن روسيا والصين لتقفان بقوة إلى جانب سوريا، لولا أنهما أحستا بأن عمقهما الاقتصادي والاستراتيجي مهدّد... سقوط الشرق الأوسط في يد الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل" يعني سقوطهما، وبالتالي، الهيمنة الأميركية على البترول، وعلى أهم الخطوط الحيوية التي تربط العالم أو القارات الخمس. 

خروج الولايات المتحدة من العراق بفعل إيران ومحور المقاومة، من دون أن تحقق ما أرادته من حربها عليه، أساء إلى سياستها، وأحاطها بأخطار ربما لم تكن تتوقّعها إطلاقاً، وزادتها أخطار كورونا (والخطأ المتخذ ضده سيحيل أميركا إلى التلاشي)، وسياسة الخطأ المتواصل من طرف ترامب، الذي سيحول أميركا قريباً إلى مجتمعين متضاربين؛ مجتمع السود ضد مجتمع البيض، والسؤال: هل تتحقّق رؤيتا البريطاني بول كنيدي في كتابيه "صعود وسقوط الإمبراطورية" و"مجيء القرن الواحد والعشرين"، والمفكّر الأميركيّ نعوم تشومسكي في مقاله "قلق البداية أم خوف النهاية!"؟

وقد وصل الأمر إلى إحراق العلم الأميركي قرب "البيت الأبيض ونيويورك في عيد الاستقلال" من طرف أبنائه، وإلى إنزال العلم الفيدرالي في ولاية ميسيسيبي، باعتبار أنهما "يحملان طابعاً عنصرياً". وما زاد الطين بلة، وصف ترامب المحتجين في مدينة سياتل بـ"الفوضويين والإرهابيين".

هذا التحوّل الأميركي نحو التشتيت سيجعل "إسرائيل" أمام حالة التلاشي أيضاً، وخصوصاً أن أصواتاً في داخلها صارت تصفها بالفاشية، وأنها أصبحت محاصرة من أطراف محور المقاومة، والحاصل نفسه سيمتد إلى السعودية، وهي تعاني أصلاً من سوء الداخل قبل سيّئات الخارج، وأنّ محاولة ابن سلمان مسح أخطائه وخطاياه في محمد بن نايف، ولي العهد المطاح به، أمر مفضوح وغير أخلاقيّ، والمعركة قائمة حول العرش أو ما تبقّى منه.

يؤكّد الصّحافي ديفيد أغناطيوس، في مقالة في "الواشنطن بوست"، أن ما يجري من صراع حول معركة العرش في المملكة العربية السعودية بين ولي العهد الحالي محمد بن سلمان وابن عمه ولي العهد السابق وزير الداخلية، هو صراع اللحظات الأخيرة لابن سلمان. إن احتلال أميركا للعراق ساعد، وبقوة، في نهوض إيران نووياً وعسكرياً، بل أتاح لها فرص النجاح في كثير من المجالات، لأن احتلال العراق أضعف الموقف الأميركي تجاه إيران والمنطقة، باعتبارها أحد خصومها الأساس.

أطاح احتلال العراق أيضاً بمفهوم الامتداد الهادئ للسعودية في المنطقة بالفكر الوهابي الإجرامي، كما أضعف أيضاً دول الخليج الأخرى التي ظلّت تسند ظهرها إلى السّعودية، باعتبارها الأكبر في المنطقة اقتصادياً وجغرافياً وبشرياً.. ولأن السعودية أمام تواريها في أحداث اليمن، رأت عدم الدخول مباشرةً في مواجهة الحلف الناشئ بين إيران وسوريا ودول أخرى.

فما كان من محور الموالاة لأميركا والغرب إلا تأسيس جبهة النصرة و"داعش" لتفجير المنطقة إلى حدود روسيا، وسد الفراغ به أثناء خروجها منها، غير أن هذا البعبع الجديد ارتمى في أحضان تركيا، ما شكّل نوعاً آخر من التحدي لأميركا والسعودية معاً، وبالتالي ماذا بقي لأميركا وذيولها أمام فداحة الانقسام؟ وبالتالي أيضاً، إنّ حتمية السقوط لها ولأتباعها صارت مجرّد وقت فقط.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

إقرأ للكاتب

ترامب.. من عواصف الكذب إلى عواصف العنصرية

من المؤكد أن أميركا الآن، وفي أبجديات سياسة كل دول العالم، هي أكبر دولة منتجة للإرهاب ومناهضة...

السّعودية وتركيا.. وسياسة الانتصار للخطأ!

لم تحرّك تركيا والسعودية، خارج حصارهما لسوريا، شيئاً لأجل قضية محورية هي قضية فلسطين، بل إنهما...

الجزائر.. عواصف الحراك والتغيير السلمي

أبجديات التغيير إذا أخذت منحى الحرب الأهلية والخراب مثل حال ليبيا، هي أبجدية لا تزيد إلا السقوط...

دول الخليج في مواجهة إيران أم في مواجهة الفراغ؟

نحن فقدنا بتواطؤهم المُشين ثقافة الدولة، والثقافة السياسية، وأصبح لدينا ما يُعرف بـ"التواطؤ...

الجزائر.. عصر المُفارَقات الكاريكاتورية

بموازاة التحديات التي يعيشها العالم لاسيما من دُعاة الفكر التكفيري، نحن في حاجةٍ إلى قراءة...

لا تلعبوا بالنار مع إيران!

إن أيّة حرب تشعلها أميركا تحت ضغط إسرائيلي خليجي لن تكون بالتأكيد مثل "عاصفة الصحراء" التي قادها...