خلف صورة التّطبيع فشل إسرائيليّ جديد

علينا أن نميّز جيداً بين الصورة التي تسعى إلى توصيف الواقع وتلك التي تريد أن تصنع واقعاً ما.

  • خلف صورة التّطبيع فشل إسرائيليّ جديد
    الأنظمة المطبّعة كانت أذناً وعيناً لـ"إسرائيل" داخل دائرة صنع القرار العربي

من الضّروري جداً الانتباه إلى تعاظم سلطة الصورة وتضاعف دورها بوتيرة سريعة في العقود الأخيرة. لذا، علينا أن نميّز جيداً بين الصورة التي تسعى إلى توصيف الواقع وتلك التي تريد أن تصنع واقعاً ما، والأخيرة هي ما تمثلها الآلة الإعلامية الأميركية الضخمة وبعض النماذج الصغيرة من حلفائها، والتي تريد تكريس هذا النموذج الأميركي باستنساخه في دوائر أصغر. 

لهذا، عندما نرى طريقة تعاطي الإعلام الخليجي والإسرائيلي مع قرار التطبيع على أنه حدث مهمّ، علينا أن نطرح السؤال الصحيح، وليس السؤال الذي تريد الآلة الإعلامية استدراجنا إليه، أي ليس السؤال عن الموقف من التطبيع، بل السؤال الأعمق: هل التطبيع حدث، أو يراد له أن يكون كذلك، أو ثمة حدث يراد إخفاؤه خلف صورة التطبيع؟

وعندما نتحدّث عن حدث أو عن اللاحدث، نوضح أن الأخير هو التلاعب بأماكن الأحداث، كبثِّ مشاهد تظاهرات في دولة ما على أنها في دولة أخرى، أو التلاعب بأزمنتها، كبث تظاهرات قديمة نسبياً على أنها حدث آني، وكلا المثالين يمثل اللاحدث، إضافةً إلى المعنى الذي يدلّ عليه مصطلح اللاحدث بصورة حرفيّة ومباشرة.

من البديهي أنَّ الأحداث المهمة تحظى بحيّز كبير واهتمام بالغ من الإعلام، ولكن ليس كلّ ما يحظى بتغطية إعلامية خاصَّة وواسعة يصبح مهماً أو يحصل على صفة الأهمية بصورة آلية.

من الغريب جداً أن يسفر اجتماع ثلاثي بين رئيس أقوى قوة عسكرية واقتصادية في العالم مع رئيس وزراء من يقال إنَّها أعظم قوة في الشرق الأوسط مع أحد أمراء الخليج، عن إعلان تطبيع العلاقات بين الإمارات و"إسرائيل"، في حين أن المتابعين في العالم بأسره يعلمون ذلك، كما يعلمون أنه بدأ منذ عقود! لا شك في أن هذه المبالغة إنما تريد أن تقنعنا بأن التطبيع يحدث الآن، وتريد إخفاء كونه واقعاً مستهلكاً، بل تراهن على أن بإمكانها بيع السلعة حتى بعد انتهاء صلاحيتها، وهذا آخر ما يمكن أن تستثمره "إسرائيل" في تحالفها مع الإمارات، لأن ميزان الربح والخسارة يشير إلى أنّ التطبيع مع الخليج كان أكثر نفعاً لـ"إسرائيل" من انكشافه أمام الرأي العام. 

إن الأنظمة المطبّعة كانت أذناً وعيناً لـ"إسرائيل" داخل دائرة صنع القرار العربي، وكانت دراعها الطولى في تنفيذ عملياتها داخل الجغرافيا العربية، وكانت لسانها المدافع عن مصالحها باللغة العربية، وهذا ما لم يعد متاحاً بعد الإعلان. وهنا تظهر قيمة الاختراق، وهي تكمن في كون عدوك لا يبدو كذلك، بل وأكثر، إذ يكون في عداد الحلفاء.

كما أن الأنظمة الخليجية، بسمعتها وباعها الطويل في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان وبقية المجالات الأخلاقية والإنسانية، لا تزيد صفحات تاريخ "إسرائيل" السوداء إلا سواداً، فلا يمكن أن تكون نية الأخيرة من هذا الإعلان هي تبييض صورتها. وإذا انتقلنا إلى الاقتصاد والأمن، فالمعادلة واضحة. كل ما ستقدمه الإمارات اليوم بعد التطبيع كانت قد قدمته أو ستقدمه حتى من دون الإعلان عن التطبيع ومن دون مقابل، والشواهد كثيرة.

هكذا، ننتهي إلى أنَّ "إسرائيل" تروّج لحدث منتهٍ أو في غير زمنه الحقيقيّ، فلماذا في هذا الوقت بالذات؟

أولاً: هو إعلان عن فشل كل المشاريع الإسرائيلية التي كانت أدواتها هي الأنظمة الخليجية، من سوريا والعراق، إلى اليمن ولبنان، إلى الجزائر وتونس، وصولاً إلى ليبيا. وقد فقد هذا التعاون الخليجي الإسرائيلي سريته تدريجياً من مرحلة إلى أخرى، ولم يعد هناك سبب لإخفائه، بل صار استثماره على الشاشة كخبر أكثر نفعاً من الاعتماد على هذه الأنظمة على الأرض.

ثانياً: الانتخابات الأميركية والإسرائيلية في ظلّ اضطرابات داخلية وخارجية للسلطتين، وتبجّح كل من نتنياهو وترامب بمثل هذا الإنجاز، إنما يدل على صعوبة وضعهما الحالي.

ثالثاً: فيروس كورونا، وخصوصاً وضع الحجر الصحّي المفروض على شعوب المنطقة، يعتبر فرصة مناسبة لتمرير خطابات كهذه من دون الخوف من ردود الفعل الجماهيريّة والعفويّة التي لا يمكن التنبؤ بنتائجها، وتبعات ما يصدر عن الشعوب في الشوارع والساحات والملاعب، واختزال الأمر في الشاشة، وجر الشعوب جميعاً خلفها، فهم يمسكون لوح التحكّم، ويبثون ما يناسبهم، ويخفون ما لا يناسبهم أو يضخّمونه ويشوّهونه بحسب مزاجهم.

أهمّ ما في الصورة هو الحدث الّذي يراد إخفاؤه، فإعلان التطبيع المستفز للشعوب العربية، إضافة إلى ما يثار حول الأنظمة الخليجية في أروقة المحاكم الأميركية والمتابعات القضائية لها في عدة قضايا، يشير إلى أنه إعلان عن نية الولايات المتحدة التخلّص من هذه الأنظمة، وأن الإطاحة بها باتت وشيكة، وهي مسألة وقت لا أكثر، والحدث الحقيقي هو ما يطبخ على الأرض من تحضير للبديل، للعب اللعبة نفسها بوجوه جديدة.

لذا، يجب التركيز خارج الشاشة، وهذه هي الأبعاد الثلاثية لصورة الإعلان؛ صورة للاستهلاك الإعلامي موجهة إلى الشعوب العربية، واستثمار سياسي من طرف السلطة الأميركية والإسرائيلية للصّورة، موجّه إلى الداخل الإسرائيلي والأميركي، وبعد ثالث استخباراتي خاصّ بالدولة الأميركية العميقة التي تريد الحفاظ على البقاء من خلال التنكيل بجثث حلفائها، فهل نشهد سيناريو صدام حسين، أو سيناريو مبارك وابن علي، أو ثمة سيناريوهات جديدة في الأفق؟

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
زكي بوشوشة

ماستر في الفلسفة - الجزائر

إقرأ للكاتب

خيوط رفيعة بين جورج فلويد وناقلات النفط الإيرانية

علينا أن ننطلق مبدئياً من الإقرار بأن هذه الإدارة وإعلامها يلجآن إلى افتعال الفضائح الأخلاقية...