النوايا لا تصنع اتفاقاً

كان المشهد ليلا مثيرا للعجب. قصر كوبرغ مضاء بالكامل والصحافيون أسفله ينتظرون فرادى وجماعات همسة أو نظرة أو حتى ابتسامة، ينتظرون خبرا قد ينهي ليل فيينا المشتعل حرارة وترقباً على عتبة اليوم الأخير من السقف الزمني الموضوع للتوقيع على الاتفاق.

القرارات وحدها تصنع اتفاقا في فيينا
 الجميع يعلم ألا شيء سيحدث في هذه الليلة، لكنهم أصروا على الإنتظار. فجأة فـُتح باب القاعة في الطابق الأول وأطل منها رجل لم تظهر معالمه، تبعه آخر، ثم رجلان ليصبح العدد على الشرفة أربعة رجال. هرع الصحافيون إلى كاميراتهم لعلهم يصلون إلى تحديد هوية الرجال، كانوا يعلمون مسبقا أيضاً ألا شيء مهم في كل هذا، لكنها طريقة الصحافيين في إضافة نوع من التشويق إلى عملهم، يمارسون على نفسهم، يرضون شيئا من فضولهم، لهذا يسهرون ولهذا يدققون ولهذا يريدون أن يكونوا حيث لا يرغب الآخرون. لم يتأخر الأمر حتى خرج وزيرا الخارجية الصيني والروسي على التوالي، خرجا من دون همسة، من دون نظرة، من دون ابتسامة. جلسة ليل الثلاثاء الوزارية بين مجموعة 5+1 وإيران استمرت لأكثر من ساعتين. المطلوب كان قرارات حاسمة من الجانبين، وبحسب دبلوماسي رفيع "لم يكن المطلوب إظهار نوايا، فالنوايا لا تكفي. المطلوب قرارات، القرارات وحدها تصنع اتفاقا." يقول الدبلوماسي الغربي إن أربعا من خمس أوراق، هي كل الملحقات، جرى الاتفاق على نصها وهذا بالمفهوم العملي إنجاز كبير، لكن الورقة الخامسة وهي الورقة التي تعالج قرار مجلس الأمن ورفع العقوبات لا تزال محل خلاف، "الخلاف الأول على النص بحد ذاته، هناك أكثر من صيغة مطروحة، الإيرانيون يريدون كلمات محددة ودول 5+1 تريد نصاً آخر، والأمر استدعى جلب قواميس لغة، الخلاف أحيانا يكون على أحرف الجر." دبلوماسي إيراني بدوره لا ينفي الأمر لكنه يرى أن المشكلة في مكان آخر، "إيران ستبقى هنا طالما أن هناك إمكانية للتقدم وبعد ذلك لكل حادث حديث،" يضيف "المسألة ليست مرتبطة بتضييع الوقت إنما بالوصول إلى شيء يعيش طويلا." تعلم إيران أن هناك كثراً يريدون لهذا الاتفاق أن يسقط بالضربة القاضية، إسرائيل على رأس اللائحة. ترى إسرائيل في حصول إيران على حق أن تكون دولة نووية بشرعية دولية مصابا جللاً عليها، كيف لا وهي تنظر إليها على أنها الخطر الأكبر عليها في المنطقة. هذا الأمر تأخذه الولايات المتحدة بعين الاعتبار وهي تخشى بسبب ذلك من تأخير الاتفاق لكي تحدّ من فترة دراسته لدى الكونغرس وبذلك تحد من إمكانية تدخّل مجموعات الضغط المختلفة لدى النواب الديموقراطيين قبل الجمهوريين، ليس التعويل هنا على الحصول على تصديق الكونغرس إنما على الأقل على ثلث عدد الأصوات ليتمكن الرئيس من استخدام الفيتو وتمرير الاتفاق. الساعة في فيينا توقفت عن الحركة، السابع من يوليو سيبقى السابع من يوليو حتى يوم التاسع منه، هكذا يمكن القول إن المفاوضات لم تمدّد وأنها بقيت في إطار المدة الزمنية الموضوعة لها، بينما يقال، والعهدة على الراوي، إن استعدادات ما لحدث كبير تجري في مكان ما في فيينا، فهل يكون هذا الحدث اتفاق فيينا التاريخي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
علي هاشم

كاتب وصحفي لبناني، عمل في قناة الميادين حتى عام 2017، أسس الميادين أونلاين و غطى العديد من الأحداث المهمة في المنطقة والعالم. يكتب بشكل دوري في موقع المونيتور الأميركي وله مقالات نشرت في صحف عربية وعالمية مختلفة منها السفير اللبنانية والمصري اليوم و الغارديان والصانداي تايمز البريطانيتين.

إقرأ للكاتب

عبد الناصر أرق الملك والشاه

خلال فترة الستينيات تحول المد الناصري إلى هاجس يسيطر على السعودية وإيران. كانت الحرب في اليمن...

طهران - الرياض: الطريق إلى الزلزال (1)

ليس التوتر الحديث بين إيران والسعودية وليد اللحظة، هو نتيجة عقود من التنافس على التأثير في...

خلف حجاب إيران

كلّما عرفت أكثر عن إيران كلّما أيقنت أنك لا تعرف سوى القليل حتى إن بعض ما تخاله مسلّمات يضيع في...

أميركا وإيران: حربٌ حربٌ، سلمٌ سلمٌ

لم تكن العلاقة بين إيران وأميركا سيئة من الأساس، لكنّها لخطب ما تحوّلت من اعتقاد إيراني...

التحرير الذي انتظره جدي!

لو أننا في أي وطن آخر، في أي مكان غير العالم العربي، لو أننا في فرنسا مثلاً لكان هذا اليوم،...

لماذا يهرب المتحدث باسم حماس من نفي الكلام التركي.. بالهجوم على الميادين؟!

ليست الميادين قاصرة عن تأكيد ما ورد على صفحاتها بالدليل، لكنها تحفظ مصادرها وتحترمها وتقدر...