التطبيع والسير باتجاه الهاوية

إنَّ الذاكرة الأمنية المبنية على الخبرة الطويلة في الميدان واستقراء العدو حدّدت مبكراً لمحور المقاومة، ومنذ سنوات، طبيعة الانزياح السياسي الحاصل في المنطقة ككل.

  • التطبيع والسير باتجاه الهاوية
    التطبيع والسير باتجاه الهاوية

انشغل العالم في العقدين الأخيرين تقريباً بتفكيك سياسة "الفوضى الخلاقة" الأميركيّة، نتيجة ما استحضرته من كوارث وحروب على جبهات عدة، لكنّ التعاطي مع هذه النظرية غيّب عن المتابعين حقيقة أنَّها تطوّرت خلال تطبيقها. جاء ذلك على يد توماس بارنيت الّذي ذهب إلى تقسيم العالم إلى قسمين: دول القلب أو المركز، وتضمّ الولايات المتحدة وحلفاءها، ودول الفجوة أو الثقب، وتضمّ الدول المعادية للولايات المتّحدة.

وبحسب هذه النّظرية، فإنّ الولايات المتحدة هي الدّولة الوحيدة المخوّلة للتدخّل في شؤون دول "الفجوة أو الثقب" وإعادة "بنائها من الداخل"، بما يحقّق نوعاً من "إعادة التموضع" للدول المستهدفة، وبناء تحالفات جديدة قائمة على تحقيق المصالح العليا الأميركية.

وكان من أكبر تجلّيات التطويرات التي أدخلت على النظرية، انزياح سياسات بعض الدول خلال العقد الأول من القرن الحالي، مثل مصر والسعودية والإمارات والأردن والبحرين وسلطنة عمان، باتجاه الاتساق الكلّي مع السياسة الأميركية. واليوم، نشهد توسّعاً في قائمة الدول المنضوية في "المركز".

الخطورة التي تحملها هذه التطورات هي أن الكيان الصهيوني بات حاضراً ضمن هذه التحالفات عبر تحركات وإجراءات، كان آخرها التطبيع مع دول خليجية، والذي منحه "شرعية الاغتصاب" ومساحة لأداء دور أكبر في إضعاف و"ردع" من يسمّونهم "دول الثقب"، وهي في الدرجة الأولى سوريا وإيران، ومعهما حزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية. ومن المرجح أن يشمل التطبيع قريباً سلطنة عمان والسعودية وقطر. كما ليس من المستغرب أن تنضم السودان والمغرب، وحتى قوات عبد ربه منصور هادي، إلى حافلة التطبيع.

وفي السياق نفسه، نتوقّف عند ما جاء في صحيفة "عكاظ" السّعودية مؤخراً، التي قالت بصريح العبارة إن "هناك توجهاً لبناء محور جديد ستكون له آثاره الإيجابية العظيمة في مستقبل المنطقة... ملف السلام سيتحرك في المنطقة، وخصوصاً مع دول محورية ومؤثرة في المنطقة، وهي دول أساسية في محور الاستقرار الذي تقوده المملكة"، داعيةً "دول الاستقرار إلى استثمار هذا التحرك، ومواصلة تعزيز منهج الواقعية السياسية"، وهي "الواقعية السياسية" الخليجية التي أعلنت العلاقة "الطبيعية" مع الكيان الصهيوني، وذهبت إلى أبعد مما توقّعه الصّهاينة أنفسهم.

هذه "الواقعية" لن تحقّق للدول الموقِعة أي مصلحة، بل هي أكبر "صفقة" للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو، إذ نجح كلاهما في رفع نسبة شعبيتهما الداخلية، والأهم تحقيق مصالح واشنطن و"تل أبيب" على المدى الطويل. 

ماذا الَّذي ستحصده هذه الدول العربية من التطبيع؟

بعد اتفاقيات التطبيع، لن يتغيّر شيء فعلياً سوى أنَّ الوجود الإسرائيلي سيكون علنياً، وسيتمّ عبره تحقيق مصالح اقتصادية، منها "تمرير خطوط الغاز، وقطع الطريق أمام روسيا"، وتعزيز القواعد العسكرية لاستهداف التحركات المعادية، كما تسمّيها، وزيادة التوسع والهيمنة، وفرض القوة للتدخّل المباشر وغير المباشر، وبالتأكيد تحقيق "الرواية التوراتية" المزعومة، إن لم تتمّ مجابهتها من الفلسطينيين ومحور المقاومة وتدخّل "المجتمع الدولي"، والأخير لا يمكن التعويل عليه، وفقاً لعدة أسباب، أهمها التدخل الأميركي وسيطرته الكبيرة على العالم.

ثمن التطبيع!

 بالعودة إلى اتفاق "وادي عربة" في العام 1994، فقد تأتّى عنه توفير جبهة أمامية آمنة للعدو أولاً، وضمّ قرية أم الرشراش وتحويلها إلى ميناء "إيلات"، ومنطقة الباقورة (5 آلاف دونم)، وتوقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة "الكويز" التي تحصد "إسرائيل" منها المليارات من "الشيكل" على أراضٍ مجانية وعمالة بأجر زهيد.

وبالنسبة إلى الأردن فهي مَدينة، وتعيش على المساعدات المرتبطة بمواقفها، وقرارها السيادي ليس بيدها، ولا تستطيع حماية نفسها، فكيف بحماية أوقاف فلسطين التي تُنهب وتُخرّب وهي الوصية عليها؟!

خرجت مصر والأردن فارغتي اليدين من التطبيع، ودول الخليج ستخرج بأمرين لا ثالث لهما: تثبيت حكّامها "المطبّعين" في الحكم، وتسليم قراراتها وثرواتها وأراضيها للعدوّ الصهيوني.

ماذا عن محور المقاومة؟

اليوم، باتت الصورة كاملة غير منقوصة. ويبدو أنَّ خارطة المنطقة تسير بالاتجاه الذي خططت له الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ولكن ماذا عن محور المقاومة؟

إنَّ الذاكرة الأمنية المبنية على الخبرة الطويلة في الميدان واستقراء العدو حدّدت مبكراً لمحور المقاومة، ومنذ سنوات، طبيعة الانزياح السياسي الحاصل في المنطقة ككل. وبناء عليه، حدَّد خياراته الاستراتيجية، وهي المقاومة، ولا خيار آخر سواها.

ويدرك محور المقاومة بشكل عام أنَّ التطبيع لن يحمل سوى تهديد للأمن والاستقرار، وأن الكيان الصهيوني والمطبّعين ليسوا سوى شركاء في التهديد المباشر وغير المباشر لسيادة أراضيهم وقراراتهم السياسيّة، والأكيد أنَّ محور المقاومة لن يصمت أمام أي تهديد له، سواء في البحر أو البر أو الجو، والتنسيق والتعاون مستمر، وهناك استراتيجية وثيقة بين دوله.

أما عن فلسطين، فلا حل اليوم سوى:

أولاً: حلّ السلطة الفلسطينية، وتأسيس "منظَّمة التحرير" من جديد، وتحويلها إلى "مقاومة شعبية يشارك فيها جميع الفلسطينيين"، وإعلان حلّ جميع الاتفاقيات السابقة مع العدو.

ثانياً: الاجتماع مع جميع فصائل المقاومة في فلسطين، والإعلان عن مؤتمر جامع يرفض التطبيع ويدعو إلى مقاومة شعبية تشمل كل الأراضي الفلسطينية.

ثالثاً: التعاون والتنسيق مع جميع الدول الداعمة لفلسطين.

رابعاً: العمل على خطّة لدعم فلسطين مادياً ومعنوياً.

خامساً: تشكيل قوّة مناهضة للتطبيع مؤلّفة من مثقّفين وسياسيين ونخب ورجال أعمال. 

سادساً: دعم وسائل الإعلام التي تناهض التطبيع، والتنسيق في ما بينها لخدمة القضية الفلسطينيّة.

سابعاً: تطوير قدرات المقاومة ودعمها مالياً ولوجستياً.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية

إقرأ للكاتب

كيف يرى برنارد ليفي التطبيع الإماراتي مع "إسرائيل"؟

يرى ليفي أنه سوف يتم التخلص من صورة "إسرائيل" باعتبارها كياناً غير شرعي في الشرق الأوسط لتتحول...

تركيا الجديدة و"الوطن الأزرق".. إرهاصات حرب عالمية؟

هل ستحارب تركيا أوروبا؟ وهل ستخرج منتصرة؟ من البديهي أن يكون الجواب لا، فهل يمتلك إردوغان...

"دولة عميقة" و"دمى" رئاسية وسيناريو أسود.. هل تنقسم أميركا؟

السّؤال "التراجيدي" الحاضر الآن: ماذا سيحدث لو خسر ترامب ورفض تسليم مقاليد الحكم للرئيس المقبل؟

الحصار الأميركيّ.. دروس من دول "معاقَبة"!

هذه العبارات ليست شعارات لتخدير الشعوب من آلام الحصار والعقوبات واستبداد الدول الغربية، بل هي...

كورونا يُعرّي "نظام التفاهة"

لقد ثبت للعالم أن القِيَم الأخلاقية والفلسفية والثقافية باتت غير مرئية، وأصحابها يعيشون "العزل"...

هل الوضع في سوريا أسوأ من 2014؟

رغم الضغوطات، تسعى دمشق إلى إيجاد أسواق جديدة وقد نجحت في ذلك نوعاً ما، وهناك عمل جدّي لزيادة...