"دولة عميقة" و"دمى" رئاسية وسيناريو أسود.. هل تنقسم أميركا؟

السّؤال "التراجيدي" الحاضر الآن: ماذا سيحدث لو خسر ترامب ورفض تسليم مقاليد الحكم للرئيس المقبل؟

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المقر الوطني للصليب الأحمر الأميركي يوم 30 يوليو 2020 في واشنطن  (أ.ف.ب)
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المقر الوطني للصليب الأحمر الأميركي يوم 30 يوليو 2020 في واشنطن (أ.ف.ب)

دونالد ترامب هو الرجل العنصري الّذي يحاول فرض ما يسميه "القانون والنظام" بقوات "فيدرالية"، لمواجهة تظاهرات لاعنفية ضد التمييز العنصري؛ هو الرجل الذي يَعتقد في قرارة نفسه أنه ذكي جداً، لكنه لا يفرق بين الإنفلونزا الموسمية ووباء فيروس كورونا المستجد، الرجل الذي وجد في حقن المعقّم داخل الجسم دواء لعلاج كوفيد 19! الرجل الذي أكّد مختصّون في الأمراض العصبية والنفسية في بلاده أنه غير مؤهل عقلياً لحكم الولايات المتحدة، ولكنه يزعم أنه اجتاز اختباري القدرات العقلية والذاكرة بنجاح، وهو لا يعرف عدد ضحايا كورونا في أميركا، الرجل الَّذي يشتم النساء والرجال السياسيين، ويقلّل من احترام الدول الحليفة أيضاً، الرجل الَّذي يرفض واقع انكماش الاقتصاد الأميركي، رغم أنّ هناك عشرات الملايين الذين أصبحوا بلا مأوى ويحتاجون إلى الإعانة (25 مليون شخص)، هو الرجل الذي يعيش الآن حالة إنكار، جالساً على كرسي الحكم، ويطمع في ولاية رئاسية ثانية!

قد لا تعني السياسة الخارجية للناخب الأميركي كثيراً بالقدر الذي تعنيه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الداخلية. وقد استطاع ترامب في هذا الجانب أن يقسم المجتمع الأميركي إلى جبهتين وأكثر، حيث يمكن في بعض الولايات رؤية أعلام مرفوعة ترمز إلى القانون والأمن ودعم الشرطة في تدخّلها العنيف ضد المتظاهرين ضد العنصرية، بينما تخرج أمهات في ولايات أخرى إلى الشوارع، ليحمين أبناءهن من بطش الشرطة بـ"جدار" من أجسادهنّ.

ووسط هذا الانقسام الأميركي اليوم، بين يمينيين متطرفين ورجال الشرطة العنصريين، وآخرين يعانون من التمييز ويريدون التغيير، هناك فئة ثالثة تسعى للاستيلاء على السلطة، وتتمثل بالديموقراطيين الذين وضعوا برنامجاً لمرشحهم جو بايدن، يتعهَّد بإنقاذ الولايات المتحدة من مشاكلها الحالية، مثل وباء كورونا، والانكماش الاقتصادي، والعنصرية المؤسّسية، التي يعتبر الحزب الديموقراطي أنَّ ترامب فشل في إدارتها وحلّها، إضافةً إلى وعدهم بالخروج من اليمن وأفغانستان والعراق، وهي الوعود نفسها التي أطلقها ترامب خلال حملته الأولى ولم يحقّقها! وفي المقابل، يقف الرئيس المتهم، الذي يواصل معركة "التغريدات" مع خصومه على "تويتر" وإعادة نشر تغريدات مؤيديه، الذين قد يذهبون بعيداً من أجل إبقائه في البيت الأبيض الأميركي لعهد ثانٍ!

من سيوصل أحد المرشّحين إلى السلطة؟ 

آلاف المحتجين المؤيدين لـ"حياة السود مهمة" في واشنطن وبورتلاند (أكبر مدن أوريغون)، الذين يواجههم رئيسهم بعناصر من الشرطة الفيدرالية مدجّجين بالتجهيزات العسكرية، مستخدمين ضدهم الرصاص والغازات المسيّلة للدموع والضرب والاعتقال التعسفي، لن ينتخبوا ترامب مرة أخرى، على غرار آلاف النساء اللواتي ينتمين إلى حركة "جدار الأمهات".

الأمر نفسه بالنسبة إلى الأميركيين من أصول لاتينية وعربية وأفريقية وآسيوية، وخصوصاً المسلمين منهم أيضاً، الذين أغلق ترامب أبواب الهجرة في وجوه بني جلدتهم، بسبب عنصريته وسياسته العدائية تجاه دينهم وبلدانهم الأصلية، وكذلك النساء اللواتي يحقّرهن هذا الرئيس، لأسباب عرقية أو دينية أو سياسية، هؤلاء جميعاً ربما لن ينتخبوه أيضاً!

ولكن وفق استطلاعات الرأي التي أجريت في الانتخابات الماضية، لم يصوّت الأميركيون ذوو البشرة السمراء لترامب، بل لمنافسته هيلاري كلينتون، مثلما صوّت لها النجوم والنساء وناخبون آخرون من الأقليات العرقية والدينية. 

ورغم ذلك، ربح رجل الأعمال ترامب، وخرجت عقيلة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون من السباق وهي تشكّك في نتيجة الانتخابات، ولكن، هذه المرة، اللعبة الانتخابية التي ستنتهي بفوز بايدن أو ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 ليست عادية، بل على العكس، هي من النوع القتالي.

سيناريو درامي.. ماذا سيفعل ترامب لو خسر؟

تشير الصورة العامة في الولايات المتحدة الأميركية إلى أن ترامب لن يحظى بعهد ثانٍ، ولكن الأشهر القادمة حاسمة، ويمكن أن تغير المعادلة، وربما تفاجئنا أميركا بفوزه، لكن السّؤال "التراجيدي" الحاضر الآن: ماذا سيحدث لو خسر ترامب ورفض تسليم مقاليد الحكم للرئيس المقبل؟ 

هذه الفكرة ليست "خيالية"، فقد صرح ترامب سابقاً بأن فكرة بقائه في السلطة لسنوات، ربما تمتد إلى 29 سنة، ليست فكرة "سيئة".. والرجل لا يمزح! إنه نرجسي، ويفعل أي شيء للبقاء في البيت الأبيض!

كما أنّ العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية، من بينها منافسه بايدن، يتداولون سيناريو درامياً ربما يكون الأول من نوعه في تاريخ الانتخابات الأميركية على الأقل أمام العلن، وهو ألا يقبل ترامب الهزيمة، ويرفض تسليم السلطة، مرجحين تدخل الجيش الأميركي لإخراجه بالقوة من البيت الأبيض.

هذا السّيناريو ليس من بنات أفكار الديموقراطيين فقط، بل هناك أصوات كثيرة من الجمهوريين النافذين الذين يعتبرون أن من حق ترامب البقاء في السلطة لعهد ثانٍ، ومنهم القسيس والجمهوري والحاكم السابق لولاية أركنساس، وأيضاً زعيم الإنجيليين مايك هاكابي جيري فالويل الابن، لتعويض ما أسموه بــ"محاولة الانقلاب الفاشلة" التي تعرض لها من قبل الديموقراطيين.

ومن مؤيدي هذه الرؤية أيضاً حركة "كيو آنون" التي ظهرت في العام 2017 عبر منصّة "Chan4"، التي تنشر فيها الشخصية المجهولة الهوية التي تحمل اسم "كيو" (Q) (يروّج مؤيدو الحركة على أنه مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية) أفكاراً عن وجود مؤامرة لتدمير دونالد ترامب.

وقد تم أخيراً حظر حوالى 7000 حساب تابع للحركة على "تويتر"، بسبب ما أسمته الشركة "سلوكيات يمكن أن تسبب أضراراً في الحياة الحقيقية". كما أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي "أف بي آي" يرى في "كيو آنون" أنها تمثل "تهديداً إرهابياً محتملاً". 

هل سيحتمي ترامب بـ"كيو آنون" وبـ"نظرية المؤامرة"؟

يعتقد الكثيرون أنّ دونالد ترامب وزمرته من اليمينيين المتطرفين هم من يؤمنون ويشيعون فكرة أن الولايات المتحدة تتعرّض لاستهداف من قبل "الدولة العميقة" التي يقف في واجهتها باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وحتى نجوم سينمائيون ومؤسسات إعلامية.

يُذكر أنّ "نظرية المؤامرة" التي يتبناها الجمهوريون ظهرت وانتشرت في بداية القرن الماضي في الولايات المتحدة. ووفقاً للصحافي الأميركي جورج جونسون، فإن "عقيدة التآمر أو المؤامرة تم دفعها من قبل متطرفي الجناح اليميني منذ بداية القرن (الماضي)".

وليس من الغريب أن تكون حركة "كيو آنون" جزءاً من لعبة يقوم بها الحزب الجمهوري، وخلفه منظمات أميركية تحاول إثارة رعب الشعب الأميركي لدفعه إلى انتخاب ترامب مرة ثانية. وقد ظهرت عدة أصوات إعلامية تدعم "نظرية المؤامرة" على ترامب، منها مذيعة في قناة "فوكس" الأميركية، تدعى تريش ريجان، والتي قالت إن الديموقراطيين يحمّلون ترامب "مسؤولية" وباء فيروس كورونا الجديد، معتبرة أن "هذه محاولة أخرى لعزل الرئيس، فالديموقراطيون والإعلام الليبرالي يحاولون استخدام الوباء من أجل شيطنة الرئيس وتدميره"، وهو ما تسبّب بإقالتها من القناة المذكورة.

وريجان واحدة من الملايين الّذين يؤمنون بأنَّ هناك مؤامرة تحاك ضد ترامب، وعليهم ألا يسمحوا بتدميره. إنَّ جوهر نظرية المؤامرة التي تتبنّاها هذه الحركة، هو وجود لوبي سري يمثل "الدولة العميقة"، ويسيطر على نخب سياسية ووسائل إعلاميّة، وحتى على صناع السينما الأميركيّة ونجومها، معتبرين أنَّ ترامب انتخب لوضع حد لهذه المؤامرة، وأن هذه "الدولة العميقة" هي الّتي تتآمر اليوم عليه، لأنّه يسعى لوضع "السلطة في يد الشعب الأميركي ومنعهم من الوصول إلى مآربهم"!

ويروّج ويهدّد أصحاب هذه النظرية بما يسمونه "العاصفة"، وهي خطَّة "لاعتقال أعضاء هذا اللوبي ومؤيديه، ومن ثم تتمّ محاكمتهم. وفي هذه المرحلة، سيحكم الجيش الأميركي للخلاص من هذه الزمرة وتحقيق المدينة الفاضلة"! فهل ستعمل هذه الحركة على إبقاء ترامب في البيت الأبيض لولاية ثانية بطرق الترهيب والتخويف وإشاعة نظريتها بين الأميركيين لينتخبوه أو أنها ستلجأ إلى التزوير؟ وهل "العاصفة" هي ما تحدَّث عنه ترامب في آخر تصريحاته الإعلامية، وهي نفسها التي تذكرها "كيو أنون" دائماً، وهي إشعال حرب أهلية في حال خسارته للانتخابات، وهو أمر وارد، بحسب مؤسسات أمنية ومراكز أبحاث؟

لقد كانت كلينت واتس، الوكيلة السابقة في مكتب التحقيقات الفدرالي، قد دقت ناقوس الخطر، وقالت إن الحركة "ظاهرة خطيرة، لأنها تحتوي على جميع العناصر التي يمكن أن تشعل انتفاضة، أو تحرّض على العنف، أو حتى تؤدي إلى ثورة سياسية".

تشير واحدة من شعارات "كيو آنون" المؤيدة لترامب إلى أنه "أينما يذهب واحد منا نذهب جميعاً"، فهل سيذهب مؤيدو هذه الحركة إلى الشارع، ويصفّون حساباتهم مع "الدولة العميقة" بالحرق والقتل من أجل فرض أفكارهم على الولايات المتحدة؟!

هل "كيو آنون" وحدها من يقف إلى جانب ترامب؟

لدى ترامب شعبيَّة كبيرة، وخصوصاً من اليمينيين المتطرفين. وفي حال تحققت توقعات المحللين، ورفض ترامب تسليم السلطة، فقد تنضمّ إلى "كيو آنون" حركات أخرى، مثل كو كلوكس كلان (Ku Klux Klan)‏، أو اختصاراً (KKK)، وهي مجموعة منظّمات تؤمن بالتفوق الأبيض، وتستخدم العنف والإرهاب، وهي منظمات خطيرة ظهرت في بداية القرن الماضي، وما زالت نشطة حتى الآن.

وهناك أيضاً مجموعة تطلق على نفسها اسم "اليمين الأميركيّ البديل"، وهي تساند الرئيس ترامب، وأعضاؤها متطرفون من ذوي البشرة البيضاء، يعادون المسلمين وذوي البشرة السمراء، وهؤلاء جميعاً، إضافة إلى مناصري ترامب، من المواطنين العاديين والمسؤولين السياسيين والأمنيين، ربما لن يقفوا صامتين أمام خسارة مرشحهم الذي يمكن أن يقدم على أي شيء للبقاء في السلطة، ولو على حساب أمن بلاده. 

ليس الناخب هو من يقرّر 

ختاماً، يقول الأكاديميان توماس آر داي وإل هارمون في كتابهما "سخرية الديموقراطية" إنّ "العيش في ديموقراطية في عصر اقتصادي علمي نووي إنما يتم تشكيله، تماماً كما في المجتمع التوتالي، على يد حفنة من الرجال. وعلى الرغم من الاختلافات في أساليبهم في ما يتعلق بدراسة القوة والسلطان في أميركا، فإن الطلاب والعلماء الاجتماعيين على حد السواء، يتفقون على أن مفتاح القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إنما هو بيد الأقلية القليلة". 

ويقول أيضاً كل من ديفيد والتشنسكي وإيرفنك ولاس في كتابهما "مناخ الشعوب": "هناك العديد من القوى العاملة في مجتمع الولايات المتحدة، ولكن أقواها إلى الحد أقصى هي الدوائر المتشابكة المترابطة للبنوك الرئيسة وشركات التأمين، وبدعم من قادة المجمع الصناعي العسكري".

في السياسة الأميركيّة، ليس الناخب هو من يقرّر من يحكم الولايات المتحدة، بل قوة حاكمة تقف وراء الكواليس، وهي من يوجه الناخب الأميركي بمخاطبة عقله، وهي من سيقرر ترامب أم بايدن!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية

إقرأ للكاتب

التطبيع والسير باتجاه الهاوية

إنَّ الذاكرة الأمنية المبنية على الخبرة الطويلة في الميدان واستقراء العدو حدّدت مبكراً لمحور...

كيف يرى برنارد ليفي التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل"؟

يرى ليفي أنه سوف يتم التخلص من صورة "إسرائيل" باعتبارها كياناً غير شرعي في الشرق الأوسط لتتحول...

تركيا الجديدة و"الوطن الأزرق".. إرهاصات حرب عالمية؟

هل ستحارب تركيا أوروبا؟ وهل ستخرج منتصرة؟ من البديهي أن يكون الجواب لا، فهل يمتلك إردوغان...

الحصار الأميركيّ.. دروس من دول "معاقَبة"!

هذه العبارات ليست شعارات لتخدير الشعوب من آلام الحصار والعقوبات واستبداد الدول الغربية، بل هي...

كورونا يُعرّي "نظام التفاهة"

لقد ثبت للعالم أن القِيَم الأخلاقية والفلسفية والثقافية باتت غير مرئية، وأصحابها يعيشون "العزل"...

هل الوضع في سوريا أسوأ من 2014؟

رغم الضغوطات، تسعى دمشق إلى إيجاد أسواق جديدة وقد نجحت في ذلك نوعاً ما، وهناك عمل جدّي لزيادة...