رفع حظر السلاح عن إيران في الميزان الإقليمي والدولي

سيشهد الشرق الأوسط تحولات جذرية على مستوى التوازن الإقليمي القائم، حيث سيتحوّل المحور الممانع من موقع المُدافع عن وجوده والساعي الى إثبات حقه في الوجود، إلى موقع المُهاجم المُطالب بحقوقه في مجالٍ حيويٍ يحفظ مصالحه.

  • معرض للأسلحة والمعدات العسكريّة في العاصمة الإيرانيّة طهران - فبراير 2019 (أ.ف.ب)
    معرض للأسلحة والمعدات العسكريّة في العاصمة الإيرانيّة طهران - فبراير 2019 (أ.ف.ب)

يوم الأحد الماضي الواقع فيه 18 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020،  دخل بند رفع حظر السلاح عن إيران المثبت بموجب القرار 2231  والصادر عن مجلس الأمن عام 2015 حيّز التنفيذ، معلناً بداية مرحلة جديدة، عنوانها قدرة إيران على الإستفادة من بيع السلاح وشرائه بشكل قانوني لا يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية.

أمرٌ صنّفته أكثر التحليلات في خانة قدرة الجمهورية الإسلامية المستجدة على تحديث ترسانتها العسكرية البحرية والبرية والجوية، والاستفادة من عائدات بيع السلاح، بحيث يؤدي الى تحسين وضعية المشروع الإيراني في المنطقة والمتمثل بدعم حركات المقاومة والدول الحليفة بطريقة شرعية وعلنية، إضافةً الى إمكانية حصولها على موارد مالية وتقنيات عسكرية كانت محرومةً منها منذ صدور القرار 1737 عام 2006.

أكّد على هذا الأمر (الحق) العديد من القادة الإيرانيين، على رأسهم الرئيس الإيراني حسن روحاني حيث صرّح: "قاتلنا أمريكا أربع سنوات للوصول إلى هذا اليوم، وإحدى فوائد الاتفاق النووي هي رفع الحظر التسليحي عنا وعندها نستطيع شراء وبيع الأسلحة لمن نريد".

لكن الغوص في حيثيات ونتائج رفع الحظر تُظهر أن آثاره لن تقف عند حدود ما احتفى به الإعلام والقادة الإيرانيون، فالجهود القصوى التي بذلتها الولايات المتحدة  في الأشهر الماضية لتمديد الحظر على إيران عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن، والإصطفاف الدولي المستجد والمتمثّل بالثبات الروسي والصيني والحياد الأوروبي، يحتّم إعادة تقييم واقع العلاقات الدولية والإقليمية وانعكاسها على شكل النظام الدولي الحالي.

لقد نجحت الجمهورية الإسلامية، عبر جهودها الدبلوماسية ونظرية الصبر الإستراتيجي، التي اعتمدتها في مفاوضاتها حول برنامجها النووي، في التوصّل الى اتفاق مثبت في مجلس الأمن بموجب القرار2231 عام 2015 تحت عنوان خطة العمل الشاملة المشتركة. وبذلك، باتت الأطراف، لاسيما الأوروبية، ملزمةً  باحترام توقيعها على الخطة المُتفق عليها. وبنتيجة هذا الإتفاق، وجد الأوروبيون أنفسهم مجبرين، تحت وطأة الإحراج، على تبنّي موقف الحياد حين طرحت الولايات المتحدة مشروع قرارٍ في مجلس الأمن بتاريخ 15 آب/أغسطس 2020، ينصّ على تمديد حظر السلاح، ما أدّى الى سقوطه من خلال رفض الصين وروسيا وامتناع 11 عضواً عن التصويت. 

لقد شكّل رفض مجلس الأمن لمشروع القرار الأميركي سقوطاً مدوياً لشكل الإصطفاف الدولي من القضايا التي تخصّ الجمهورية الإسلامية، كما ظهر إلى العلن الخلاف العميق في الإستراتيجيات الأميركية والأوروبية. ففي حين تعمد الولايات المتحدة الى تطبيق استراتيجية الضغط الأقصى، تسعى الدول الأوروبية الى ربط النزاع مع الجمهورية الإسلامية، وحثّها على التفاوض حول القضايا العالقة.  

هذا الخلاف في الرؤية حول كيفية التعاطي مع القضايا التي تخصّ الشرق الأوسط بين ضفّتيّ الأطلسي، إضافة الى كيفية إدارة الخلاف مع روسيا والعلاقات مع الصين، طرَحَ ضرورة إعادة النظر بواقع العلاقات الأوروبية الأميركية حين كانت الدول الأوروبية، حتى الماضي القريب، مسلّمةً بالتفوق الأميركي، كما وطرَحَ أيضاً ضرورة البحث في تثبيت تعددية قطبية قوامها التوازن الإقليمي والدولي واحترام الشرعية الدولية.

أما على المستوى الإقليمي، فإن التزام مجلس الأمن بالقرار 2231، عبر رفض المشروع الأميركي تمديد الحظر، كرّس سيادة الجمهورية الإسلامية وحقّها الشرعي في عدم التفاوض على ملفات الترسانة الصاروخية البالستية ودورها في المنطقة، وكذلك موقفها من الكيان الصهيوني. لقد كانت هذه الملفات الثلاثة في صلب المشروع التفاوضي الذي سعت الولايات المتحدة الى جرّ الجمهورية الإسلامية إليه.

فالخيارات الإيرانية، بعد العزلة الأميركية، أصبحت مرتبطةً فقط بمعيار المصلحة القومية بعيداً عن أي صفقة حول برنامجها النووي، ومحكومةً بإطار العمل على حفظ السِّلم والأمن الدوليين. فسيادة واستقرار دول المنطقة ضمن إطار متطلبات الأمن القومي الإيراني سيعطيها المساحة القانونية والحافز المعنوي لدعم دورها في مواجهة المشاريع الأميركية والإسرائيلية التي تصنّفها الجمهورية الإسلامية في خانة زعزعة الإستقرار والأمن في المنطقة.

وبنتيجة هذا المعطى، سيشهد الشرق الأوسط تحولات جذرية على مستوى التوازن الأقليمي القائم، حيث سيتحوّل المحور الممانع من موقع المُدافع عن وجوده والساعي الى إثبات حقه في الوجود، الى موقع المُهاجم المُطالب بحقوقه في مجالٍ حيويٍ يحفظ مصالحه. إن الخيارات المتاحة ستجعل من مساحات المناورة الإستراتيجية، التي تستجد، أساسا لبناء أمنٍ أقليميٍ قوامه الحق، الشرعي والقانوني، في الوجود والتخلص من صفة الدخيل عن المنطقة.

وبنتيجة تحتمل النقاش، سنشهد تراجعاً لإطارات عملٍ قومية أو إقليمية مدعومة ومسيَرة أميركياً وبتوافق أوروبي، كجامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي لتحلّ مكانها منظومات أوسع، عمادها المصالح الإستراتيجية لقوى كبرى إقليمية أو دولية، كانت تُصنّف في خانة الدول المنبوذة، كروسيا والصين وتركيا وإيران.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
وسام اسماعيل

باحث واستاذ جامعي لبناني