أفول الجامعة العربية وبزوغ "الناتو" العربي الإسرائيلي

ما قامت به الجامعة العربية هو أنّها دقّت المسمار الأخير في نعش آليات العمل العربي المشترك التقليدية، وهيأت الأرضية لإنهاء الجامعة التي سيكون الناتو العربي بديلاً انتقالياً لها.

  • هل سيكون الناتو العربي الإسرائيلي بديلاً عن الجامعة العربية؟
    هل سيكون الناتو العربي الإسرائيلي بديلاً عن الجامعة العربية؟

لا يمكن قراءة إسقاط الجامعة العربية مشروع القرار الفلسطيني بإدانة التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل" على أنه حدث يدخل في مذكرات أيام السقوط العادي لأمة بدأت رحلة تلاشيها منذ أكثر من ألف عام. 

العارفون بكواليس إنضاج ذلك المشروع وما طاله من جراحات تجميلية تتفق وذوق صاحب الخيمة وحاشيته، يعرفون أن إسقاط المشروع كان إصراراً على إسقاط حق، قبل أن تكفله كل القوانين الوضعية، كانت قد كفلته القوانين الطبيعية والأديان، وهو المساواة بين بني البشر، بدءاً بالحق في الوطن، وانتهاء بحرية عبادة الله، خالق هذه الحقوق، حيث لا إكراه في الدين، فقد قبل الجانب الفلسطيني مختلف التنقيحات التي أدخلت على النص الأصلي بغية تمريره، من أجل المحافظة على الحد الأدنى من ديناميات العمل العربي المشترك التي تشكّل شبكة أمان إقليمية للحراك الفلسطيني على الصعيد الدولي، لاستعادة جزء من الحقوق الوطنية الفلسطينية.

رغم ذلك، تم الإصرار على إسقاط مشروع القرار، في إشارة شديدة الوضوح للفلسطينيين إلى النية بفك الارتباط العربي الرسمي معهم، كما أنه جاء إشارة مماثلة للمجتمع الدولي إلى أن الشأن الفلسطيني لم يعد شأناً عربياً.
وما يؤكد ذلك ويشكل خطراً أكبر على الحق الفلسطيني، هو ما تضمَّنه البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب. وكان أمين عام الجامعة، أحمد أبو الغيط، قد مهّد له عندما شدَّد على إدانة ما أسماها بالتهديدات الإيرانية والتركية، وضرورة التصدي لها، من دون أي إشارة إلى "إسرائيل" أو حتى إثيوبيا، التي يقول الإعلام المصري إنها سرقت حقوق مصر في مياه النيل، فيما يقول آبي أحمد إن بلاده لم تتجاوز حدود الاتفاقيات التي وقَّعها السيسي.

إذاً، ماذا يعني أن تتفرّغ الجامعة العربية خلال مناسبة انعقاد كهذه لتصنيع أعداء وهميين يميناً ويساراً، وتتجاوز عن الخطر الإسرائيلي الحقيقي؟ هل تشرعن للأنظمة العربية منفردةً ومجتمعةً البحث الحرّ عن وسائل الدفاع الخاصّة بها أو أنها تمهد لإنهاء معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتعدّ لأخرى تكون فيها إيران أو تركيا أو كلتاهما العدو الجديد للأمن القومي العربي؟ وإن كانت "إسرائيل" ستصبح صديقة الأمن القومي العربي الجديد وحليفته وفقاً لهذا التوجه، فهل هناك ما يمنعها من أن تتبوّأ مقعد فلسطين وتصبح عضواً في الجامعة؟

لكي لا يبدو أنَّنا نسبح في خيال ساذج، فإننا نذكر بأن إدارة ترامب، ومنذ فترة، تعمل بهدوء على إنشاء تحالف أمني من 6 دول خليجية، إضافةً إلى مصر والأردن، يعرف بشكل غير رسمي باسم "الناتو العربي"، كما قد يحمل أيضاً أسماء مثل "ميسا" و"تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي". وقال نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي، تيم لاندركينغ، في مقابلة مع صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، إن الإدارة الأميركية تخطّط لعقد قمة في كانون الثاني/يناير المقبل لتدشينه، إذ سيضمّ 9 دول عربية، على رأسها دول التعاون الخليجي، إضافة إلى مصر والأردن والولايات المتحدة.

ومن المنطقي أن لا يضع لاندر كينغ "إسرائيل" في قائمة دول هذا التحالف، وخصوصاً أنه سابق للاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، ولكن بعد هذا الاتفاق، واحتمال انخراط دول عربية أخرى في التطبيع، سوف يغير من عناصر الرؤية الأخلاقية ومكوناتها، ويضع "إسرائيل" في قلب هذا التحالف الذي سيكون أولاً لتجاوز كلّ الحقوق الوطنية الفلسطينية، وثانياً لتحويل أطراف هذا التحالف إلى محميات في إطار وظيفي لا يتجاوز البعد الأدواتي فيه.

يخطئ من يعتقد أنَّ إسقاط مشروع القرار الفلسطيني من قبل العرب الرسميين، باستثناء دولتين، سيكون إجراء عادياً، وأنه يقع في إطار الممارسات السّيادية التقديرية التي تمارسها الدول الأعضاء وفقاً لميثاق الجامعة السيئ الذكر، بل إنَّ ما قامت به الجامعة العربية هو أنّها دقّت المسمار الأخير في نعش آليات العمل العربي المشترك التقليدية، وهيأت الأرضية لإنهاء الجامعة التي سيكون الناتو العربي بديلاً انتقالياً لها، قبل أن يأخذ اسماً جديداً عندما لا تكون "إسرائيل" عضواً فيه، بل على رأس قيادته.

صحيح أنَّ هذه الخطوة قد تبدو انتحارية لأصحابها من وجهة نظر أتباع المدرسة الطبيعية، وضد المسار الطبيعي للأشياء، وخصوصاً أن الحقوق كثيراً ما تكون خارج المدوّنات الرسمية للقوانين والقرارات، باعتبار أنّها نابعة في الأساس من الالتزامات الأخلاقية المحفورة في ضمير الأفراد، وأنّنا يمكننا الاستناد إليها لمجابهة كلّ القرارات الّتي تخالفها، وحتى القواعد الراسخة في القوانين المكتوبة، إذ إنّ القانون الدولي اعترف لنا بصورة رسمية بوجود مجموعة من القواعد الآمرة، وهي عبارة عن قواعد قطعية لا يجوز الإخلال بها، وإن كانت غير مكتوبة، ولكن ذلك لن يكون فاعلاً خارج رؤية تغييرية أساسها القطع النهائي مع العشوائيات والركون إلى العمل الواعي.

لم يكن القرار العربيّ مخيّباً للآمال فقط، كما أنه لم يكن محبطاً، وكان يستحقّ أن يُنعت بأبشع النعوت وأكثرها انحطاطاً، غير أنَّ هذا هو ما يجب تجنّبه، لأنه ينتمي إلى وسائل مقاومة مجرّبة فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة مخططات الهيمنة على المنطقة بأسرها، لا على فلسطين وحدها. وأمام ذلك، إن لم نتجاوز ردود الفعل الغاضبة لخلق آليات فعل جديدة، فإن الكارثة القادمة ستكون أكثر إيلاماً.

ولأنَّ كلَّ هذه المحاولات، على خطورتها، تبقى بلا أفق حقيقيّ ما لم تنل رضا أصحاب الحق والشأن وموافقتهم، فقد صار ملحاً أن يعاد الاعتبار إلى منظمة التحرير الفلسطينية، كما بات من الضروري أن تلتزم كلّ الفصائل الفلسطينية بكونها الجهة الوحيدة الممثلة للشعب الفلسطيني، وأن إعادة بناء مؤسَّساتها وتهيئتها على أساس رؤية شاملة لإنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية هي مهمة مقدّسة لا تقبل التأجيل.

من المؤكّد أنَّ الحصار على الشعب الفلسطيني قد يشتدّ في المراحل القادمة، ولكنه سيكون أشدّ إن لم تقع المراجعة الشاملة للسياسات الحالية ولفلسفة التحالفات على الصّعيدين الإقليمي والدولي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
هاني الروسان

أستاذ الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية