السّعودية وتركيا.. وسياسة الانتصار للخطأ!

لم تحرّك تركيا والسعودية، خارج حصارهما لسوريا، شيئاً لأجل قضية محورية هي قضية فلسطين، بل إنهما تعملان على خلق الفجوات التي تأكل الجميع، ولصالح من أوجد الصراع في الأصل.

  • الرئيس التركي خلال لقائه الملك سلمان بن عبد العزيز
    الرئيس التركي خلال لقائه الملك سلمان بن عبد العزيز

هناك أسئلة لا بدَّ من الإجابة عليها. وقد طرحها أغلب المراقبين لما يجري على المستوى الإعلامي والسياسي في السعودية وتركيا ضد عدة دول عربية: لماذا تسخّر السعودية علماءها، ومعهم بعض القنوات الدينية، لبثِّ الفتنة المذهبية، وتصرّ على تشويه المقاومة الإسلامية (حزب الله وحماس)، وتتّهمهما بأنهما منظمتان إرهابيتان؟! ولماذا تسخّر تركيا سياستها تحت الغطاء الديني السياسي لتفتيت الوطن العربي؟ وفضلاً عن كل ذلك، لصالح مَن التحريض بالفتنة المذهبية ضد سوريا، وليبيا، واليمن، والعراق، وضد العالم العربي كله بالطبع؟

من المؤكّد أنهما تصران على ممارسة الخطأ، حتى إنهما تبدوان بمنطلقات تأسيسهما "الوهابي وحزب العدالة" مسخّرتين لهذا الغرض. والمؤسف أنَّه كلّما تمت تعريتهما من صحف عالمية وإقليمية وأحداث دولية، ومن "ترامب" أيضاً، عبر وصفه السعودية "بقرة حلوباً"، تمادت المملكة أكثر في الخطأ، وتمادت تركيا في الاعتداء وبثّ الفوضى في الوطن العربي، لكن هل تنجح الممارسة المتتالية للأخطاء دينياً وسياسياً؟ وهل يستطيع من يقف وراءها الهروب من مواجهة الحقيقة، حين تستقر الأمور وتعود الغربان إلى أوكارها؟ 

بالتأكيد لا، لأنَّ التاريخ ليس مساحة من الأوراق المالية، كما تعتقد السعودية اليوم، أو رواقاً عثمانياً، كما تعتقد تركيا إردوغان، يمشي فيه البعض، ويتأخّر عنه البعض بالأخطاء المروّجة ضده.

التاريخ للجميع، والأحداث فيه بحقائقها، لا بالتهديد بالحرب بالوكالة، وجمع أفراد كمعارضة تدفع مسبقاً مصاريفها، وهي في الأصل نسخة مطورة من الطابور الخامس المتوحش. إنَّ التفكير بمنطق الجريمة لأجل الوصاية على الآخر، وإثبات الوجود ضده، يبدو - للمتأمل فيه - كمحرّك أساسي في لعبة الصراع من أجل قضايا أكبر بكثير من المنطلق الذي يحرك الأحداث، ويبدو بالتأكيد أسوأ من العبث، وأقل تقديراً للمواقف. 

حين تشتدّ عواصف الأزمة، ليس هناك أقل من ارتهان سياسي في سوق المتاجرة بالأخطاء، لصالح من يحركون الصراع في الواقع من خلف الستار، وهما أميركا و"إسرائيل"... فلم تحرّك تركيا والسعودية، خارج حصارهما لسوريا، شيئاً لأجل قضية محورية هي قضية فلسطين، بل إنهما تعملان على خلق الفجوات التي تأكل الجميع، ولصالح من أوجد الصراع في الأصل، وهما الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل".

إذاً، هي محاولات لتصدير الأوهام، بقصد خلط الأوراق، للتستّر على الجريمة ومن يقف وراءها. وبالتأكيد، هناك أيضاً مواقف لأطراف أخرى مغايرة تماماً للموقف الّذي اتخذته الجامعة العربية وأمينها العام، بطرد سوريا من الجامعة العربية بأمر سعودي قطري، رغم أنها عضو أساسي مؤسس لها، وهو موقف مخزٍ ومشين، ولكن نظراً إلى الأزمات التي تعيشها المنطقة العربية، تأخر ظهور هذه المواقف.

إن سياسة تركيا "إردوغان" التوسعية الاستعمارية، التي وعدت من طرف الولايات المتحدة في زيارة "إردوغان" الأخيرة إليها بأن تكون الدرع الأساس في عمليات الاحتواء المنتظرة لأطراف سورية معارضة، من أجل أن تكون صاحبة الدور في التوجهات الجديدة لأميركا في المنطقة، هي أيضاً رؤى قائمة على رؤى خلفية تجعل من تركيا مجرد حصان طروادة لآمال لا يمكن أن تحقق لها شيئاً، سواء على مستوى التاريخ أو على مستوى الجغرافيا.

وقد اقتضت هذه الوعود مرة جديدة رؤية أخرى، هي أن تركيا تلقت وعداً أميركياً بأن تكون لها التركة الموهومة لملء الفراغ السياسي الَّذي ستتركه أميركا بعد خروجها من العراق تحت ضربات المقاومة، وبالتحديد محور المقاومة. وما أطماع تركيا في حلب والموصل إلا من مبادئ حزب العدالة والتنمية منذ تأسيسه.

وقد نشرت الرئاسة التركية أكثر من خريطة مقسّمة لسوريا والعراق وليبيا، وفق رؤيتها ورؤية واقعها فيها مستقبلاً، وكأنها ترسم من جديد خارطة العالم الإسلامي، في ظلّ الهيمنة العثمانية المزعومة! والواقع أن العراق الآن في صدارة الأحداث المكوّنة للمحور الجديد في المنطقة، والذي يمتدّ من إيران إلى العراق، فسوريا، فاليمن، والمقاومتين في لبنان وفلسطين، وهو يمثّل اليوم، وعلى مدى السنين القادمة، العمق الاستراتيجي للدول الصاعدة مع محور المقاومة، ويحيل الوجود الأميركي الإسرائيلي فيها إلى خارج الأحداث.

وما مغامرة السعودية في اليمن إلا محاولة لتوريث الفشل للآخرين، بدلاً من أن يظل جاثماً على صدرها، وإنها لمغامرة قد تزيح العرش الملكي نهائياً، وهو ما يبدو واضحاً ومؤكداً اليوم، مع التصرف المشين واللاأخلاقي لمحمد بن سلمان، سواء مع شعبه داخل المملكة أو مع جيرانه.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

إقرأ للكاتب

مطبّعون أو مجرد أصنام؟

إن السياسة لا تنظر إلى المفاهيم، ولكنها تحاول إدراكها بما لها وما عليها من إيجابيات وسيئات.

ترامب وماكرون.. من سياسة الأوهام إلى سياسة الخراب!

سباق نحو عودة فرنسا إلى قيادة أوروبا، من خلال مأساة لبنان، بعد أن غرقت في الفشل السياسي داخلياً...

التطبيع الإماراتي والخطأ التاريخيّ المنتظر

السير خلف قاطرة التطبيع معناه بداية الانتحار، لأننا نعيش وضعاً عالمياً يتغير فيه كل شيء بسرعة،...

ترامب.. من عواصف الكذب إلى عواصف العنصرية

من المؤكد أن أميركا الآن، وفي أبجديات سياسة كل دول العالم، هي أكبر دولة منتجة للإرهاب ومناهضة...

لا أحد فوق أحكام التّاريخ

حين قال جمال عبد الناصر في العام 1969 "على ضفاف نهر السويس يتقرّر مصير العالم"، لم يكن كلامه...

الجزائر.. عواصف الحراك والتغيير السلمي

أبجديات التغيير إذا أخذت منحى الحرب الأهلية والخراب مثل حال ليبيا، هي أبجدية لا تزيد إلا السقوط...