عن بيروت التي لمَّت شتاتنا السوري المزمن

لا تشبه الحرائق المُخمَدة بيروت الجميلة، تلك التي نحفظها نحن السوريين، الذين لمَّت بيروت شتاتنا في الحرب لسنوات.

  • عن بيروت التي لمَّت شتاتنا السوري المزمن (أ ف ب)
    عن بيروت التي لمَّت شتاتنا السوري المزمن (أ ف ب)

لا يشبه مشهد الحرائق المُهمَدة والركام الساكن بيروت التي أعرفها؛ ست الدنيا، قطعة السما، الصنوبرة الدائمة الخُضرة، وأصغر الحلوات في زمن العجائز، بيروت التي نفضَت عنها غبار الحرب الأهلية ذات زمن، ثم تحررت ذات نصر، ثم صارت أسيرة التجاذبات والنزاعات إلى اليوم.

حتى اللحظة، يعجز العقل عن استيعاب ما جرى أمس. حرب الأعوام العشرة التي لم يُقفل سجلُّها، بكل حرائقها وانفجاراتها وفجائعها في سوريا، لا تكفي لتقبُّل فكرة أن مرفأ بيروت الآمنة تحوّل خلال ثلاثين ثانية إلى صورة مكثّفة لحيٍّ من أحياء حمص القديمة التي دمرتها الحرب في ثلاثين شهراً. ثلاثون ثانية غدت بيروت فيها مدينةً من غبار، مدينة من حُطام، إذ لا حرب تفعل كل ذلك في ثلاثين ثانية، مهما كُثِّفَت.

عرفت بيروت قبل سنوات عديدة كمشوارٍ شهي لا يمكن اعتياده مهما اعتدته، وعرفتها منذ الطفولة كموطنٍ أصليٍّ لنا. دأب والدي على أن يقول إنَّ أصولنا ترجع إلى عائلة كبيرة لا زلنا نعرفها بالاسم في شقرا جنوب لبنان، واعتاد أن يقول دوماً إن يوماً ما سيأتي، سيعيدنا إلى هناك.

وعرفت بيروت وجهةً لقلبي لسنوات، كلما استبدّ بي الشوق إلى حضن أمي ويديها.

عرفت بيروت المدينة التي تصنع الشعر والشاعر، الأغنية والمُغنّي، الموسيقى والملحن، المسرح والممثل، القصيدة والمقالة والرواية... مدينة تخلق أصول الجمال وتجلياته.

وفي بيروت، عرفت الأشياء ونقيضها. عرفت الصمت الذي يغمر كموجةٍ صخب البحر على شطّ "الرملة البيضا"، والصوت الذي يخشى صمت المقاهي في شارع الحمرا ومركز المدينة، عرفت كيف يحيا الناس حين يموتون ببيروت حباً، وآخرون يموتون دفاعاً عنها.

عرفت أضواءها التي تَسحر ولا تنحسر، والليل الذي يطول ولا يُمل، والشوق الذي يزيد فيها ولا يغيض، والقلب الذي ينبض ولا يقبض، وكأنك تكتشف قلبك للمرة الأولى هناك.

وعرفت القمر الذي يكتمل كل ليلة "على دارتنا"، ولو كان الشهر في أوله.

لا تشبه الحرائق المُخمَدة بيروت الجميلة، تلك التي نحفظها نحن السوريين، الذين لمَّت بيروت شتاتنا في الحرب لسنوات. في مطارها، ودّعنا إخوتنا وودّعونا، وفيه استقبلناهم من جديد مرةً أخرى. بيروت حديقة أرواحنا الخلفية، نحن السوريين، مرفأ آهاتنا وضحكاتنا، المحطة الإجبارية التي منحتنا في الحرب هوية لجوء مؤقتة نسافر عبرها إلى العالم. بيروت عيننا الثانية المولهة، وحدّ سيفنا الآخر، كما يقول الشاعر القروي:

             ما الشام ما بيروت في البلوى سوى              عيني مولهة وحدَّي فيصلِ

يلهب النشيج مقلتينا معاً بعد أن بكينا دمشق، وقلنا مراراً: لن يأتي علينا أسوأ مما مضى، لكن القدر يفاجئنا دوماً بما هو أكثر سوءاً، كأن نبكي دمشق وبيروت في زمانٍ واحد، وأن نتقاسم المسار والمصير والخراب ذاته. يا لهذا التاريخ العربي الذي لا يعرف أن يعيد نفسه إلا بتشويه وجوه المدن الصبية!

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زهراء فارس

صحافية سورية

إقرأ للكاتب

حلب.. للذاكِرة مدنٌ عصيّة

طيلة سنوات الحرب، خبر أهالي حلب معنى كلمة طريق كما لم يختبره أحد، وكان أكبر أسئلتهم على مدى عُمر...