المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية في سياق التحالفات الإقليمية والدولية

إنّ التغيرات الإقليمية التي تحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط قد ترسم معالمها لسنوات قادمة.

  • المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية في سياق التحالفات الإقليمية والدولية
    قد يتساءل البعض: لماذا لا تردّ إيران على الضربات العسكرية الإسرائيلية في سوريا؟

على الرغم من تفشي جائحة كورونا في المنطقة، فإن الشرق الأوسط يشهد تغييرات جذرية خطيرة للغاية، قد ترسم معالمه لسنوات قادمة. لعل أبرز هذه التغييرات هو انفجار مرفأ بيروت، وتصاعد احتمالات المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية (بعد ارتفاع حدة الغارات الإسرائيلية في سوريا)، وآثار هذه المواجهة في العالم بشكل عام، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص.

اتخذت المواجهة بين إيران و"إسرائيل" طابع التأجيل لسنوات عديدة. دخلت إيران إلى سوريا. ولعل تغاضي الطرفين الأميركي والإسرائيلي عن هذا التواجد كان لأسباب استراتيجية، وهي استنزاف إيران في سوريا، سواء من الناحية البشرية أو الاقتصادية. ولا يبدو أنّ الإيرانيين كانوا في غفلة عن هذا الاستنزاف، إذ وضعت إيران امتيازات التدخل والاستنزاف على كفّتي الميزان، ورجّحت كفة الامتيازات، فجاء قرار التدخل المباشر والفاعل في سوريا.

صحيح أنّ إيران تعاني من أزمات اقتصادية، وأنّ الأوضاع المعيشية فيها سيئة للغاية، وخصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا (والعقوبات التي تنتهجها الإدارة الأميركية)، إلا أنها وجدت أنّ انخراطها بطلب من الدولة السورية لا بد منه. لذلك، بنت قواعد، وانتشرت على طول الحدود الشمالية لـ"إسرائيل" في سوريا، وأصبح تواجد الإيرانيين هناك أمراً واقعاً، كما أنه غيّر العديد من المعادلات الإقليمية الإسرائيلية.

لماذا لا يرد الإيرانيون؟

قد يتساءل البعض: لماذا لا تردّ إيران على الضربات العسكرية الإسرائيلية في سوريا؟

إن الإجابة على هذا السؤال يتطلب النظر في الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إيران لتحقيقها في سوريا والمنطقة، فمن المرجح أن الهدف الاستراتيجي المهم لإيران في سوريا، هو تثبيت القواعد العسكرية وتموضعها قرب الحدود الإسرائيلية، لتصبح المدن الإسرائيلية على مرمى حجر من أهدافها. 

ومن وجهة نظر تحليلية، لن تفرّط إيران في هذه القواعد وترد بشكل عميق وقوي على الهجمات الإسرائيلية، التي يتم القضاء على بعضها من قبل الدفاعات الجوية السورية، ويخطئ بعضها الهدف، ويقتصر بعضها على الماديات في العتاد العسكري، ناهيك بحليف إيران حزب الله، الذي فرض قواعد اشتباك مع "إسرائيل" منذ أكثر من عام تقريباً. وتفيد قواعد الاشتباك هذه بأنَّ حزب الله سيردّ على مقتل أيّ من عناصره، سواء في لبنان أو سوريا. لذلك، يتجنَّب الإسرائيليون شنّ هجمات عمياء قد تدفع بكرة الثلج إلى الهاوية.

شيطنة إيران

إنّ ما ساعد "إسرائيل" على التمادي في التفريط بحقوق الفلسطينيين أمران؛ الأول وصول قائد يميني عنصري مثل ترامب إلى البيت الأبيض، يمسك قلمه، ويخطّ ملكية الأراضي الفلسطينية والسورية للإسرائيليين. والأمر الآخر هو وقوع الدول العربية (الخليجيّة وغير الخليجيّة) في فخّ شيطنة إيران، وترويج بعض وسائل الإعلام العربية لهذه الشيطنة، وتصوير إيران على أنها العدو الأول للدول العربية بدلاً من "إسرائيل"، بل اتجهت بعض وسائل الإعلام إلى تصوير "إسرائيل" على أنها الحليف المناسب للوقوف أمام المد الإيراني في المنطقة.

وللإجابة على هذين الطرحين، علينا مناقشتهما بحيادية وتمعّن للوصول إلى الحقيقة. يواجه الرئيس ترامب أزمات داخلية في الولايات المتحدة، ناهيك بالمشاكل التي خلقها لبلاده خارج الحدود. بمراجعة بسيطة لنفوذ الولايات المتحدة في الخارج، ستكتشف أنها تتَّجه للعودة إلى الحدود والانكفاء على الذات، وفي هذا تفريط في نفوذ خطّطت له منذ الحرب العالمية الثانية.

إنّ الانسحاب من سوريا وأفغانستان مهّد لتدخل روسي (العدو المفترض للولايات المتحدة) واسع النطاق هناك، والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني مهّد لظهور توافقات واتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد مع العدوين روسيا والصين. كما أن فقدان الرؤية بالنسبة إلى ليبيا جعل منها مناطق نفوذ (تركي - روسي)، وسحب العديد من القوات الأميركية من ألمانيا سوف يجعل الحلفاء القدماء في مواجهة مباشرة مع روسيا.

أما إسرائيلياً، فيجب القول إن نتنياهو وترامب يواجهان اضطرابات داخلية حادة للغاية، فمنح "إسرائيل" الجولان والقدس على طبق من ذهب دفع إلى توحيد (أو السعي إلى توحيد) الصف الفلسطيني، كما ساهم في انشقاق داخلي حاد في "إسرائيل"، ناهيك بالتجاذبات الداخلية حول عملية الضم الإسرائيلي للضفة الغربية وفشلها. من جهة أخرى، قد يتم إقصاء ترامب من البيت الأبيض خلال الانتخابات المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وبذلك تتم العودة إلى المربع الأول.

ثانياً، إن محاولة شيطنة إيران، وتصويرها على أنها العدو الأول للعرب، ساهم بشكل أو بآخر في تضييع حقوق الشعب الفلسطيني. وقد أضاعت بعض الدول العربية البوصلة العربية التي كانت تتّجه نحو فلسطين وحماية حقوق الشعب الفلسطيني منذ حرب العام 1948، فتصوير إيران على أنها العدو الأول دفع بعض هذه الدول إلى التوجّه إلى "إسرائيل"، والانخراط المخجل في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، بل ودفع البحرين، على سبيل المثال، إلى دعوة "إسرائيل" إلى ورشة البحرين لتضييع الحقوق، ناهيك بدعم بعض الدول لصفقة ترامب الَّتي لا تمنح الفلسطينيين إلا "كانتونات" متفرقة هنا وهناك.

لم تحتل إيران الأراضي الفلسطينية، ولم تشجع "إسرائيل" على ضم الضفة الغربية أو الجولان أو غور الأردن. والعرب بتوجّههم نحو "إسرائيل" إنما يعتمدون على صديق متزعزع داخلياً وخارجياً (وخصوصاً ضمن الضغوط الدولية الرافضة لضم الضفة الغربية)، وهي لن تتحوَّل أبداً إلى حليف للشعوب العربية، كما أنها اليوم محاصرة في كل من سوريا ولبنان عن طريق حزب الله.

ختام القول، إنّ التغيرات الإقليمية التي تحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط قد ترسم معالمها لسنوات قادمة. ولعل أخطر ما قد تواجهه هذه المنطقة هو مواجهة إيرانية - إسرائيلية مدمرة.

بدورنا، نحن العرب، علينا تصحيح مسار البوصلة، أولاً بنبذ الخلافات بين الدول العربية (حرب اليمن والتدخل في ليبيا)، وثانياً بالتخلي عن فكرة أنّ إيران عدو ولا يمكن الوثوق بها (قد نختلف مع الإيرانيين في العديد من القضايا، إلا أن دعوات الإيرانيين إلى الحوار تتطلب منا نحن العرب جرأة الموافقة، والجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل المسائل العالقة)، وثالثاً بعدم الاعتماد على "إسرائيل" كحليف في المنطقة، ونبذ التطبيع معها، وخصوصاً أنها تحتاج إلى من يحميها، ورابعاً الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني ودعم الأردن أمام الأطماع الإسرائيلية. 

بهذه الخطوات، سنكون فاعلين مهمّين في المعادلات الإقليمية والدولية.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
محمود البازي

كاتب متخصص بالشؤون الإيرانية وشؤون الشرق الأوسط